القناة الثقافية.. فرصة المرحلة الجديدة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
تغريد إبراهيم الطاسان في لحظةٍ تتسارع فيها تحولات المشهد الإعلامي والثقافي في المملكة، تعود القناة الثقافية إلى الواجهة بسؤالٍ لا يحتمل التأجيل: كيف تتحول من منصة مترددة بين الأدوار، إلى قناة ذات هوية واضحة تصنع أثرًا حقيقيًا؟ التصريح الأخير للأستاذة جمانا الراشد، حول تقديم «محتوى مبتكر يعكس طموحات المرحلة»، لا يبدو مجرد وعد تطويري، بل إقرار ضمني بأن المرحلة السابقة لم تبلغ سقف التطلعات. وهذا الاعتراف – إن استُكمل بشجاعة مؤسسية – قد يكون نقطة الانطلاق الحقيقية. المعضلة التي واجهت القناة في نسختها السابقة لم تكن تقنية ولا تشغيلية بحتة، كانت في جوهرها أزمة تعريف: هل نحن أمام قناة «للثقافة» بوصفها خطابًا معرفيًا وإبداعيًا موجّهًا للجمهور؟ أم قناة «لوزارة الثقافة» بوصفها مظلة تستعرض أنشطة قطاعاتها المتعددة؟ هذا التداخل أفرز محتوى هجينًا، جمع بين الاحتراف الإعلامي والرغبة المؤسسية في تمثيل الجميع، فكانت النتيجة أقرب إلى «كوكتيل ثقافي» يفتقد للتماسك، ويصعب على المتلقي أن يبني معه علاقة واضحة. المرحلة الجديدة تفرض تجاوز هذا الالتباس. فالقنوات الناجحة اليوم لا تُبنى على شمول كل شيء، تبنى على وضوح ما تريد أن تكونه. القناة الثقافية ليست مطالبة بأن تكون منصة لكل الفنون والقطاعات بقدر ما هي مطالبة بأن تصوغ خطابًا ثقافيًا سعوديًا معاصرًا، ينطلق من الهوية المحلية ويخاطب بها الفضاء العربي بثقة.. وهنا تبرز ميزة المرحلة الراهنة: جيل سعودي جديد، لم يعد مجرد متلقٍ، بقدر ما هو صانع محتوى يمتلك أدواته ولغته وإيقاعه الخاص. هذا الجيل هو الرهان الحقيقي، لا بديلاً عن المؤسسات، بل شريكً في إعادة تعريفها. فبدل أن تُنتج القناة محتوى «عن الناس»، يمكنها أن تنتج محتوى «من الناس»، حيث تتقاطع المهنية الإعلامية مع الحس الثقافي الحي. كما أن التحول الرقمي لم يعد خيارًا تكميليًا، بل شرط أساسي للنجاح. الحديث عن توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات يجب أن يُترجم إلى فهم دقيق للذائقة، لا إلى استنساخ نماذج عالمية بعيدة عن السياق المحلي. فالجمهور اليوم لا يبحث فقط عن جودة الصورة، بل عن صدق التجربة وقربها من واقعه. ومن المهم أيضًا إعادة النظر في شكل المحتوى، لا مضمونه فقط. القناة الثقافية يمكن أن تتجاوز القوالب التقليدية إلى مساحات أكثر حيوية: برامج قصيرة، محتوى ميداني، حوارات غير نمطية، وسرد قصصي يقترب من الإنسان لا من المصطلح. الثقافة لم تعد حكرًا على النخبة، أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، وهذا ما يجب أن تعكسه الشاشة. في المقابل، يبقى التحدي المؤسسي حاضرًا: نجاح القناة مرهون بوجود رؤية مشتركة بين وزارة الثقافة والمشغل الجديد، تقوم على منح المساحة المهنية الكافية، دون أن تفقد القناة ارتباطها الاستراتيجي بدورها الوطني. التوازن هنا دقيق، لكنه ممكن إذا تم الانتقال من عقلية «إرضاء الجميع» إلى «خدمة الهدف». لا يوجد حتى الآن نموذج ناجح لقناة ثقافية متخصصة بالمعنى الحديث، وهذه ليست فجوة بقدر ما هي فرصة. المملكة، بما تملكه من حراك ثقافي متسارع واستثمار متنامٍ في القوة الناعمة، قادرة على أن تصنع هذا النموذج، لا بوصفه تكرارًا لتجارب سابقة، ولكن بوصفه ابتكارًا يعكس روح المرحلة. في النهاية.. القناة الثقافية لا تحتاج فقط إلى تطوير برامجها، تحتاج إلى إعادة تعريف ذاتها. أن تنتقل من منصة تعرض الثقافة.. إلى منصة تصنعها. ومن شاشة تخاطب جمهور.. إلى فضاء يلتقي فيه المجتمع مع نفسه. هنا فقط، يمكن أن نتحدث عن قناة لا تواكب الطموح.. بل تجسّده..




