الحروب وآثارها الصحية
د. علي المبروك أبوقرين
الحروب التي نشهدها اليوم تحوّلت من مواجهات عسكرية تقليدية إلى منظومات معقدة من الأخطار المتداخلة، التي تضرب الإنسان في جسده ونفسيته وبيئته ومصادر عيشه. ومع تطور أدوات الصراع، أصبحت آثار الحروب أوسع نطاقًا، وأطول زمنًا، وأكثر تعقيدًا، لتطال الحاضر والمستقبل معًا.
تشمل الآثار الصحية المباشرة النتائج الفورية التي تقع أثناء العمليات العسكرية، مثل الإصابات والوفيات نتيجة القصف والشظايا والحروق والانفجارات، وحالات الاختناق والتسمم بسبب الغازات السامة أو الحرائق الكبرى، والحروق الشديدة، خاصة في الحرائق واسعة النطاق أو استخدام مواد حارقة، والانهيارات والإصابات الرضحية نتيجة تدمير المباني والبنية التحتية.
أما الآثار الصحية غير المباشرة، فهي الأخطر لأنها تمتد لفترات طويلة، وتشمل انهيار النظام الصحي من خلال تدمير المستشفيات أو تعطيلها، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وهجرة الكوادر الصحية، وصعوبة الوصول إلى الرعاية. وكذلك انتشار الأمراض المعدية مثل الكوليرا والحصبة بسبب تلوث المياه وانهيار الصرف الصحي، وعودة أمراض كانت تحت السيطرة نتيجة ضعف برامج التطعيم. كما يظهر سوء التغذية بسبب نقص الغذاء وارتفاع الأسعار وانهيار سلاسل الإمداد، وتأثير ذلك المباشر على الأطفال والحوامل.
وتبرز أيضًا الآثار النفسية بشكل واضح، من خلال ارتفاع معدلات اضطراب ما بعد الصدمة، والقلق، والاكتئاب، والانهيار النفسي، وظهور آثار طويلة الأمد على الأطفال، مثل الخوف وفقدان الأمان واضطراب السلوك.
ويُضاف إلى ذلك آثار النزوح واللجوء، حيث الاكتظاظ في المخيمات، وغياب المياه النظيفة والصرف الصحي، والتعرض للأمراض والعنف والاستغلال.
وتشمل الأخطار البيئية والصحية الحديثة الحرائق الواسعة التي تطلق غازات سامة، مثل أول أكسيد الكربون والديوكسينات، وما ينتج عنها من تلوث الهواء وتأثيرات تنفسية حادة ومزمنة. وكذلك التسربات الكيميائية التي تؤدي إلى التعرض لمواد سامة تسبب فشلًا تنفسيًا وتلفًا في الجهاز العصبي، وأمراضًا مزمنة قد تصل إلى السرطان على المدى البعيد.
إضافة إلى ذلك، تبرز التهديدات الإشعاعية في حال استهداف منشآت نووية أو استخدام مواد مشعة، مما يزيد من خطر السرطان والتشوهات الخلقية والتلوث طويل الأمد للتربة والمياه. كما يؤدي تلوث المياه والتربة، نتيجة تسرب الوقود والمواد الكيميائية وتدمير مصادر المياه، إلى آثار خطيرة على الزراعة والأمن الغذائي.
وفي سياق الحروب الحديثة، التي قد تشمل أسلحة عالية التدمير مثل الصواريخ الذكية والقنابل الحرارية، واستخدام أسلحة كيميائية وبيولوجية، واستهداف البنية التحتية الحيوية كالكهرباء والمياه والمستشفيات، إضافة إلى الحروب السيبرانية التي تعطل الأنظمة الصحية، يصبح المدنيون في قلب الخطر بشكل مباشر.
وتتفاقم الآثار الاقتصادية والاجتماعية بزيادة معدلات الفقر والبطالة، وانهيار الخدمات الأساسية، وتفكك الأسرة والمجتمع، وتراجع التعليم، وظهور أجيال تعاني من الحرمان المزمن.
ومن أجل الحد من هذه المخاطر، هناك احتياطات وتوصيات مهمة تبدأ على مستوى الأفراد، بتخزين مياه نظيفة وغذاء آمن، واستخدام الكمامات في حال وجود دخان أو غازات، وتجنب المناطق الملوثة أو مواقع الانفجارات، وتعلم الإسعافات الأولية، وحماية الأطفال نفسيًا.
وعلى مستوى المجتمع، بإنشاء ملاجئ آمنة ومجهزة، ونشر التوعية الصحية، ودعم شبكات التكافل الاجتماعي، ومراقبة مصادر المياه والغذاء.
وعلى مستوى المؤسسات الصحية، بوضع خطط طوارئ واستجابة سريعة، وتأمين مخزون استراتيجي من الأدوية، وحماية المنشآت الصحية وتوزيعها جغرافيًا، وتدريب الكوادر على إدارة الكوارث، واستخدام أنظمة إنذار مبكر.
أما على مستوى الدولة، فبتعزيز جاهزية النظام الصحي، وحماية البنية التحتية الحيوية، والتعاون الدولي في الأزمات، ووضع تشريعات تحمي المدنيين، والاستثمار في الوقاية والاستجابة للكوارث.
وفي الخلاصة، فإن الحروب ليست فقط دمارًا لحظيًا، بل أزمة صحية شاملة تمتد آثارها لعقود. وكلما تطورت أدوات الحرب، زادت تعقيداتها الصحية والبيئية والنفسية. وإن حماية الإنسان في زمن الحرب لا تبدأ أثناء القصف، بل قبل ذلك ببناء نظام صحي قوي، ومجتمع واعٍ، ودولة تعتبر الصحة أمنًا قوميًا لا يقل أهمية عن أي سلاح.
وفي النهاية، فإن أعظم انتصار ليس في كسب الحرب، بل في حماية الحياة وصون الإنسان من أن يتحول إلى ضحية دائمة لصراعات لا تنتهي.
The post الحروب وآثارها الصحية appeared first on الموقف الليبي.



