اللغة الصينية في المغرب.. جسر ثقافي وفرص واعدة
شكل الفضول لاستكشاف عالم الثقافة الآسيوية دافعا لدى سلمى، لتلج معهد كونفوشيوس بمدينة طنجة أول الأمر، من أجل تعلم اللغة الصينية، قبل أن تكتشف فرصا واعدة، تتيحها لغة الماندرين للناطقين بها.
“كان الفضول دافعي، إلى جانب الأهمية المتنامية للغة الصينية على المستوى العالمي”، تقول سلمى احمدوش ذات الـ24 ربيعا، مستحضرة ذكريات دراستها لغة الماندرين طيلة سنة.
أما بالنسبة لعمر فإن إتقان لغة بلاد النهر الأصفر كان كلمة السر للظفر بفرصة إنجاح مشروعه لتنظيم الحفلات في المغرب، إذ وجد نفسه بحاجة إلى استيراد ديكورات، وألعاب ضوئية، وأجهزة إلكترونية. وقد وجد ضالته في السوق الصينية، التي أغرته أسعارها وتنوع منتجاتها، وكان لا يفصله عنها سوى حاجز اللغة، تفاديا للجوء إلى الوسطاء.
الرغبة في تجاوز هذا الحاجز، قادت عمر إلى مدينة ووهان الصينية، حيث استغرق منه الأمر 6 أشهر أمضاها هناك في تعلم أبجديات لغة الماندرين فقط، نظرا لصعوبتها، قبل أن تفرض عليه جائحة كوفيد-19 المكوث في الصين، وتتيح له مع ذلك، فرصة إتقان اللغة أكثر، والاشتغال في شركات صينية فتحت أمامه اليوم آفاقا لم يكن يتصورها.
أما بالنسبة للمهدي جناني، فإن التحاقه بإحدى الجامعات الصينية، كان رهينا بإتقان اللغة.
وفي يومها العالمي الذي يصادف 20 أبريل من كل سنة، تعتبر الأمم المتحدة أن اللغة الصينية هي الأكثر استخداما في العالم، بأزيد من مليار شخص يتحدثون لغة الماندرين الصينية كلغة أولى.
لكن انتشار هذه اللغة، لا يعني سهولة التحدث بها، لاسيما وأنها لغة نغمية، ما يعني أن الت شديد أو الت نغيم المستخدمين عند نطق الكلمة يؤثران على معناها.
وهذا ما تؤكده سلمى، التي قالت إن أبرز التحديات التي واجهتها خلال رحلة تعلم اللغة الصينية، كانت على مستوى النطق، لا سيما في ظل نظام النغمات الذي يتطلب دقة متناهية.
إلى ذلك، ينضاف تحدي كتابة رموز اللغة الصينية التي تختلف تماما بحسب سلمى عن الأبجدية اللاتينية، فبالنظر إلى رموز بسيطة مثل “人” (rén، وتعني إنسان)، أو “大” (dà، وتعني كبير)، أو “水” (shuǐ، وتعني ماء)، يتضح أن كل رمز يستقل بدلالته الخاصة.
“الأمر لا يقتصر على حفظ الكلمات فحسب”، تقول سلمى، موضحة أن تعلم اللغة الصينية يمتد إلى استيعاب نظام كتابة قائم على الرموز والجذور المعنوية، فضلا عن الإلمام بالفوارق الثقافية التي تفرض نوعا من التكيف في طريقة التفكير وأسلوب التعبير على حد سواء.
ويشاطرها الرأي المهدي، الذي يوضح أن خصوصية اللغة الصينية تكمن في عدم اعتمادها على حروف أبجدية، على عكس باقي اللغات التي تلقنها طيلة مساره الدراسي، حيث اعتاد تعلم الحروف أولا، ثم صياغة الكلمات، وبناء الجمل والفقرات بعد ذلك، وفي المقابل واجه ديناميكيات مختلفة تماما أثناء تعلمه اللغة الصينية، إذ لا توجد فيها أبجدية، وهذا مكمن الصعوبة في تعلمها.
ويعمل على تذليل هذه الصعاب حوالي 1900 طالب بالمراكز التابعة لمعهد كونفوشيوس في الدار البيضاء خلال السنة الجامعية 2025–2026 لوحدها، بحسب ما أفادت به المديرة المغربية لمعهد كونفوشسيوس بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، فاضمة أيت موس، في حوار مع وكالة المغرب العربي للانباء، مبرزة أن هذا الرقم يعكس دينامية انتشار واضحة.
وأضافت أن البنية الاجتماعية للمتعلمين داخل المعهد تتسم بتنو ع لافت، يعكس التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي في علاقته باللغات الأجنبية.
ويمكن التمييز بين ثلاث فئات رئيسية بحسب آيت موس، أولها طلبة جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، خاصة في تخصصات اللغات، والتجارة الدولية، والعلاقات الدولية، الذين يرون في اللغة الصينية رافعة أكاديمية ومهنية، ثم فئة المهنيين الشباب، لاسيما العاملين في قطاعات الأعمال، واللوجستيك، والصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا، حيث تفرض العلاقات الاقتصادية مع الصين كفاءة لغوية جديدة.
ويشكل تلاميذ التعليم الثانوي، الذين يتطلعون إلى متابعة دراستهم في الصين أو الاندماج في فضاءات دولية متعددة الثقافات الفئة الثالثة من المقبلين على تعلم اللغة الصينية، تقول آيت موس، مسجلة أن المعهد يشهد كذلك إقبالا متزايدا من العاملين في القطاعين العام والخاص، مما يدل على تحو ل اللغة الصينية إلى مهارة عابرة للفئات العمرية والمهنية.
وكشف رئيس جمعية الصداقة و التبادل المغربية الصينية، محمد خليل، من جانبه، أن أزيد من 10 آلاف طالب مغربي اختاروا الدراسة في الصين، مؤكدا أن تحول الصين لقوة اقتصادية عالمية، عزز بدوره مكانة اللغة الصينية كلغة للتداول التجاري والاستثمار، كما زاد من إقبال المغاربة على تعلم هذه اللغة.
وأبرز خليل في حديث مماثل أن إتقان الشباب المغربي للغة الصينية، بات اليوم ميزة تنافسية في سوق العمل من جهة، وأداة لتعزيز الشراكة الاقتصادية بين البلدين من جهة ثانية، موضحا أن المستثمرين الصينيين يفضلون بلدانا ذات قدرات لغوية وثقافية قوية، نظرا لسلاسة التواصل الذي تتيحه.
أما سلمى التي تشتغل كصحافية، فترى أن تعلم اللغة الصينية أتاح لها فرصة توسيع آفاقها المهنية، وفهم المواضيع الدولية بشكل أفضل، كما شكل قيمة مضافة بالنسبة لها في مجال عملها. وقالت في هذا الصدد: “مكنتني هذه اللغة كذلك من اكتشاف غنى الثقافة الصينية”، سواء تعلق الأمر بالتاريخ أو الفن، أو التقاليد.
واعتبر خليل أن الإلمام بالثقافة الصينية يمثل فرصة لتعميق الفهم المتبادل بين الشعبين المغربي والصيني، وسبيلا للتخلص من الصور النمطية، مشيرا إلى أنه يتوقع مستقبلا زاهرا للغة الصينية في المغرب، لا سيما وأن البلاد، من البلدان القليلة التي تضم 3 معاهد كونفوشيوس لتعليم اللغة.
وأبرزت المديرة المغربية لمعهد كونفوشيوس بالدار البيضاء، أن برامج التكوين بالمعهد تتميز بالمرونة والتنوع، حيث يتوزع التكوين بين برامج سنوية منتظمة تمتد لحوالي 30 أسبوعا، وتستهدف بناء كفايات لغوية تدريجية، و برامج قصيرة المدى، مثل المخيمات الصيفية في الصين، التي تجمع بين التعلم والانغماس الثقافي، إلى جانب دورات مهنية موجهة للمؤسسات، تستجيب لحاجيات سوق الشغل.
ويتوزع نشاط معهد كونفوشيوس بالدار البيضاء الذي تأسس سنة 2012 في إطار شراكة أكاديمية مع جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، على عدة فضاءات تعليمية، في إطار شراكة مؤسساتية مع جامعة الحسن الثاني ومؤسسات تعليمية أخرى.
وفي مواجهة الإقبال المغربي على تعلم هذه اللغة، هناك إقبال صيني على الاستثمار وزيارة المغرب، ما دفع عمر وزاني توهامي إلى العودة إلى أرض الوطن قبل سنتين، من أجل مواكبة المستثمرين الصينيين، ومساعدتهم على فهم المساطر القانونية والسوق الوطنية، لتصبح اللغة الصينية في حياة عمر بمثابة جسر ثقافي واقتصادي بين البلدين.
وقال إنه سعيد كذلك بالعودة إلى إتمام مشروعه الذي بات يمتلك اليوم مفاتيح إنجاحه، ويتعداها إلى مساعدة منافسيه على استيراد ما يلزمهم من سلع في مجال تنظيم الحفلات.
وتجدر الإشارة إلى أن العالم يحتفي منذ سنة 2010، باليوم العالمي للغة الصينية، الذي أقرته الأمم المتحدة في إطار تعزيز التعددية اللغوية والتنوع الثقافي، لاسيما وأن هذه اللغة تعد من اللغات الرسمية للهيئة منذ سنة 1946.
ظهرت المقالة اللغة الصينية في المغرب.. جسر ثقافي وفرص واعدة أولاً على مدار21.




