الكل تحت النار.. حرب إيران تهدد العراق والمنطقة بصراع طويل الأمد
شفق نيوز- بغداد/ طهران/ القاهرة/ واشنطن
يجمع خبراء ومحللون سياسيون من العراق وإيران ومصر والولايات المتحدة، على أن مواصلة الهجمات الأميركية - الإسرائلية على إيران، قد تدفع المنطقة بأكملها نحو مرحلة أكثر خطورة، مما ينذر بنشوء أزمة إقليمية طويلة الأمد.
ويؤكد الخبراء أن ما يجري حالياً يأخذ شكل حرب متعددة الأدوات تجتمع فيها العمليات العسكرية المباشرة مع الضغوط الاقتصادية والهجمات السيبرانية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من فقدان السيطرة على هذا التصعيد المستمر منذ 28 شباط/ فبراير 2026.
حرب مفتوحة
وتشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن الصراع دخل بالفعل مرحلة جديدة، بعد قرار استئناف الهجمات على إيران بعد حوالي 8 أشهر من حرب الـ12 يوماً التي اندلعت في حزيران/ يونيو 2025، في وقت كان يُعتقد فيه أن الجهود الدبلوماسية قد تفتح نافذة للتهدئة.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل، فراس إلياس، أن "هناك توجهاً أميركياً لمواصلة الحرب دون وضع سقوف واضحة"، لافتاً إلى أن ما وصفه بـ"دبلوماسية المهل" التي اعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تعكس "غياب تصور واضح للهدف النهائي للحرب".
ويضيف إلياس لوكالة شفق نيوز، أن التهديدات المتكررة باستهداف البنى التحتية الإيرانية، خصوصاً قطاعات النفط والغاز والكهرباء، تعكس ضغوطاً متزايدة على واشنطن لحسم المواجهة، في وقت نجحت فيه طهران، بحسب تعبيره، في "إدارة الوقت ورفع كلفة الحرب".
وهذا الواقع، وفق إلياس، يضع المنطقة أمام سيناريو مفتوح، حيث لم تعد الحرب "خاطفة" كما كان مخططاً لها، بل تتجه نحو استنزاف طويل، مع ارتفاع احتمالات تحولها إلى أزمة إقليمية ممتدة.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن في خطاب أمس الخميس، مهلة تتراوح بين أسبوعين وثلاثة لإنهاء الحرب على إيران، وذلك بعد تمديد لثلاث مهل لطهران وصلت لعشرة أيام تنتهي يوم الاثنين المقبل (6 نيسان/ أبريل الحالي) للتوصل إلى اتفاق والجلوس على طاولة المفاوضات، وبخلاف ذلك سيشن هجمات على منشآت الطاقة الإيرانية.
تصعيد إقليمي
أما على مستوى التصعيد الإقليمي، فلم يعد الصراع محصوراً بين طرفين فقط، إذ يعكس الرد الإيراني، إلى جانب تحركات حلفائها وعلى رأسهم حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وفصائل "المقاومة" في العراق، انتقال الأزمة من مرحلة الاحتواء المحدود إلى تصعيد متعدد الجبهات.
وهذا التحول فتح الباب أمام انخراط أطراف إقليمية إضافية، وزاد من تعقيد المشهد الأمني، خصوصاً في دول مثل العراق، التي تمتلك تركيبة سياسية وأمنية حساسة، وارتباطات جيوسياسية تجعلها عرضة لأن تكون ساحة مواجهة إضافية، وهو ما حدث فعلاً بإعلان "المقاومة" شن هجمات على أهداف داخل العراق وخارجه.
ويحذر مراقبون من أن هذا التوسع يخلق "سلسلة تصعيد متصلة"، يصعب احتواؤها لاحقاً، خاصة مع تزايد الاعتماد على أدوات غير تقليدية في الحرب.
صراع هجين
وفي هذا الصدد، تكشف العمليات الميدانية أنها تتجه نحو نمط "الحرب الهجينة"، التي تجمع بين الضربات الدقيقة والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية، مع تركيز واضح على الأهداف العسكرية واللوجستية.
غير أن أخطر ما في هذا النمط، بحسب الخبراء، هو استهداف البنى التحتية الحيوية، مثل شبكات الكهرباء والمياه والموانئ، سواء عبر ضربات مباشرة أو من خلال تعطيل إلكتروني.
وهذا النوع من الهجمات لا يهدف إلى تحقيق مكاسب عسكرية فقط، بل يسعى إلى إحداث ضغط داخلي سريع، عبر تعطيل الحياة اليومية، وزيادة الاحتقان الشعبي، ما قد ينعكس مباشرة على الاستقرار السياسي.
أزمة النفط
أما اقتصادياً، فإن أسواق النفط تقف في صدارة التأثيرات، حيث أدى التصعيد إلى قفزات غير مسبوقة في الأسعار، فقد تجاوز سعر خام برنت المؤرخ، مساء أمس الخميس، حاجز 140 دولاراً للبرميل، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام 2008، وفق بيانات S&P Global.
وجاء هذا الارتفاع الحاد في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ما تسبب في أكبر اضطراب بإمدادات الطاقة في تاريخ السوق، ودفع المصافي العالمية إلى سباق محموم لتأمين الإمدادات.
ويؤكد المحلل السياسي من واشنطن رمضان البدران، أن "إغلاق المضيق يمثل العامل الأكثر تأثيراً في هذه المرحلة"، مشيراً إلى أن منع حركة الصادرات أدى إلى اختلال كبير في توازن السوق.
ويضيف البدران لوكالة شفق نيوز، أن التأثير لن يكون آنياً فقط، بل قد يمتد إلى المديين المتوسط والبعيد، خصوصاً إذا استمر التصعيد، وتواصلت الهجمات على البنى التحتية النفطية في المنطقة.
مكاسب مؤقتة
ورغم أن ارتفاع أسعار النفط قد يمنح الدول المنتجة، ومنها العراق، مكاسب مالية على المدى القصير، إلا أن هذه الفوائد تبقى هشة في ظل المخاطر الأمنية المتصاعدة وإغلاق مضيق هرمز الذي حال دون تصدير النفط الذي يمثل نحو 90% من إيرادات الموازنة العراقية.
وبناءً على ذلك، يحذر البدران، من أن العراق يواجه تحديات مضاعفة، في ظل توقف الإنتاج وتضرر الحقول والمنشآت النفطية، ما قد يؤدي إلى تراجع القدرة الإنتاجية على المدى المتوسط والبعيد.
وهذا التناقض بين "الربح السريع" و"الخطر المستدام" يعكس هشاشة التوازن الاقتصادي في المنطقة، حيث يمكن لأي تطور أمني أن يبدد المكاسب خلال فترة قصيرة.
صدمة اقتصادية
من جانبه، يرى أستاذ الفكر الصهيوني بجامعة الإسكندرية، أحمد فؤاد أنور، أن تداعيات الحرب الحالية "غير مسبوقة"، خاصة أنها تأتي في وقت لم يتعافَ فيه الاقتصاد العالمي بعد من آثار جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا.
ويشير أنور خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن إغلاق مضيق هرمز، واستهداف المنشآت النفطية في إيران ودول الخليج، كان له تأثير مباشر على العالم، بما في ذلك دول مثل مصر التي اضطرت إلى اتخاذ إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة.
ويضيف أن دول الخليج كانت الأكثر تضرراً، نتيجة تدمير البنى التحتية النفطية وتعطل التصدير، مؤكداً أن هذه التداعيات لن تكون قصيرة الأمد، بل قد تمتد لفترة طويلة، مصحوبة بخسائر اقتصادية كبيرة.
والأخطر من ذلك، بحسب أنور، هو أن هذه التطورات قد تقود إلى "تحولات في موازين القوى"، مشبهاً الوضع بما حدث بعد العدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) على مصر عام 1956، حين برزت قوى جديدة على حساب القوى التقليدية.
صمود إيران
في المقابل، يسلط الباحث في الشأن الإيراني، صالح القزويني، الضوء على زاوية مختلفة، مؤكداً أن مسار الأزمة يعتمد بشكل كبير على طبيعة السياسة الأميركية ورد الفعل الإيراني.
ويقول القزويني لوكالة شفق نيوز، إن واشنطن تسعى إلى ممارسة ضغوط متزايدة لإجبار طهران على تغيير سياساتها، خصوصاً فيما يتعلق بعلاقاتها الإقليمية، إلا أن إيران، بحسب تعبيره، "لن تقبل بعد كل هذه التضحيات أن تتحول إلى دولة فاشلة".
ويضيف القزويني أن استمرار الحرب أو توقفها يتوقف على مدى صمود إيران، وقدرتها على الرد، مؤكداً أن ملف النفط والطاقة يبقى مرتبطاً بشكل مباشر بالموقف الإيراني من هذه الضغوط.
وكانت إسرائيل والولايات المتحدة قد شنتا في 28 شباط/فبراير الماضي هجوماً متواصلاً على إيران، ما أودى بحياة المئات، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وفي 2 آذار/مارس الجاري اتسعت رقعة الحرب إقليمياً لتشمل لبنان عقب دخول حزب الله فيها.
وردت إيران على الهجوم الأميركي - الإسرائيلي، ما أسفر عن تداعيات واسعة في دول المنطقة، شملت كلاً من العراق وإسرائيل والأردن والكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية.





