“الخائفون”.. رواية تفكك القلق في زمن الحرب
تتناول الكاتبة السورية ديمة ونوس في روايتها “الخائفون” أثر الحرب السورية على الإنسان من الداخل، حيث يتحول الخوف من شعور إلى حالة دائمة تحكم تفاصيل الحياة اليومية، كما تركز على التجربة الفردية للإنسان الذي يعيش تحت ضغط القلق والارتياب والذكريات الثقيلة، لتضع القارئ أمام عالم داخلي متصدع يعكس واقع جيل كامل.
تنطلق الأحداث من دمشق، حيث تعيش “سليمى”، شابة تعاني اضطرابات نفسية، وتلجأ إلى العلاج بسبب القلق المستمر الذي يلازمها منذ سنوات.
في عيادة الطبيب النفسي تلتقي “نسيم”، الطبيب والكاتب الذي يحمل بدوره آثار الخوف ذاته، لتنمو بينهما علاقة إنسانية قائمة على الاعتراف المتبادل بالهشاشة والقلق.
لاحقًا يغادر “نسيم” البلاد متجهًا إلى ألمانيا، لكنه يترك لـ”سليمى” مخطوطة رواية كتبها، لتكتشف أن النص يدور حول شخصية تشبهها إلى حد بعيد، ما يدفعها إلى الدخول في مواجهة مع الماضي ومع نفسها في آن واحد، ومن هنا يبدأ السرد بالتداخل بين حياة “سليمى” الحقيقية ونص الرواية الذي كتبه “نسيم”، لتصبح الحكاية أشبه بمحاولة لفهم الخوف عبر الكتابة.
تطرح الرواية فكرة أن الخوف في سوريا لم يولد مع الحرب فقط، بل هو إرث طويل من القمع والعنف الذي خلقه نظام “البعث” وتراكم عبر عقود، وانتقل من جيل إلى آخر حتى أصبح جزءًا من تكوين الفرد.
تظهر هذه الفكرة من خلال ذكريات الشخصيات وعلاقاتها المضطربة، حيث يتجلى الخوف في تفاصيل بسيطة، في الحذر من الكلام، في الشك بالآخرين، في صعوبة الحب.
الكاتبة ديمة ونوس تركز على العلاقات بين الشخصيات، وعلى محاولاتهم للنجاة عبر العلاج أو الكتابة أو الهجرة، كما تعكس العلاقة بين “سليمى” و”نسيم” صورة جيل يبحث عن الطمأنينة في عالم مضطرب، بينما تصبح المخطوطة التي تركها نسيم وسيلة لمواجهة الذات ومحاولة لفهم ما جرى.
كما تحضر شخصيات أخرى في الرواية لتكمل صورة المجتمع الذي يعيش تحت ضغط الخوف، سواء عبر العائلة أو المحيط الاجتماعي أو الطبيب النفسي، ما يمنح النص بُعدًا إنسانيًا واسعًا.
تتداخل في الرواية الذكريات والهواجس مع الواقع، وتظهر دمشق في النص كمدينة مثقلة بالقلق، يعيش سكانها في حالة انتظار دائم، بينما تتراجع الثقة وتزداد العزلة، في صورة تعكس تأثير الحرب على الحياة اليومية.
تركز الرواية على تفكيك الخوف بوصفه ظاهرة اجتماعية ونفسية، ويطرح أسئلة حول قدرة الإنسان على الحب والثقة والاستمرار في الحياة وسط عالم مليء بالتهديدات، وعلى الطريقة التي يمكن للإنسان أن يواجه بها ماضيه ويعيد بناء نفسه من جديد.
ديمة ونوس
ديمة ونوس كاتبة وروائية وقاصة سورية، ولدت عام 1982 بالعاصمة السورية دمشق، في بيت جمع بين الأدب والفن، فهي ابنة الكاتب المسرحي سعد الله ونوس والممثلة فايزة الشاويش.
درست الأدب الفرنسي في جامعة “دمشق”، وأكملت دراستها في “السوربون” بفرنسا، كما اهتمت بالترجمة، وعاشت فترة في بيروت، حيث عملت في صحيفتي “الحياة” و”السفير”.
عملت ديمة أيضًا في الإذاعة والتلفزيون، لتجمع بين الكتابة الصحفية والأدبية.
روايتها “الخائفون” لفتت الانتباه على المستوى العربي، ورُشحت للقائمة الطويلة لجائزة “بوكر” العربية عام 2018.





