الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية... مقدمة لحرب استنزاف أم تكتيك تفاوضي؟
لم تمضِ ساعات على عودة نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس من مفاوضات إسلام آباد مع الوفد الإيراني برئاسة رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف خالي الوفاض، حتى أصدر الرئيس دونالد ترامب أمراً بإغلاق مضيق هرمز وفرض حصار على الموانئ الإيرانية في الخليج وبحر عُمان.
أحدثت الإجراءات الأميركية، التي بدأت اعتباراً من الساعة العاشرة صباحاً بالتوقيت الشرقي للولايات المتحدة، اضطراباً جديداً في أسواق الطاقة والمال في العالم، نظراً لما تنطوي عليه من مخاطر عالية بتجدد الحرب مع إيران، لا سيما أن الجيش الإيراني ردّ بتحذير شديد اللهجة، جاء فيه: "إن هُدِّد أمن موانئ الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مياه الخليج وبحر العرب، فلن يكون أي ميناء في الخليج وبحر العرب في مأمن".
ضغط تفاوضي على حافة الانفجار
ترامب وإيران، كلاهما يجيد اللعب على حافة الهاوية. ولذا، يبقى هناك أمل، ولو باهتاً، بأن يكون الهدف من الإجراءات الأميركية ممارسة الضغط على إيران لإعادتها إلى طاولة الحوار في الأيام المقبلة، خصوصاً أن هدنة الـ15 يوماً لا تزال سارية، ومن الممكن تمديدها لإفساح المجال أمام الديبلوماسية.
ونقل موقع "أكسيوس" الإخباري الأميركي أن الوسطاء "سيواصلون المحادثات مع واشنطن وطهران لسد الفجوات والتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب".
الغاية من فرض الحصار على الموانئ الإيرانية، كما يقول ترامب نفسه، هي تطبيق تجربة الحصار الأميركي للموانئ الفنزويلية في النصف الثاني من العام الماضي، وهو حصار انتهى بعملية "العزم المطلق" التي أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وتنصيب نائبته تولسي رودريغيز خلفاً له، وإعلان الأخيرة فتح صفحة جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة.
غير أن الواقع يثبت أن إيران والشرق الأوسط أكثر خطورة بكثير من فنزويلا والكاريبي. فترامب يريد، من خلال الحصار البحري، حرمان إيران من عوائد النفط التي استمرت في تصديره، خصوصاً إلى الصين، على مدى الأيام الأربعين للحرب الأخيرة، وربما جنت أموالاً أكثر مما جنته خلال عام كامل، بسبب ارتفاع الأسعار.

كلفة اقتصادية عالمية ومخاطر التصعيد
لكن حصار الموانئ الإيرانية وإقفال هرمز من قبل البحرية الأميركية سيعنيان حرمان الأسواق العالمية من نحو 1.6 مليون برميل نفط يومياً. وقد دفع هذا التوقع الأسعار فوراً فوق مستوى المئة دولار، في حين شهدت الأسهم الأميركية تراجعاً.
وبات الرهان الآن على من يتحمل الضرر أكثر: إيران أم الأسواق العالمية؟ فقد شرعت مصانع في دول آسيوية في تقليص الإنتاج لتوفير الطاقة، فيما بدأت محطات الوقود بالتقنين، وسُجّل نقص في وقود الطائرات في بعض المطارات الآسيوية والأوروبية، وسط توقعات بانكماش الناتج المحلي في عدد من الدول.
وفي هذا السياق، برز موقف لافت لوزارة الخارجية الصينية، حضّت فيه الأطراف على عدم تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وأعلنت استعداد بكين للعمل مع الجميع لحماية أمن الطاقة والإمدادات.
وإذا كان ترامب يسعى إلى منع إيران من استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط في المفاوضات المقبلة، فإنه في الوقت عينه يخاطر بتجدد الحرب والدخول في نزاع طويل الأمد. ونقلت "رويترز" عن خبراء أن الحصار يشكّل عملية عسكرية واسعة النطاق بلا أفق زمني واضح، قد تدفع إيران إلى الرد وتضع ضغطاً هائلاً على وقف النار الهش أصلاً.
وتبادلت واشنطن وطهران الاتهامات بشأن فشل مفاوضات إسلام آباد. إذ اعتبر ترامب أن السبب الرئيسي يعود إلى عدم موافقة إيران بوضوح على التخلي عن السعي إلى السلاح النووي، فيما قالت طهران إن الوفد الأميركي طرح مبادرات متطرفة.
وللمرة الأولى، يقرّ ترامب بأن أسعار البنزين في الولايات المتحدة قد تواصل الارتفاع حتى موعد الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، في وقت يخشى الجمهوريون خسارة مجلسي الكونغرس بسبب التضخم.
واستدراكاً لهذا السيناريو، يرجّح البعض أن تكون الإجراءات التي أعلنها الرئيس الأميركي، إلى جانب تصريحه بأنه "لا يبالي" بعودة إيران إلى المفاوضات من عدمها، جزءاً من تكتيك تفاوضي يهدف إلى دفع الخصوم نحو التراجع وتليين مواقفهم.





