الهزائم ليست قدرًا… ولكنها دروس لا تُرحَّل
في السابع من نيسان، تحلّ الذكرى الثمانون لميلاد المفكر الشيوعي تيسير العاروري (1946–2016)، وهي مناسبة تستدعي استحضار إسهاماته الفكرية والنضالية، وفي مقدمتها كتابه الهام «الهزائم ليست قدرًا» (2013). قبل رحيله المفجع عام 2016، قدّم العاروري في هذا العمل قراءة عميقة لمراحل وانعطافات حاسمة في مسار النضال الوطني. لم يكن العنوان مجرد صياغة بلاغية، بل خلاصة مدرسة فكرية متماسكة، لا تغرق في الشعارات، ولا تقفز في الهواء، بل تتسم بواقعية ثورية ترى الحقائق بعين ثاقبة، دون أن تفقد الثقة بقدرة الشعوب على التغيير، رغم الاختلال الكبير في موازين القوى. اليوم، نحن أحوج ما نكون إلى استعادة هذه الرؤية، ليس بوصفها ترفًا فكريًا، بل كحاجة سياسية ووطنية ملحّة.
في لحظات الانكسار الكبرى، يميل الخطاب العام إلى أحد نقيضين: إما إنكار الواقع والتشبّث بشعاراتٍ لا تسندها الوقائع، أو الغرق في جلد الذات حدّ الشلل. وبين هذين الحدّين، تضيع الحقيقة التي لا بدّ من مواجهتها: أن اختلال موازين القوى ليس تفصيلاً عابرًا، بل هو العامل الحاسم الذي يفسّر كثيرًا من الهزائم التي مُنينا بها، دون أن يعني ذلك، بأي حال، أن الهزيمة قدرٌ نهائي أو مصير محتوم.
اليوم، ونحن نعيش واحدة من أكثر المراحل قسوةً في تاريخنا الوطني، تبدو الحاجة ماسّة لاستعادة تلك الروح: الواقعية الثورية. فالهزائم التي شهدناها، سواء في الميدان أو السياسة أو في بنية النظام الوطني ذاته، ليست حالة طارئة أو مجرد ادعاء، بل حقيقة لا بد من رؤيتها والاعتراف بها دون مكابرة، والنظر إليها بوصفها نتاج تراكم طويل من الاختلالات، داخليًا وخارجيًا، تراكم لم تتم مواجهته بجدية في محطات كثيرة.
خارجيًا، لا يمكن القفز فوق حقيقة أننا نواجه مشروعًا استعماريًا إحلاليًا مدعومًا بمنظومة دولية منحازة، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، تمتلك من أدوات القوة ما يجعل المواجهة غير متكافئة في جوهرها. هذا الاختلال البنيوي في موازين القوى لا يمكن تجاهله أو التقليل من أثره، بل يجب أخذه كمعطى أساسي في صياغة أي استراتيجية وطنية واقعية.
أما داخليًا، فقد ساهمت الانقسامات، وتآكل البنى التنظيمية، وضعف الأداء السياسي، وغياب الرؤية الجامعة، وتغييب دور الشعب بل وإنهاكه وإهدار قدراته، في تعميق هذا الاختلال، وتحويله من ظرف موضوعي إلى أزمة ذاتية أيضًا. ولم يعد ممكنًا التعامل مع هذه العوامل بوصفها تفاصيل ثانوية، بل باتت في صلب الأزمة الوطنية.
الاعتراف بهذه الحقائق ليس ترفًا فكريًا، بل شرطٌ أولي لأي نهوض حقيقي. فالشعوب لا تنتصر بالشعارات وحدها، ولا بالاختباء خلف مفردات الصمود والمقاومة دون مراجعة أدواتها. كما أن الهروب إلى الأمام، عبر تضخيم الإنجازات أو إنكار الخسائر، لا يُنتج إلا مزيدًا من التآكل البطيء، الذي يضعف القدرة على المواجهة ويبدّد ما تبقّى من عناصر القوة.
لكن، في المقابل، فإن تحويل الهزيمة إلى قدرٍ نهائي هو الوجه الآخر للاستسلام. وهنا تحديدًا تتجلى قيمة ما طرحه العاروري في حينه: أن الهزائم، مهما كانت قاسية، يمكن أن تتحوّل إلى رافعة إذا ما قُرئت بوعي، واستُخلصت منها الدروس، وأُعيد بناء الأدوات على أسسٍ أكثر صلابة، بعيدًا عن التبرير أو الإنكار.
إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط خطابًا يعترف بالخلل، بل مشروعًا يعيد تعريف أولوياتنا على أسس واضحة:
مشروع يعيد الاعتبار لمكانة الجماهير الشعبية، وللوحدة الوطنية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها شرطًا لا بديل عنه، بعيدًا عن رهاناتٍ أثبتت فشلها، ويستعيد السياسة كفعلٍ عقلاني لا كإدارة أزمات مؤقتة، ويُخضع التجربة بكل محطاتها لنقدٍ صريح، ينطلق من أن حياة الناس وبقاءهم في وطنهم خط أحمر، ولا يقدّس أحدًا ولا يُعفي أحدًا من المسؤولية.
كما نحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين الشعب وقواه السياسية، وهي ثقة لا تُستعاد بالخطابات، بل بالممارسة اليومية، وبالقدرة على تحمّل المسؤولية، والاعتراف بالأخطاء، وتصحيح المسار دون تردد أو مراوغة.
إن الهزيمة، في جوهرها، ليست لحظة سقوط فقط، بل لحظة اختبار عميق: هل نمتلك الشجاعة الكافية لننظر في المرآة دون مواربة؟ وهل نمتلك الإرادة السياسية والتنظيمية لنغيّر ما يجب تغييره، حتى لو كان ذلك مكلفًا؟
ربما لا نملك ترف الوقت، وربما تبدو الطريق أطول مما نحتمل، لكن ما هو مؤكّد أن الشعوب التي تقرأ هزائمها وتعترف بها بوعي، لا تكرّرها بالضرورة. أما التي تهرب منها، أو تبرّرها، فإنها محكومة بإعادتها، مرةً بعد أخرى، بأشكالٍ أشد قسوة وأعمق أثرًا.
لهذا، فإن استعادة روح «الهزائم ليست قدرًا» اليوم، ليست مجرد استذكارٍ لكتابٍ مهم جاء في وقته، بل هي، في الذكرى الثمانين لميلاد تيسير العاروري، دعوة مفتوحة لإعادة التفكير: بجرأة، بصدق، وبمسؤولية، وبإرادة لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسعى لتغييره.
فالهزائم قد تكون مؤقتة… أما الدروس التي لا تُستخلص منها، فهي الهزيمة الحقيقية.




