وإذا كان الإنكليز أضافوا السكر للشاي بغية التحلية، عكس الصينيين وهم أصحابه، الذين يشربونه بلا سكر، فالمغاربة أضافوا إليه النعناع، وبهذا اختصوا، فضلا عن العنبر والشيبة (الشويلاء)، والسالمية (المريمية). وابتداء من أربعينات القرن العشرين، أمست له طقوس لافتة، حميمة وشبه مقدسة، مع ابتكار أوان يتفرد بها، مثل البراد والصينية والربايع.

قصائد تراثية عن الشاي
حظي الشاي باهتمام كبير في الشعر المغربي التقليدي، الفصيح منه والعامي، العربي منه والأمازيغي، ومجمل القصائد التراثية المنذورة للشاي، تحتفي بطقوسه الحميمة، ومحافله البهيجة، وطرائق إعداده المهيبة، وتوصيف مشربه ومقامات الانتشاء به، ومدحه والمنافحة عن إدمانه.
ومن هذه القصائد، القصيدة الزجلية، "الزهو في الطبلا" لحسن بلحاج المراكشي:
والبراريد نحكي شابات يا فيهم وزاني
محزمين بهمام السلطان
والبقارج مثل الفرسان
عشق الطبلا والكيسان
والقوالب مثل الشبان
وقصيدة "أتاي به غدر لي قمصالي" للحاج محمد بن أحمد الحصار:
أتاي يا نديم اسقيني
بوجود لا متي وحبابي
بطبوع نغمتك حييني
حتما نجاوبك بجوابي
وقصيدة "أتاي" بالأمازيغية للرايس بلعيد:
فليكن كل بيت لا شاي فيه/ عرضة لدمار الصواعق والسيول
وقصيدة "تشحير الشاي" للطاهر بن إبراهيم الإفراني:
فصحّ أن صنعة التشحير/ قذى بعين الأنس يا سميري
وقصيدة "الأتاي والراح" لمحمد العربي ابن السايح الرباطي:
واصل شراب خليفة الأمجاد/ واترك مقال أخي هوى وعناد
صفراء تسطع في الكؤوس كأنها/ شمس تبدّت في ذرى الأطواد
وقصيدة "الريق والإبريق" لمحمد الحراق الحسني العلمي:
عذرا لو أعطت ريقها إبريقها/ أغناه حقا عن حلاوة سكر
وقصيدة "الصينية والزهو والنعماء" لمحمد بن ادريس بن محمد العمراوي:
يا مهديا كأس الأتاي بكفّه/ وبلحظه كأس من الصهباء
وقصيدة "مشاجرة بين المقراج والبراد" لمحمد بن أحمد الإكراري: أعينهم تحيط بالمقراج/ وكلهم بقلبه يناجي
وقصيدة "الشاي" لابراهيم لحسين نايت إخلف: آنية الشمس كغرة الشمس ومرادي بيان قصتها
ومنظومة الزموري: مثل الأتاي الوندريز مذهبه/ على صفا صني ملتهبة...
مع إلحاق مقامة الشاي لحمدون بن الحاج، لهذا المتن الشعري:
خضراء أتاي استحال سندسها/ ورسا سرورا لراء ما له واق
أأذنت بغروب شهبها فبدت/ صفرا أم الكيمياء في يد الساقي
في الأغنية الشعبية
بالمقدار ذاته، حظي الشاي باهتمام وارف، في الأغنية الشعبية المغربية، التراثي منها والمعاصر، ومن ذخيرتها الفنية، ننتخب نموذجين لافتين:
الأغنية الأولى للفنان حسين السلاوي (1918- 1951) الموسومة بـ"الراضا، الراضا" ويبدأها بمحاورة مع السيدة "للا فاطنا"، معلنا مناخَ سمرٍ للمتعة لا للنكد، وبذا تدور عجلة السهرة، ابتهاجا ببياض المرأة المحناة، وشدو الكأس المنكّهة بعشبة الشيبة أي الشويلاء، مع كعكة الغريبة، في احتفالية يؤثث موائدها الشاي، أو براد الشاي المتطاوس بكؤوسه و"ربايع" سكره المرابطة:
أخويا البيضا تحني والكاس يغني
أسيدي والشيبة حبيبة وتدير غريبة
أشربوا أتاي ف البرارك يا لعروبيا
أسيدي الطبلا مصوبا والكيسان ثلاثا
أجبنا أتاي ف البرامل لا تكولو غامل
أجبنا السكار ف الخناشي لا تكولوا راشي
تمسرح الأغنية فضاء سمرها، وتفصح عن شرائح اجتماعية متفاوتة، كالنديم الذي يصدح بأن ابنه انخرط في صف العسكر، فيما اللازمة تحتكم إلى البراد العشاري، أي الإبريق الذي ملؤه عشر كؤوس، وفي سديم البهجة ينساب شعر المرأة المغناج التي توقد حطب الرغبة فيمن يراها من الفتيان، وهي تشترط قالب سكر لمن يروم مخدعها، مع كبش يُقاد بحرير الأثواب، وزربية تفترش إيوان الضيوف، وأولا وأخيرا، لا بد أن تشرب شايها كيفما كان الهوى محتدما، فليتريث المتيم بها، ما دام كل شيء يحتكم إلى شرب كأس الشاي، لا غير.
أسيدي، سيدي! حليت سالفي، حليتو حتى فقير
ما خليتو، خليت العزارا ف حالا حيث أنا زلالا
وا مي للاجاب القالب، هرسو بين يديا
وجاب الحولي كودو بالسبنيا
والمصريا مفرشا بالزربيا
وقشابيتو مخيطا بالروميا
للا للا على كنيبريا
أربي، يا ربي، سرجو لو بغيلتو
تسناني حتى نشرب أتاي، ألهوى، آه.
وأما ثاني أغنية ذائعة الشهرة، فهي "الصينية" لمجموعة "ناس الغيوان"، استهلوا بها رصيدهم الغنائي، كأول قطعة موشومة، في بداية السبعينات.

والصينية الآنية النحاسية أو الفضية، هي ما يجمع ألفة البراد بكؤوسه و"ربايع" سكره ونعناعه، في محفل الشاي اليومي لدى المغاربة، كطقس يجمع شتات العائلة، بالالتفاف حول مشربه الحميم، ومضمون الأغنية يتشعب من الاجتماعي إلى العاطفي والوجودي والفني، باستعارة علامة الشاي هذه، احتكاما إلى أيقونة الصينية ذاتها، كصرح آنية جامع، يحيل على شجرة العائلة، إذ أن البراد/ الإبريق هو سلطة الأب والأم، والكؤوس هي الأبناء، في قراءة أفقية. في المقابل، تمضي الأغنية عموديا، في ما يشبه مرثية لدفء الماضي، في حضن الأحبة، العشيرة، الحبيبة، ناس الحومة أي الحي، مع استحالة نسيان أثر ذلك.

وحدها كأس حزينة ما بين كؤوس الصينية تتمثل صيحة الفنان وهو ينفصل بمصيره المأسوي، صوب طريق مفردة، لم يخترها عبثا، بل انزلق إليها من فرط الهول، وذاك قدره.
بحر الغيوان إذن، ما جرف هؤلاء، كقدر فني، فالرعب ما ينتصب وراءهم، والحنين إلى مراتع الطفولة ما يلهب الوجدان، وفي أوار الابتلاء وتكبد قسوة الاختيار في مجابهة الأعداء، يغدو صفح الأحباب هو المبتغى.









