المفاوضات السورية- الإسرائيلية.. فشل أم تجميد مؤقت
عنب بلدي ـ أمير حقوق
تشهد مساعي التوصل إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل حالة من التعثر، رغم استمرار الوساطة الأمريكية التي تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الجانبين.
ورغم توقفها، قال الرئيس السوري، أحمد الشرع، خلال حوار مع وكالة “الأناضول” التركية في 16 من نيسان الحالي، إنه لا يعتقد أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، لكن تجري بصعوبة شديدة، بسبب إصرار إسرائيل على الوجود في الأراضي السورية.
التصريحات السورية الأخيرة أكدت وجود مسودة اتفاق سابقة، لكنها لم ترَ النور نتيجة عراقيل متعددة، من بينها ما وُصف بمشكلات فنية لدى الجانب الإسرائيلي.
وفي المقابل، شددت دمشق على أن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، سواء عبر الضربات الجوية أو التوغلات البرية، يمثل عاملًا أساسيًا في تعطيل أي تقدم فعلي نحو الاتفاق، ويقوّض الثقة المطلوبة لإنجاحه.
هذا الواقع يعكس مسارًا تفاوضيًا هشًا، تحكمه التوترات الميدانية والتجاذبات السياسية، في ظل بيئة إقليمية معقدة.
إسرائيل تفتقد الجدية
تشير المعطيات المرتبطة بمسار التفاوض الأمني بين سوريا وإسرائيل إلى حالة من التعثر الواضح، رغم استمرار الجهود الأمريكية لدفع هذا المسار قدمًا.
وكشف مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، محمد طه الأحمد، أن الوساطة الأمريكية ما زالت مستمرة للوصول إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل.
وتم التوصل منذ فترة لمسودة اتفاق مع إسرائيل، ولكن حصلت مشكلة فنية لديها باستبدال رأس الفريق المفاوض، بحسب ما قاله الأحمد لقناة “المملكة” الأردنية، في 12 من نيسان الحالي.
ويرى الخبير في العلاقات الدولية الباحث محمود علوش، أن المفاوضات بين الطرفين فشلت لسبب رئيس يتمثل في عدم جدية إسرائيل، مؤكدًا أنها لم تكن ترغب في التوصل إلى اتفاق أمني، بل دخلت المسار التفاوضي نتيجة ضغوط أمريكية أثرت على سياسة بنيامين نتنياهو في سوريا.
علوش أشار، في حديث لعنب بلدي، إلى أن إسرائيل لم تتخلَّ عن نزعتها التوسعية، وتسعى لتهيئة الظروف لتصعيد سلوكها وفرض واقع جديد في الجنوب السوري.
وأضاف أن سوريا لديها مصلحة في التوصل إلى اتفاق، وقد أبدت استعدادًا وانفتاحًا على هذا المسار، إلا أن الحسابات الإسرائيلية تتجاوز إطار المفاوضات إلى أهداف أوسع.
الشرع: سوريا جادة بالحصول على نوع من الاتفاق الأمني
• إسرائيل قابلت سوريا بوحشية، واحتلت جزءًا من الأراضي المحاذية للجولان المحتل، وسوريا اختارت طريق الدبلوماسية وإقناع المجتمع الدولي بالمساعدة حتى لا تتأزم الأمور.
•الحكومة السورية جادة بأن تحصل على نوع من الاتفاق الأمني مع إسرائيل، يحافظ على استقرار المنطقة.
من حوار للرئيس السوري أحمد الشرع مع وكالة “الأناضول” التركية – 16 من نيسان 2026
بدروه، يعتقد الخبير في العلاقات الدولية الدكتور عامر فاخوري، أنه لا يمكن الحديث عن فشل نهائي في التوصل إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، وإنما عن تجميد سياسي مؤقت لاتفاق ما زال قائمًا من حيث المبدأ، لكنه اصطدم بواقع ميداني متفجر.
وقال فاخوري في حديث إلى عنب بلدي، إن أي وساطة أمنية تحتاج إلى حد أدنى من الثقة، وعندما تقول دمشق إن إسرائيل تواصل اختراق الأجواء السورية، وتنفذ توغلات داخل الأراضي السورية، فمعنى ذلك أن الأرض تسير في اتجاه، بينما التفاوض يسير في اتجاه آخر.
يرى فاخوري أن التعثر طبيعي، لأن الطرف السوري يقول عمليًا: كيف أوقع تفاهمًا أمنيًا مع طرف ما زال يفرض وقائع بالقوة؟
أما من جهة الدوافع، فيرى أن سوريا تريد تثبيت السيادة، ووقف الغارات، وإعادة إسرائيل إلى خطوط ما قبل التوغلات التي حصلت بعد سقوط النظام السابق، مع العودة إلى مرجعية 1974 باعتبارها أقل الصيغ حساسية وأكثرها قابلية للتسويق داخليًا وإقليميًا.
وبذلك، فإن دمشق لا تريد، على الأقل في هذه المرحلة، قفزًا إلى سلام شامل، بل تريد أولًا ضبط الحدود ووقف الانتهاكات وتثبيت قاعدة: لا تدخل إسرائيليًا في سوريا تحت أي ذريعة.
أما إسرائيل، فمن الواضح أنها تنظر إلى الملف من زاوية مختلفة تمامًا، بحسب تعبير فاخوري، شارحًا أن دوافعها لا تنطلق من مبدأ الانسحاب أولًا، بل من مبدأ الأمن، وأنها تنظر إلى الوضع الإقليمي على أنه بيئة حرب طويلة وليس بيئة تسويات مستقرة، لذلك تريد إسرائيل أي اتفاق بشروط تحمي مصالحها الأمنية.
جوهر الخلاف بين سوريا وإسرائيل ليس تقنيًا فقط، بل بنيوي، فسوريا تريد اتفاقًا يعيد ضبط السلوك الإسرائيلي ويكرس السيادة السورية، وإسرائيل تريد اتفاقًا يكرس حرية أوسع للحماية الاستباقية، أو على الأقل يضمن لها عمقًا أمنيًا على حدودها.
الدكتور عامر فاخوري
خبير في العلاقات الدولية
دمشق تحمّل إسرائيل مسؤولية العرقلة
عزا وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، تعطيل المسار التفاوضي إلى استمرار الانتهاكات الإسرائيلية التي عرقلت الوساطة الأمريكية.
وأشار الشيباني إلى أن الوساطة الأمريكية بين دمشق وتل أبيب التي أسفرت عن اجتماعات في لندن وباريس، خلال الأشهر الماضية، تعثرت نتيجة الانتهاكات الإسرائيلية شبه اليومية التي تتخللها حملات دهم وتفتيش لمنازل واعتقال مدنيين، بينهم أطفال ورعاة أغنام.
وهنا، أكد الخبير في العلاقات الدولية الدكتور عامر فاخوري، أن اتهام سوريا لإسرائيل بعرقلة الاتفاق بسبب استمرار الانتهاكات يُقرأ على مستويين:
· الأول: قانوني- سياسي، إذ تريد دمشق أن تقول لواشنطن وللرأي العام الدولي، إن المشكلة ليست في المبدأ، بل في السلوك الإسرائيلي على الأرض.
· الثاني: تفاوضي، فسوريا ترفع سقف الضغط قبل أي جولة جديدة، حتى لا تدخل المفاوضات من موقع الطرف الضعيف أو الطرف الذي يقبل بالأمر الواقع، وبمعنى آخر، هذا الاتهام ليس فقط توصيفًا لما حدث، بل أيضًا ورقة لتحسين الشروط التفاوضية.
أما الخبير في العلاقات الدولية محمود علوش، فقال إن التصعيد الإسرائيلي والاعتداءات المستمرة على سوريا أسهما في تعقيد المسار التفاوضي، معتبرًا أن هذا السلوك يندرج ضمن هدف إسرائيلي لإفشال المفاوضات.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة لعبت دورًا مهمًا في التأثير على السياسة الإسرائيلية، لكن هذا الدور لم يصل إلى حد إحداث تحول فعلي، لافتًا إلى أن إدارة ترامب لم تستطع ممارسة ضغط كافٍ على نتنياهو لإبرام اتفاق أمني.
الاتفاق مرتبط بمرحلة ما بعد الحرب على إيران
يرجح المحللون السياسيون أن مسار التفاوض بين سوريا وإسرائيل تأثر أيضًا بالتطورات الإقليمية، خصوصًا في ظل التصعيد الذي حصل بين إيران وإسرائيل، إلى جانب مواقف إقليمية تعكس مخاوف من تداعيات هذا التصعيد.
الخبير في العلاقات الدولية محمود علوش، اعتبر أن إمكانية إحياء المسار التفاوضي قد ترتبط بمرحلة ما بعد الحرب على إيران، حيث يتوقف ذلك على نتائجها وتداعياتها.
كذلك قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إن الهجمات الإسرائيلية في سوريا تمثل مشكلة كبيرة وخطرًا بالغًا بالنسبة لتركيا، مضيفًا أن “عدم قيام إسرائيل بشيء ضد سوريا بسبب الحرب في إيران لا يعني أنها لن تفعل ذلك مستقبلًا”، بحسب ما نقلت عنه وكالة “الأناضول”.
وجاءت تحذيرات الوزير التركي في سياق تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا، إذ قال إنه “لا يمكن لإسرائيل أن تعيش دون عدو. بعد إيران يسعى نتنياهو لإعلان تركيا عدوًا جديدًا”.
الخبير محمود علوش، أشار إلى أن تصريحات فيدان تعكس قلقًا من احتمال تصعيد إسرائيل لسلوكها في سوريا، استنادًا إلى استمرار نزعتها التوسعية، إضافة إلى مخاوف من تراجع الضغط الأمريكي على إسرائيل في حال انشغال واشنطن بالحرب.
كما أوضح أن الساحة السورية تمثل مجالًا لتعارض المصالح الأمريكية والإسرائيلية، إلا أن الدور الأمريكي أسهم في إدارة هذا التباين ومنع تحوله إلى صدام، متوقعًا استمرار هذا التأثير في تشكيل التفاعلات، بما فيها العلاقات التركيةـ الإسرائيلية.
الاتفاق يتطلب نية من إسرائيل
تتباين شروط ومطالب الأطراف المعنية بالاتفاق، وسط استمرارية الوساطة الأمريكية، ما يعكس صعوبة التوصل إلى صيغة توافقية دون توفر إرادة سياسية واضحة.
أكد الخبير محمود علوش، أن فرص التوصل إلى اتفاق أمني تبقى قائمة في حال توفرت نية لدى إسرائيل، معتبرًا أن المطالب السورية واقعية ومنطقية، إذ تضمن وحدة البلاد وسيادتها، وفي الوقت ذاته تأخذ بعين الاعتبار ما تصفه إسرائيل بمصالحها الأمنية، رغم استخدامها، بحسب رأيه، كغطاء لنزعتها التوسعية.
أما الخبير عامر فاخوري، فيرجح أن الوساطة الأمريكية ما زالت موجودة لكنها تصطدم بتعارض الأهداف، والدليل أن واشنطن رعت استئناف المحادثات في كانون الثاني الماضي، وأسهمت في إنشاء آلية اتصال مشتركة، وما زالت، بحسب التصريحات السورية الأخيرة، منخرطة في المسار.
لكن المشكلة، برأيه، أن واشنطن تستطيع جمع الطرفين، ولا تستطيع وحدها فرض التزام ميداني فوري إذا كانت إسرائيل ترى أن اللحظة الإقليمية ما زالت تسمح لها بالمناورة العسكرية.
لذلك فإن الوساطة الأمريكية اليوم هي أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى إنتاج اتفاق نهائي سريع، بحسب فاخوري.
مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، محمد طه الأحمد:
الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل يرتكز على اتفاقية فض الاشتباك للعام 1974، وعدم تدخل الإسرائيليين بالشؤون الداخلية السورية، وعدم استغلال أي مشكلات داخلية لتبرير دخولهم إلى سوريا، وضرورة انسحاب إسرائيل من جميع المناطق التي تم الدخول إليها بعد سقوط النظام السابق.





