القضم البطيء لأرضٍ محروقة: إسرائيل تطبّق في لبنان تكتيك غزة
بالتأكيد، يرتاح الإسرائيليون وهم ينظرون إلى الحال التي يعيشها لبنان، بقياداته وقواه السياسية الغارقة في حروب الصلاحيات والمماحكات حول مسائل تفصيلية وتوازنات داخلية، والتي لا تعرف كيف تتعاطى مع ملف الحرب. فهذه الحال مثالية لتتقدم عقارب ساعة الاحتلال في جنوب لبنان وفق "بارومتر" إسرائيلي واضح المعالم والأهداف، إذ تبدو حكومة بنيامين نتنياهو منصرفة إلى تثبيت وقائع جغرافية جديدة على أرض الجنوب، بهدف تحقيق "المنطقة العازلة"... "الغامضة"، التي بدأت ملامحها ترتسم بالدم والنار، فيما الضربات الجوية تزداد ضراوة من بلدات الجنوب إلى الضاحية الجنوبية، وتضيف إلى لائحة الضحايا عشرات من الشهداء والمصابين والمعوقين يومياً، وآلاف النازحين.
خطة التوسّع الإسرائيليّة دخلت حيّز التّنفيذ بوضوح، وبدأ الإعلام العبريّ تهيئة الرأي العامّ الدوليّ عبر نشر تحديثاتٍ يوميّةٍ عن التقدّم الميدانيّ، في ظاهرةٍ شديدة الخطورة، ضمن استراتيجيّةٍ تقوم على ثلاثة مستويات:
أوّلًا، الحافّة الأماميّة: إحراق القرى وتفريغها
يقوم المستوى الأوّل على استكمال السّيطرة على قرى الحافّة الأماميّة وتحويلها إلى منطقةٍ محروقةٍ، بما يجعل العودة إليها شبه مستحيلةٍ في المدى المنظور، ويؤسّس لواقعٍ ميدانيٍّ جديدٍ يتجاوز منطق العمليّات العسكريّة الظرفيّة إلى منطق إعادة رسم الجغرافيا بالقوّة.
ثانيًا، القضم المتدرّج للخطّ الثاني
أمّا المستوى الثّاني، فيتمثّل في البدء بعمليّات "القضم" التّدريجيّ للخطّ الثّاني من القرى والبلدات، في محاولةٍ لخلق عمقٍ أمنيٍّ ميدانيٍّ يوسّع هامش الحركة الإسرائيليّة، ويزيد من كلفة أيّ محاولةٍ لبنانيّةٍ، عسكريّةً أو سياسيّةً، لاستعادة زمام المبادرة.
ثالثًا، السّعي إلى ما بين اللّيطاني والزّهراني
ويستهدف المستوى الثّالث الوصول إلى المدى الحيويّ الواقع بين خطّي اللّيطاني والزّهراني، والغاية هنا واضحة: إخراج العمق الجنوبيّ بالكامل من معادلة التّهديد المباشر، ووضع لبنان أمام أمرٍ واقعٍ احتلاليٍّ يراد له أن يصبح غير قابلٍ للتّراجع في أيّ مفاوضاتٍ مستقبليّة.
في المقابل، تشير القراءة العسكريّة إلى تباطؤٍ نسبيٍّ في التقدّم الإسرائيليّ. ومن الواضح أنّ هذا التباطؤ ناتجٌ، أوّلًا، من ضراوة المواجهة وضربات "حزب الله" في القرى الأماميّة، لكنّه قد يكون أيضًا، في أحد وجوهه، قرارًا تكتيكيًّا إسرائيليًّا يهدف إلى تعميم سياسة الأرض المحروقة، للحدّ من الخسائر البشريّة، وتفادي السّقوط في حرب استنزافٍ مكلفةٍ داخل الأحياء السكنيّة. وهو تكتيكٌ سبق أن اعتمد في حرب غزّة، حيث جرى التقدّم ببطءٍ تحت غطاء ناريٍّ كثيفٍ لتثبيت مواقع قابلةٍ للدّفاع عنها لاحقًا.
كذلك، يندرج هذا التباطؤ في سياق استكمال التّجهيزات وبناء البنية التّحتيّة العسكريّة اللّازمة لانتشارٍ طويل الأمد.
وفي هذا السّياق، يكتسب اعتراف المتحدّث العسكريّ الإسرائيليّ، إيفي ديفرين، بالحاجة إلى قوّاتٍ إضافيّةٍ للانتشار في الجنوب، دلالةً مضاعفةً. فهو يعكس، من جهةٍ، حجم الطموح الإسرائيليّ في إنشاء منطقةٍ دفاعيّةٍ أماميّةٍ مستدامةٍ، ويعكس، من جهةٍ ثانيةٍ، الضغط الذي يواجهه الجيش الإسرائيليّ نتيجة القتال والعمل على جبهاتٍ متعدّدةٍ، من غزّة إلى الضفّة الغربيّة، وصولًا إلى سوريا.
إذاً، يقف لبنان اليوم أمام سباقٍ غير متكافئٍ بين "بارومتر" عسكريٍّ إسرائيليٍّ يتحرّك صعودًا نحو الشّمال، و"بارومتر" سياسيٍّ لبنانيٍّ يتخبّط في القعر. وإذا لم تخرج الدّولة من غيبوبتها، وتنتقل من مربّع ردّ الفعل السّياسيّ الصّغير إلى مربّع الحسم السّياديّ الكبير، فإنّ خريطة لبنان ستشهد تصدّعاتٍ قاتلةً قبل أن يجد اللّبنانيّون وقتًا للاتّفاق على جدول أعمال جلسةٍ حكوميّة.
حراك بعبدا: خطاب تهدئة في زمن الانهيار
في موازاة الانفجار الميدانيّ، تحاول بعبدا تكريس صورة المرجعيّة السّياسيّة التي تستوعب القلق وتدعو إلى الحدّ الأدنى من التّماسك الوطنيّ. وفي هذا الإطار، استقبل رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون وزير الدّولة لشؤون التّنمية الإداريّة، فادي مكّي، الذي أكّد عقب اللّقاء "أنّ المرحلة الرّاهنة تفرض أعلى درجات التّضامن الدّاخليّ، وتعزيز حضور الدّولة، وتغليب المسؤوليّة الوطنيّة على ما عداها"، معتبرًا أنّ "الأولويّة اليوم هي لمواجهة العدوان الإسرائيليّ المستمرّ، واحتضان النّازحين، وتكثيف الجهود السّياسيّة والدّبلوماسيّة لوقف الحرب"، مشدّدًا على "ضرورة صون السّلم الأهليّ وتفعيل الحوار الدّاخليّ بما يمنع الانزلاق إلى مزيدٍ من الانقسام".
وشدّد مكّي على أنّه لا خيار للبنانيّين إلّا الدّولة ومؤسّساتها الشّرعيّة، معتبرًا أنّ "لبنان اليوم بأمسّ الحاجة إلى قراراتٍ توحّد ولا تفرّق"، ومعربًا عن ثقته "بما يقوم به رئيس الجمهوريّة بالتّنسيق مع رئيس مجلس النّواب نبيه برّي ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام".
غير أنّ البعد السّياسيّ للّقاء لم ينفصل عن ارتدادات جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، إذ أوضح مكّي، ردًّا على سؤالٍ حول مشاركته فيها، أنّ رئيس مجلس النّواب نبيه برّي اتّصل به قبل الجلسة متمنّيًا عليه عدم الحضور، إلّا أنّه لم يقدّم أيّ التزامٍ بهذا الشّأن، وحضر الاجتماع في نهاية المطاف. وهذه الإشارة، وإن بدت تفصيليّةً، تكشف عمق التّشابك بين حسابات المؤسّسات وحسابات القوى، في لحظةٍ يفترض أن تكون فيها الأولويّة المطلقة لإدارة الحرب وتداعياتها.
"حزب الله" يرفع وتيرة النّار
على الجبهة المقابلة، تحدّث مركز "ألما" الإسرائيليّ عن تصعيدٍ ملحوظٍ في وتيرة العمليّات التي نفّذها "حزب الله" ضدّ إسرائيل، مع رصد 93 موجةً هجوميّةً خلال يومٍ واحدٍ، في ما يعكس استمرار مستوىً قتاليٍّ مرتفعٍ وثابتٍ على جبهاتٍ متعدّدة.
ووفق المعطيات الواردة، أسفرت إحدى رشقات الصّواريخ التي استهدفت مدينة نهاريا عن مقتل مدنيٍّ بعد سقوط صاروخٍ عند مدخل مبنًى سكنيٍّ، إضافةً إلى إصابة مدنيٍّ آخر بجروحٍ خطيرة. كما قتل جنديٌّ في الجيش الإسرائيليّ نتيجة استهدافٍ بصاروخٍ مضادٍّ للدّروع، فيما أصيب عددٌ من الجنود في حوادث متفرّقة. وبذلك، ارتفعت الحصيلة الإجماليّة إلى أربعة قتلى من الجنود الإسرائيليّين ومدنيّين اثنين منذ بدء هذا التّصعيد.
وتشير المعطيات إلى أنّ الهجمات طالت بشكلٍ مباشرٍ مناطق مدنيّةً، بما في ذلك تجمّعاتٌ سكنيّةٌ وبنىً تحتيّةٌ في شمال إسرائيل، حيث سجّلت إصاباتٌ مباشرةٌ في مدينة كريات شمونة، ضمن نمطٍ عمليّاتيٍّ يدمج بين الضّغط على العمق المدنيّ واستهداف القوّات العسكريّة.
الجنوب تحت القصف والضّاحية في مرمى الاغتيال
ميدانيًّا، عاش عددٌ من قرى الجنوب، سواء المحاذية لإسرائيل أو الواقعة شمال اللّيطاني، ساعاتٍ عصيبةً تحت وطأة غاراتٍ إسرائيليّةٍ عنيفةٍ وقصفٍ مدفعيٍّ متواصل. وفي وقتٍ تواصلت فيه الاشتباكات، تصدّى "حزب الله" لمحاولات توغّلٍ إسرائيليّةٍ بلغت عمق بلداتٍ جنوبيّة، فيما استمرّ التّهديد الإسرائيليّ بتوسيع العمليّات حتّى مسافة 8 كيلومترات جنوبًا، وسط معلوماتٍ عن إبلاغ الحكومة اللّبنانيّة باعتزام إسرائيل احتلال شريطٍ حدوديٍّ بعمق 8 كيلومترات.
سياسيًّا، طلب رئيس الحكومة نواف سلام من وزير الخارجيّة والمغتربين يوسف رجّي تقديم شكوى من لبنان إلى مجلس الأمن، على خلفيّة العدوان الإسرائيليّ المستمرّ. وفي موازاة ذلك، برز تحرّكٌ مصريٌّ لوقف الحرب، إذ أعلن وزير الخارجيّة المصريّ بدر عبد العاطي وجود أفكارٍ تطرحها القاهرة للنّقاش تتعلّق بسبل وقف الحرب.
وجدّدت إسرائيل عدوانها على الضّاحية الجنوبيّة لبيروت، إذ استهدفت، فجر اليوم الجمعة، شقّةٌ في منطقة تحويطة الغدير، من دون إنذارٍ مسبقٍ. ونقلت وكالة "رويترز" عن مصادر أمنيّةٍ أنّ غارةً جوّيّةً إسرائيليّةً بثلاثة صواريخ استهدفت مبنًى في الضّاحية الجنوبيّة. وعلى الفور، هرعت سيّارات الإطفاء والإسعاف إلى المكان، وبدأت عمليّات إخماد الحريق وإجلاء المصابين.
ورجّحت المعلومات الأوّليّة أنّ العمليّة كانت محاولة اغتيالٍ عبر استهداف الطّابق الثّالث من مبنًى في مشروع سلمان زعيتر، مقابل مجمّع الإمام الخميني في تحويطة الغدير. وهذا يعني أنّ إسرائيل لا تكتفي بتوسيع النّار أفقيًّا في الجنوب، بل تبقي أيضًا باب الضّربات النّوعيّة مفتوحًا في قلب البيئة الحاضنة لـ"حزب الله"، بما يرفع منسوب الرّسائل الأمنيّة والسّياسيّة معًا.
في المقابل، لوّحت إسرائيل بتوسيع العمليّات وفرض منطقةٍ عازلةٍ، فيما تحدّثت "القناة 14" عن توغّلٍ يصل حتّى صور، وإنشاء 18 موقعًا، وإبعاد الحدود 8 كيلومترات، ضمن مسارٍ يهدف إلى فرض شريط نفوذٍ دائم. كما أعلن الجيش الإسرائيليّ استهداف موارد "حزب الله" وتنفيذ أكثر من 2000 غارةٍ أوقعت نحو 700 قتيلٍ، بينهم عناصر من "قوّة الرّضوان"، إضافةً إلى إعلانه مقتل جنديٍّ من "لواء غولاني" وإصابة آخرين.
وأعلن الجيش الإسرائيليّ أيضًا إصابة ضابطٍ وجنديٍّ بجروحٍ خطيرةٍ جرّاء "حادثٍ عمليّاتيٍّ" خلال اشتباكاتٍ في جنوب لبنان اللّيلة الماضية، فيما ذكرت تقارير إسرائيليّةٌ أنّ العنصرين أصيبا نتيجة انفجار قنبلةٍ. وهذه المعطيات تكشف أنّ الميدان، على شدّة الاختلال في ميزان القوى، لا يزال يفرض أثمانه على الطّرفين، وأنّ أيّ حديثٍ عن حسمٍ سريعٍ يبقى سابقًا لأوانه.
دولةٌ غائبة
بين اتّساع دائرة الغارات، وتصاعد حدّة الاشتباكات، وتفاقم الكارثة الإنسانيّة، يبدو المشهد اللّبنانيّ مفتوحًا على مزيدٍ من التّصعيد، في ظلّ غياب مؤشّراتٍ حاسمةٍ إلى قرب احتواء الحرب أو وقفها. لكنّ الأخطر من تطوّر النّار نفسها، هو استمرار العجز الدّاخليّ عن إنتاج قرارٍ سياسيٍّ يوازي حجم التّهديد.
فإسرائيل تبدو كأنّها تعرف تمامًا ماذا تريد: منطقةٌ عازلة، وقائع ميدانيّةٌ جديدة، ولبنانٌ أضعف من أن يفاوض أو يردع. أمّا لبنان الرّسميّ، فلا يزال أسير انقساماته، وعاجزًا عن تحويل الإجماع اللّفظيّ على "الدّولة" إلى فعلٍ سياديٍّ جامع.
وهنا تكمن المأساة الحقيقيّة: ليست فقط في أنّ الاحتلال يتقدّم، بل في أنّه يتقدّم فيما الدّولة تتراجع، وحين يتقدّم الاحتلال على وقع هذا الفراغ، يصبح تصحيح الخسائر لاحقًا أكثر كلفةً من منعها اليوم. وإذا استمرّ هذا الانفصال بين ميدانٍ يتحرّك بسرعة، وسلطةٍ تغرق في البطء والحسابات الصّغيرة، فإنّ لبنان لن يكون أمام جولة حربٍ عابرةٍ، بل أمام لحظةٍ تأسيسيّةٍ خطيرةٍ قد تعيد رسم حدوده ومعادلاته وأزماته لسنواتٍ طويلة.
"المدن"
The post القضم البطيء لأرضٍ محروقة: إسرائيل تطبّق في لبنان تكتيك غزة appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





