القوة القاهرة ليست ذريعةً مطلقة للإخلال بالعقود
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
تستقبل “البلاد” مختلف الاستفسارات وطلبات الاستشارة القانونية. وجرى التعاون مع نخبة من المحامين المرموقين الذين تفضلوا بالموافقة على الإجابة عن استفسارات القراء، التي وصلت لبريد معد الزاوية (shaima.hussain@albiladpress.com) أو عبر حسابات “البلاد” بمنصات التواصل الاجتماعي. وللسائل ذكر اسمه إن رغب. ومعنا في زاوية اليوم المحامية بسمة الأنصاري
س: هل تعد القوة القاهرة استثناءً مشروعًا أم بابًا خلفيًّا للتنصل من العقود؟
- المحامية بسمة الأنصاري: في عالم يترنح تحت وطأة النزاعات الدولية المتصاعدة، وتسارع فيه الأحداث الإقليمية، حيث تتشابك الحروب لتلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي وتعرقل حركة التجارة، تجد الشركات نفسها أمام تحديات غير مسبوقة للوفاء بالتزاماتها التعاقدية، وفي خضم هذا المشهد المضطرب، برزت القوة القاهرة كأداة قانونية هامة يلجأ إليها المتعاقدون درءًا للمسؤولية وتبريرًا لتعذر التنفيذ. لكن السؤال المحوري يبقى: هل القوة القاهرة مبرر كاف للإخلال بالعقد، أم أن الالتزام في موعده يظل هو المعيار الحاسم؟
لا جدل في أن نظرية القوة القاهرة وضعت كضمانة قانونية للحفاظ على العدالة التعاقدية في أوقات الأزمات والحروب، وقد وجدت لإصلاح ما اختل من التوازن الاقتصادي للعقد في الفترة ما بين إبرامه وتنفيذه من خلال رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، غير أن هذا المفهوم على أهميته ليس مظلة مطلقة، فثمة قيد جوهري يحد من نطاق تطبيقه، يتمثل في سلوك المدين نفسه.
حيث تقوم القوة القاهرة، في جوهرها، على فكرة تحقق حدث استثنائي غير متوقع، والذي لا يمكن دفعه أو تلافيه، بما يؤدي إلى استحالة تنفيذ الالتزام، غير أن هذا المفهوم يفترض ضمنًا أن المدين كان قبل وقوع هذا الحدث في مركز قانوني سليم، ولم يكن في حالة المقصر في تنفيذ التزاماته، إذ لا يُقبل التذرع بالقوة القاهرة إذا كان الالتزام قد حلّ أجله قبل وقوع الحادث الاستثنائي، وقصر المدين في الوفاء به حتى تحقق هذا الحدث.
فالقانون لا يمنح الحماية لمن أسهم بخطئه في تفاقم الضرر أو كان بإمكانه تفادي آثار الحدث لو التزم بالتنفيذ في الوقت المحدد، وعلى هذا الأساس، لا يُقبل من المدين الذي تأخر في التنفيذ أن يحتج لاحقًا بوقوع حدث استثنائي ليُعفى من مسؤوليته، لأن إخلاله كان قائمًا قبل تحقق هذا الظرف، ولأن الضرر لم ينشأ حصريًّا عن القوة القاهرة، بل عن تراخيه أيضًا.
وتتجلى أهمية هذا المبدأ بشكل واضح في العلاقات التجارية، حيث يكون عنصر الوقت حاسمًا في تنفيذ الالتزامات، فالتأخير في التسليم أو التنفيذ قد يترتب عليه آثار مالية وقانونية كبيرة، ولا يمكن تبريره لاحقًا باللجوء إلى القوة القاهرة.
وفي هذا السياق، يؤكد القانون المدني أن تقييم سلوك الأطراف في التعاقد يقوم على مبدأ “حسن النية وشرف التعامل” باعتباره عنصرًا محوريًّا، فالمدين الذي يبادر إلى تنفيذ التزاماته في مواعيدها أو يسعى بجدية لتدارك أي تأخير يكون أكثر أهلية للتمسك بنظرية القوة القاهرة عند وقوعها، أما من يتراخى أو يتقاعس في تنفيذ التزاماته، فإنه يحد من حقه في الاستفادة من هذه الحماية القانونية.
وفي المحصلة النهائية، لا تُعد القوة القاهرة ملاذًا لمن أهمل التزاماته أو أدار ظهره لمواعيد التنفيذ الأساسية، بل هي أداة قانونية دقيقة، تمنح لمن التزم وبذل العناية اللازمة، ثم حالت ظروف استثنائية دون إتمام التزامه، وبين التراخي والالتزام، يتحدد مصير المسؤولية وتتضح حدود الحماية القانونية، وفي بيئة تجارية وقانونية لا تحتمل التهاون، يبقى الالتزام في وقته ليس فقط واجبًا تعاقديًّا، بل صمام أمان يحفظ الحقوق ويصون إمكانية اللجوء إلى الحماية القانونية عند الحاجة.





