المالية العمومية بالمغرب
المالية العمومية بالمغرب بين التقشف الذكي والتحول الرقمي: قراءة تحليلية في منشور البرمجة الميزانياتية 2027-2029
يكتسي منشور رئيس الحكومة المتعلق بإعداد البرمجة الميزانياتية لثلاث سنوات (2027-2029) أهمية خاصة، ليس فقط من زاوية تأطيره القانوني المستند إلى القانون التنظيمي للمالية رقم 130.13، بل أيضًا من حيث سياقه السياسي والمؤسساتي، إذ يصدر على بعد أشهر قليلة من نهاية الولاية الحكومية. وهو ما يمنحه بُعدًا مزدوجًا: بُعدًا استشرافيًا يروم تأطير السياسات العمومية المستقبلية، وبُعدًا تدبيريًا يتجه نحو ضبط التوازنات المالية في أفق استحقاقات كبرى، خاصة تلك المرتبطة بأفق 2030.
غير أن القراءة المتأنية لمضامين هذا المنشور تكشف عن تحول لافت في فلسفة التدبير العمومي، حيث يتم الانتقال من منطق توسيع النفقات إلى منطق العقلنة الصارمة وترشيد الموارد، بما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا التحول وحدوده.
فكيف يعكس منشور رئيس الحكومة تحولًا بنيويًا في نموذج المالية العمومية بالمغرب نحو منطق التقشف العقلاني الموجه بالأداء، أم أنه مجرد تدبير ظرفي لإكراهات مالية مرحلية؟ وهل يمكن لإجراءات مثل إعادة انتشار الموظفين وتقليص النفقات أن تحقق النجاعة دون التأثير على جودة المرفق العمومي؟
المحور الأول: من برمجة ميزانياتية متعددة السنوات إلى منطق التقشف الموجه بالأداء
يُكرّس منشور رئيس الحكومة المتعلق بالبرمجة الميزانياتية للفترة 2027-2029 توجُّهًا متقدمًا نحو ترسيخ منطق التعددية الزمنية في إعداد الميزانية، باعتبارها أداة مركزية للحكامة المالية، انسجامًا مع روح القانون التنظيمي للمالية رقم 130.13. غير أن القراءة المتعمقة لمضامين المنشور تكشف أن الأمر لا يتعلق فقط بتأطير تقني للبرمجة، بل بتحول نوعي في فلسفة تدبير الإنفاق العمومي، يقوم على الانتقال من منطق التوسع الأفقي في النفقات إلى منطق الانتقائية الاستراتيجية المبنية على إعادة ترتيب الأولويات.
فالدعوة الصريحة إلى تقليص النفقات إلى الحد الأدنى، ووقف اقتناء السيارات الإدارية، والحد من بناء وتجهيز المقرات، إلى جانب عقلنة نفقات التسيير المرتبطة بالماء والكهرباء والنقل، تعكس إدراكًا واضحًا بوجود هوامش غير منتجة داخل بنية الإنفاق العمومي. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن نفقات التسيير في بعض القطاعات تمثل ما بين 30% و40% من الميزانيات القطاعية، وهو مستوى مرتفع نسبيًا إذا ما قورن بالمعدلات الدولية التي تسعى إلى خفض هذه النسبة لصالح الاستثمار. كما أن نفقات العتاد واللوجستيك، بما فيها السيارات الإدارية، تشكل في بعض الإدارات ما يقارب 5% إلى 7% من نفقات التسيير، وهي نسبة قابلة للتقليص دون تأثير مباشر على جودة الخدمة العمومية.
وفي هذا الإطار، يبدو أن الدولة تسعى إلى تحرير هوامش مالية مهمة قد تصل، في حال التطبيق الصارم لهذه التوجيهات، إلى عدة مليارات من الدراهم سنويًا، يتم إعادة توجيهها نحو تمويل أوراش استراتيجية كبرى. ويأتي في مقدمة هذه الأوراش ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يتطلب غلافًا ماليًا يفوق 50 مليار درهم سنويًا، إضافة إلى الاستثمارات المرتبطة بالبنيات التحتية في أفق احتضان كأس العالم 2030، والتي تقدر بعشرات المليارات، فضلًا عن متطلبات التحول الرقمي التي تستدعي استثمارات متزايدة في البنيات التحتية الرقمية والأنظمة المعلوماتية.
غير أن ما يميز هذا التوجه هو كونه لا يندرج ضمن ما يُعرف بالتقشف الكلاسيكي الذي يهدف إلى تقليص دور الدولة أو الحد من تدخلها الاجتماعي، كما حدث في بعض التجارب الأوروبية بعد أزمة 2008، بل يتعلق الأمر بما يمكن تسميته بـ “التقشف الوظيفي” أو “التقشف الذكي”، الذي يسعى إلى إعادة تخصيص الموارد داخل نفس الحجم الإجمالي للإنفاق. فالدولة هنا لا تنسحب من مجالات تدخلها، بل تعيد توجيه نفقاتها من مجالات ذات مردودية ضعيفة إلى مجالات ذات أثر اقتصادي واجتماعي مرتفع، وهو ما ينسجم مع التحولات الحديثة في المالية العمومية التي تركز على تعظيم القيمة مقابل المال (Value for Money).
وفي هذا السياق، يبرز عنصر جوهري آخر يتمثل في ربط النفقات بمؤشرات النجاعة والأداء، وهو ما يعكس توجُّهًا واضحًا نحو تكريس الميزانية المبنية على النتائج. فبعد مرور ما يقارب عقدًا من الزمن على دخول القانون التنظيمي للمالية حيز التنفيذ، يبدو أن المغرب يسعى إلى الانتقال من مرحلة إدماج الأدوات الشكلية للبرمجة إلى مرحلة تفعيلها الفعلي من خلال ربط الاعتمادات المالية بتحقيق أهداف قابلة للقياس. وتشير بعض التقارير إلى أن نسبة البرامج الميزانياتية المرتبطة بمؤشرات أداء قد تجاوزت 80%، غير أن الإشكال لا يكمن في وجود المؤشرات بحد ذاتها، بل في مدى دقتها وارتباطها الحقيقي بالأثر العمومي.
وهنا يطرح تحدي أساسي يتمثل في ضعف أنظمة التقييم، حيث لا تزال العديد من المؤشرات تركز على المخرجات (outputs) بدل النتائج (outcomes)، وهو ما يحد من القدرة على قياس الأثر الحقيقي للإنفاق العمومي. كما أن غياب التكامل بين أنظمة المعلومات المالية والقطاعية يعيق تتبع تنفيذ البرامج بشكل دقيق وفي الزمن الحقيقي، مما يضعف فعالية هذا التحول.
وبالتالي، فإن منشور رئيس الحكومة يعكس، في جوهره، محاولة للانتقال من منطق “ميزانية الوسائل” إلى “ميزانية النتائج”، ومن “تدبير النفقات” إلى “تدبير الأثر”، غير أن نجاح هذا الانتقال يظل رهينًا بمدى قدرة الإدارة العمومية على تطوير أدوات القياس والتقييم، وتعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وفي هذا الإطار، تبرز الرقمنة كرافعة أساسية لتجاوز هذه الاختلالات، من خلال تمكين الدولة من تتبع النفقات وتحليل آثارها بشكل أكثر دقة وفعالية.
المحور الثاني: إعادة انتشار الموارد البشرية وإشكالية النجاعة الإدارية
يشكل توجه منشور رئيس الحكومة نحو اعتماد آليات إعادة انتشار الموظفين داخل الإدارات وبين القطاعات أحد أبرز ملامح التحول في تدبير الموارد البشرية العمومية، حيث يعكس وعيًا متزايدًا بأن الإشكال البنيوي الذي تعاني منه الإدارة المغربية لا يرتبط فقط بحجم الموارد البشرية، بل أساسًا بسوء توزيعها وضعف مردوديتها. فالمغرب، الذي يتوفر على ما يقارب 860 ألف موظف عمومي، لا يعاني من خصاص عددي مطلق بقدر ما يعاني من اختلالات مجالية وقطاعية واضحة، حيث تسجل قطاعات كالصحة والتعليم خصاصًا هيكليًا، في حين تعرف إدارات أخرى فائضًا نسبيًا غير مستثمر بالشكل الأمثل.
وفي هذا السياق، تندرج الدعوة إلى إعادة الانتشار ضمن منطق ترشيد كتلة الأجور، التي تمثل ما بين 10% و11% من الناتج الداخلي الخام، أي ما يفوق 140 مليار درهم سنويًا، وهو ما يجعلها من أكبر بنود الإنفاق العمومي. ومن ثم، فإن اللجوء إلى إعادة توزيع الموظفين بدل التوظيف الجديد يتيح، نظريًا، تحقيق وفورات مالية مهمة، خاصة إذا علمنا أن تكلفة إحداث منصب مالي واحد قد تتجاوز، على مدى المسار المهني، عدة ملايين من الدراهم. كما يسمح هذا الخيار بسد الخصاص في بعض القطاعات الحيوية دون تحمل أعباء مالية إضافية، وهو ما ينسجم مع توجهات التحكم في النفقات.
غير أن هذا التوجه لا يقتصر على بعده المالي، بل يعكس أيضًا تحولًا أعمق في تصور الوظيفة العمومية، حيث يتم الانتقال من نموذج تقليدي قائم على الاستقرار الوظيفي شبه المطلق، إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على الحركية الوظيفية والتكيف مع الحاجيات المتغيرة للإدارة. وهو تحول ينسجم مع الاتجاهات الدولية الحديثة، حيث تعتمد عدة دول، مثل كندا وسنغافورة، على أنظمة متقدمة لإدارة الكفاءات، تسمح بإعادة توزيع الموارد البشرية بشكل ديناميكي وفق الأولويات القطاعية. بل إن بعض الدول، كإستونيا، تمكنت بفضل الرقمنة وإعادة هيكلة الوظيفة العمومية من تقليص عدد الموظفين وتحسين إنتاجيتهم في الآن ذاته.
ومع ذلك، فإن تنزيل هذا التوجه في السياق المغربي يواجه عدة تحديات بنيوية، لعل أبرزها غياب نظام معلوماتي متكامل لتدبير الموارد البشرية قائم على الكفاءات، حيث لا تزال العديد من الإدارات تفتقر إلى قواعد بيانات دقيقة حول مهارات موظفيها وتخصصاتهم. كما أن ثقافة الحركية الإدارية لا تزال ضعيفة، في ظل هيمنة منطق الاستقرار الوظيفي، وما يرتبط به من تمثلات اجتماعية ومهنية تجعل من التنقل الوظيفي أمرًا غير مرغوب فيه في كثير من الأحيان. ويضاف إلى ذلك الإطار القانوني والتنظيمي الذي لا يزال يكرس نوعًا من الجمود، مما يحد من مرونة الإدارة في إعادة توزيع مواردها البشرية.
فضلًا عن ذلك، يطرح هذا التوجه إشكالية التوازن بين متطلبات النجاعة الإدارية وضمان الاستقرار المهني والاجتماعي للموظفين، خاصة إذا لم تتم عملية إعادة الانتشار وفق معايير شفافة وواضحة تراعي الكفاءة والتخصص، وتضمن الحد الأدنى من الاستقرار. كما أن غياب آليات للتحفيز والمواكبة، سواء من خلال التكوين أو التعويضات، قد يجعل من هذا الإجراء مصدرًا للتوتر داخل الإدارة بدل أن يكون رافعة للإصلاح.
وبناءً على ذلك، فإن إعادة انتشار الموظفين، رغم وجاهتها من حيث المبدأ، لا يمكن أن تحقق أهدافها إلا إذا اندرجت ضمن إصلاح شامل لمنظومة الوظيفة العمومية، يقوم على تحديث أنظمة تدبير الموارد البشرية، وتعزيز الرقمنة في هذا المجال، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإرساء ثقافة جديدة قائمة على الأداء والمرونة. فالإشكال في النهاية ليس في عدد الموظفين، بل في كيفية تدبيرهم وتوظيف كفاءاتهم بما يحقق النجاعة المطلوبة للإنفاق العمومي وجودة المرفق العمومي في آن واحد.
خاتمة
تُظهر مضامين منشور رئيس الحكومة أن المالية العمومية بالمغرب تتجه، بشكل متدرج ولكن واضح، نحو ترسيخ نموذج جديد قوامه التحكم في النفقات، وإعادة توجيه الموارد، وربط الاعتمادات المالية بمنطق الأداء والنتائج. ولا يقتصر هذا التحول على بعده التقني أو الإجرائي، بل يكتسي طابعًا استراتيجيًا عميقًا، بالنظر إلى تزامنه مع رهانات كبرى تواجهها المملكة، من قبيل تمويل ورش الحماية الاجتماعية، والاستعداد للاستحقاقات الدولية في أفق 2030، وتسريع وتيرة التحول الرقمي.
غير أن هذا التوجه يظل محكومًا بتوازن دقيق بين متطلبات الانضباط المالي من جهة، وضمان استمرارية وجودة المرفق العمومي من جهة أخرى. فالتقشف، حتى في صيغته الذكية والانتقائية، لا يمكن أن يشكل غاية في حد ذاته، ولا أن يكون بديلًا عن الإصلاحات الهيكلية العميقة التي تهم بالأساس حكامة الإنفاق العمومي، وتحديث منظومة الموارد البشرية، وتعزيز آليات تقييم السياسات العمومية. إذ إن أي اختلال في هذا التوازن قد يؤدي إما إلى إضعاف القدرة الاستثمارية للدولة، أو إلى تدهور جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في تقليص النفقات أو ضبطها، بل في القدرة على تعظيم الأثر العمومي لكل درهم يتم إنفاقه، عبر تحسين مردودية السياسات العمومية، وتوجيه الموارد نحو المجالات ذات القيمة المضافة العالية، واستثمار الإمكانات التي تتيحها الرقمنة في تتبع وتقييم الأداء. فجوهر المالية العمومية الحديثة لم يعد يقاس بحجم الإنفاق، بل بمدى قدرته على إنتاج قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة، وهو ما يضع المغرب أمام تحدي الانتقال من منطق تدبير الوسائل إلى منطق صناعة الأثر.
-أستاذ جامعي
مدير مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الإدارية والمالية
The post المالية العمومية بالمغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.