... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
195477 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8223 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

الحشرات... الجندي المجهول في الحروب

العالم
مجلة المجلة
2026/04/16 - 13:50 501 مشاهدة
الحشرات... الجندي المجهول في الحروب layout Thu, 04/16/2026 - 14:50
Olga Aleksandrova

مع تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الإمبراطورية اليابانية والصين، شكل حادث جسر ماركو بولو في 7 يوليو/تموز 1937 الشرارة التي أطلقت الحرب اليابانية الصينية الثانية، بعدما ادعت اليابان اختفاء أحد جنودها في محيط الجسر. واستمرت الحرب حتى عام 1945، وخلالها تمكنت القوات اليابانية من التوغل في عمق الأراضي الصينية واحتلال أجزاء واسعة منها.

في شمال شرق الصين، بالقرب من مدينة هاربين، أنشأ الجيش الإمبراطوري الياباني منشأة شديدة السرية عرفت باسم "الوحدة 731"، ارتبطت بأحد أبشع الانتهاكات في التاريخ الإنساني. تولى قيادة هذه الوحدة الطبيب الياباني إيشي شيرو، وكلف تطوير أسلحة بيولوجية، لتتحول المنشأة إلى ما يشبه مختبرا واسعا لإجراء تجارب بيولوجية وكيميائية على البشر، في انتهاك صارخ لأبسط المبادئ الإنسانية.

شملت هذه التجارب ممارسات وحشية، مثل تشريح الأسرى وهم أحياء دون تخدير، وتعريضهم لعدوى متعمدة لمراقبة تطور الأمراض، واختبار تأثير الأسلحة الحارقة على أجسادهم وهم في كامل وعيهم، إلى جانب تجارب أخرى لا تقل قسوة. وتشير التقديرات إلى أن ما بين 10 آلاف و12 ألف أسير صيني لقوا حتفهم نتيجة هذه الممارسات، من بينهم نساء وأطفال وشيوخ.

لم تقتصر أنشطة الوحدة على التجارب داخل أسوارها، بل امتدت إلى تطوير أسلحة بيولوجية استخدمت ميدانيا، بما في ذلك توظيف الحشرات كوسيلة لنشر الأمراض بين المدنيين الصينيين خارج نطاق الأسر، في واحدة من أكثر صور الحرب قسوة ووحشية.

لم يكن توظيف الحشرات في الحروب وليد العصر الحديث، بل أدرك الإنسان منذ آلاف السنين تأثيرها الحاسم في ميادين القتال. فقد أشارت حضارات قديمة، كالإغريق والرومان والصينيين، إلى استخدام النحل والدبابير كوسيلة لإرباك صفوف العدو، إذ كان إطلاقها يحدث فوضى مفاجئة، ويلحق أذى جسديا بالخصوم، بما يكفي لزعزعة تماسكهم وإضعاف قدرتهم على القتال.

البعوض يهزم فرنسا

يسجل التاريخ مثلا لافتا على دور الحشرات غير المقصود في تغيير مسار الأحداث. ففي مطلع القرن التاسع عشر، أرسل الجنرال نابليون بونابرت حملة عسكرية بقيادة شارل لوكلير إلى هايتي لقمع الثورة المندلعة هناك.

REUTERS
فحص يرقة بعوضة الزاعجة المصرية في مختبر تابع لنظام الصحة البلدية في ريو دي جانيرو، البرازيل

ورغم التفوق العسكري الفرنسي، لم يكن فشل الحملة نتيجة مقاومة الثوار فحسب، بل لعب البعوض الناقل لفيروس الحمى الصفراء دورا حاسما في إنهاك الجيش بعدما تفشى المرض بين الجنود الفرنسيين، وأودى بحياة نحو 50 ألفا منهم، من بينهم قائد الحملة نفسه، لتخسر فرنسا مستعمرتها، وتعلن هايتي استقلالها عام 1804، في واحدة من أبرز اللحظات التي ساهمت فيها الطبيعة في إعادة تشكيل موازين القوة.

في ذلك الوقت، لم يكن الفرنسيون على دراية بأن البعوض هو الناقل لمرض الحمى الصفراء. ورغم انتشار المرض في بيئة هايتي، فإن الجنود الفرنسيين افتقروا إلى المناعة اللازمة لمقاومته، بخلاف السكان المحليين والثوار الذين تعايشوا معه عبر أجيال، مما أكسبهم قدرا من المقاومة الطبيعية نتيجة التعرض المتكرر.

من الإمبراطورية اليابانية الى وكالات الدفاع الأميركية
16 أبريل , 2026
Region

أثناء الحرب اليابانية الصينية الثانية، عمل فريق إيشي شيرو على استنبات سلالات شديدة الضراوة من بكتيريا الطاعون، مستخدمين البراغيث كوسيط لنقل العدوى. وبعد التحقق من فاعليتها، جرى خلط البراغيث المصابة بالطاعون الدبلي، وكذلك القمل الحامل للتيفوس، مع الرمال، ثم وضع هذا الخليط داخل قذائف خزفية أسقطت من الطائرات

وظلت العلاقة بين الحشرات والأمراض غامضة حتى أواخر القرن التاسع عشر، حين بدأ العلماء يدركون دور الحشرات في نقل مسببات الأمراض، سواء بشكل بيولوجي عبر احتضان الميكروبات داخل أجسامها، أو ميكانيكي من خلال نقلها بين الكائنات المختلفة. وقد تبلور هذا الفهم مع تلاقي علم الأحياء الدقيقة وعلم الحشرات، مما أسهم في كشف آليات انتقال العدوى وتفسير انتشار الأوبئة.

لكن جذور هذا الاكتشاف تعود إلى القرن السابع عشر، مع تاجر أقمشة هولندي فضولي يدعى أنطوني فان ليفينهوك. بدافع اهتمامه بفحص الأقمشة، قام بتطوير مجهر ضوئي بسيط، فتح له بابا غير مسبوق إلى عالم مجهري لم يكن مرئيا من قبل. ومن خلال عدساته، بدأ يراقب تفاصيل دقيقة في مياه المطر، والبرك، والنباتات، والجلد، وحتى العفن والحشرات.

كان ليفينهوك أول من رصد الكائنات الحية الدقيقة، وهي ملاحظة قوبلت في البداية بالدهشة والشك عندما عرضها على الجمعية الملكية في لندن. لكن بعد التحقق من نتائجه، أقرت اكتشافاته، ومنح لقب "أبو علم الأحياء الدقيقة". ورغم أن أبحاثه فتحت آفاقا جديدة لفهم العالم الخفي، فإن الربط المباشر بين هذه الكائنات الدقيقة ومسببات الأمراض لم يكن قد تبلور بعد، وهو ما سيستغرق قرونا أخرى من البحث العلمي للوصول إليه.

رغم ذلك، ظل الاعتقاد السائد حتى القرن التاسع عشر أن الأمراض مثل الكوليرا والطاعون والملاريا تنتشر في البيئات الملوثة، وفق ما عرف بـنظرية الوبالة(Miasma Theory)، التي ربطت العدوى بالهواء الفاسد والروائح الكريهة. لكن هذه الرؤية بدأت تتهاوى مع تصاعد الشكوك العلمية، إلى أن جاء كل من لويس باستور وروبرت كوخ ليقدما أدلة حاسمة على أن الكائنات الدقيقة، كالبكتيريا والفيروسات، هي المسببة الحقيقية للأمراض، في إطار ما عرف لاحقا بـالنظرية الجرثومية (Germ Theory). وقد مثل هذا التحول نقطة مفصلية، إذ فتح المجال أمام فهم أعمق لآليات انتقال العدوى.

بروتوكول جنيف

أثناء الحرب اليابانية الصينية الثانية، عمل فريق إيشي شيرو على استنبات سلالات شديدة الضراوة من بكتيريا الطاعون، مستخدمين البراغيث كوسيط لنقل العدوى.

وبعد التحقق من فاعليتها، جرى خلط البراغيث المصابة بالطاعون الدبلي، وكذلك القمل الحامل للتيفوس، مع الرمال، ثم وضع هذا الخليط داخل قذائف خزفية أسقطت من الطائرات.

كانت القذائف تنفجر على ارتفاع يتراوح بين 90 و150 مترا فوق المناطق المأهولة، لتنتشر الحشرات المصابة بين المدنيين، في واحدة من أكثر صور "تجنيد الحشرات" قسوة في التاريخ. وتشير التقديرات إلى أن نحو 580 ألف مدني صيني لقوا حتفهم نتيجة هذه الحرب البيولوجية، وكان أكثر من ثلاثة أرباع الضحايا بسبب أسلحة اعتمدت على الحشرات كناقلة للمرض.

يجري تطوير ما يعرف بـ"الحشرات السيبورغ" فتدمج أنظمة إلكترونية دقيقة داخل أجسام الحشرات للتحكم في حركتها واستخدامها في مهام استطلاع سرية أو جمع المعلومات

ومع تفاقم المجاعة في الصين، اتجه إيشي وفريقه إلى نهج آخر، تمثل في استنبات آفات زراعية ونشرها عمدا في أراضي الخصم بهدف تدمير المحاصيل وتعميق الأزمة الغذائية، وذلك عام 1944. لكن مع تراجع اليابان في الحرب، سعى إيشي إلى طمس الأدلة، فأمر بتدمير منشآت "الوحدة 731" ثم بإعدام العمال الصينيين المرتبطين بها، في محاولة لإخفاء حجم الانتهاكات.
في عام 1925، أقر بروتوكول جنيف، ووقعت عليه دول عدة، من بينها اليابان، استجابة للآثار المروعة لاستخدام الغازات السامة خلال الحرب العالمية الأولى. ومع ذلك، تأخرت قوى كبرى، مثل الولايات المتحدة واليابان، في المصادقة عليه لسنوات طويلة، وهو ما أتاح استمرار تطوير واستخدام أسلحة محظورة، كما حدث في أنشطة "الوحدة 731".

ينص البروتوكول على حظر استخدام الغازات السامة أو الخانقة، وكذلك الوسائل البكتريولوجية في الحروب، أي تعمد نشر الأمراض بين الأعداء. ورغم وضوح هذه البنود، لم تلتزمها اليابان خلال عملياتها في الصين، إذ استخدمت الحرب البيولوجية بشكل واسع وممنهج.

AFP
المحكمة العسكرية الدولية في طوكيو، حيث يحاكم الجنرال الياباني هيديكي توجو (الخامس من اليسار، في الصف الثاني) بتهمة ارتكاب جرائم حرب

بعد استسلام اليابان في أغسطس/آب 1945، عاد معظم أفراد الوحدة إلى بلادهم. وخلال ما عرف بمحاكمات طوكيو، حققت الولايات المتحدة في أنشطة الوحدة، لكنها اختارت عدم محاكمة أعضائها، مقابل حصولها على نتائج أبحاثهم. ونتيجة لذلك، لم يحاسب إيشي شيرو، الذي توفى عام 1959 إثر إصابته بالسرطان.

برغم أن اتفاقية الأسلحة البيولوجية تحظر استخدام العوامل البيولوجية في الحروب، فإن تطوير هذه التقنيات تحت غطاء "الدفاع" يظل محل جدل قانوني وأخلاقي

وظلت الحكومة اليابانية تنكر وجود "الوحدة 731" لعقود، قبل أن تبدأ الاعترافات الرسمية بالظهور تدريجيا منذ ثمانينيات القرن العشرين. وفي عام 2018، كشف الأرشيف الوطني الياباني عن قائمة تضم 3607 من أعضاء الوحدة، كان معظمهم قد توفى في حلول ذلك الوقت، لتظل تلك الصفحة من أكثر الفصول قتامة في تاريخ العلم والحرب.

في العصر الحديث، لم تعد الحشرات مجرد أدوات بدائية في الحروب، بل أصبحت جزءا من منظومات تكنولوجية معقدة تستند إلى الهندسة الوراثية والتقنيات المتقدمة. فقد أتاح تطور تقنيات التعديل الجيني إمكان تعديل الحشرات، سواء لتعزيز قدرتها على نقل الأمراض، أو لجعلها حاملة لفيروسات مصممة بدقة لاستهداف محاصيل أو كائنات بعينها. ولم يعد الأمر مقتصرا على التعديل الجيني، بل امتد إلى استخدام الطائرات بدون طيار لنشر هذه الحشرات بدقة، مما يفتح الباب أمام أشكال جديدة من الحروب البيولوجية العالية التحكم.

الحشرات السيبورغ

ومن أبرز الأمثلة على هذا التوجه برنامج لوكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة الأميركية يهدف إلى استخدام حشرات مثل المن والذبابة البيضاء لنقل فيروسات معدلة وراثيا إلى المحاصيل الزراعية، بهدف حمايتها من الجفاف أو التهديدات البيولوجية. غير أن هذا البرنامج أثار جدلا واسعا، إذ يرى منتقدون أنه يمكن توظيفه بسهولة كسلاح لتدمير المحاصيل بدلا من حمايتها، مما يجعله مثلا واضحا على المنطقة الرمادية بين الاستخدام الدفاعي والهجومي للتكنولوجيا.

كما يجري تطوير ما يعرف بـ"الحشرات السيبورغ" حيث تدمج أنظمة إلكترونية دقيقة داخل أجسام الحشرات للتحكم في حركتها واستخدامها في مهام استطلاع سرية أو جمع المعلومات. كما تعمل شركات دفاعية على تطوير طائرات صغيرة مستوحاة من الحشرات، مثل نماذج تحاكي حركة اليعاسيب أو النحل، لتستخدم في أعمال المراقبة والاستخبارات.

ويثير هذا التطور التقني مجموعة من المخاطر والتحديات الأخلاقية. فبرغم أن اتفاقية الأسلحة البيولوجية تحظر استخدام العوامل البيولوجية في الحروب، فإن تطوير هذه التقنيات تحت غطاء "الدفاع" يظل محل جدل قانوني وأخلاقي. كما أن استخدام حشرات معدلة وراثيا قد يؤدي إلى تدمير الأمن الغذائي عبر استهداف المحاصيل، أو التسبب في اختلالات بيئية يصعب السيطرة عليها، فضلا عن خطر اندلاع أوبئة غير قابلة للاحتواء في حال خروج هذه الكائنات عن نطاق التحكم.

ورغم أن "الحرب الحشرية" ليست مفهوما جديدا، فإن التطورات الحديثة منحتها أبعادا غير مسبوقة. فبعدما كانت تقتصر تاريخيا على نشر حشرات مصابة بالأمراض، كما حدث في الحرب العالمية الثانية، أصبحت اليوم ترتبط بمجالات مثل البيولوجيا التركيبية والهندسة الجينية، مما ينذر بانتقالها من مجرد وسيلة لنقل السموم إلى أداة لإعادة تشكيل الأنظمة البيئية نفسها، وهو تحول يحمل في طياته إمكانات هائلة، ومخاطر لا تقل عنها جسامة.

16 أبريل , 2026
story cover
Off
Promotion Article
Off
Show on issuepdf page
Off
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤