الحكم الذاتي للصحراء المغربية يطرح على الطاولة في "نسخة محينة"
كشف منبر “Security Council Report”، المتخصص في تتبع أعمال مجلس الأمن الدولي، أن المغرب قدّم خلال المفاوضات التي احتضنتها العاصمة الإسبانية مدريد شهر فبراير الماضي، نسخة محيّنة ومفصلة من مقترح الحكم الذاتي الذي طرحه سنة 2007، مرفقة بمعطيات موسعة تهدف إلى توفير أرضية أكثر وضوحا للمفاوضات وتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف المعنية بالنزاع.
وأفاد المصدر ذاته بأن هذه الدينامية تواصلت باحتضان العاصمة الأمريكية واشنطن جولة ثانية من المحادثات يومي 23 و24 فبراير الماضي، بمشاركة الأطراف الأربعة، وتحت إشراف المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية، ستافان دي ميستورا، وبمواكبة مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية، دون الإعلان عن نتائج ملموسة إلى حدود الساعة.
وفي المقابل، يواصل المغرب نهج سياسة الصمت والترقب إزاء هذه التحركات، دون الكشف الرسمي عن مضامين مبادرته المُحينة، في خطوة تعكس انخراطه في منطق الحفاظ على سرية المسار التفاوضي، استجابة لتوجهات الأمم المتحدة والوساطة الدولية الرامية إلى توفير مناخ تفاوضي هادئ بعيدا عن الضغوط الإعلامية.
تأتي هذه المقاربة في إطار الدينامية الجديدة التي يقودها المغرب لتطوير مبادرة الحكم الذاتي، من خلال تقديم تصور أكثر تفصيلا يأخذ بعين الاعتبار التحولات الدستورية والتنموية التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، لتعزيز قابلية المقترح للتطبيق ومنحه بعدا عمليا أوضح.
وبخصوص الطابع السري الذي يسم هذه المباحثات، قال ستيفان دوجاريك، الناطق الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، إن دي ميستورا ترأس هذه المفاوضات بشكل مشترك مع ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، في إطار تفعيل مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797، موضحا أنه “اختار التزام الصمت في المرحلة الراهنة بهدف منح هذه المفاوضات أكبر فرص النجاح، وتهيئة الظروف الملائمة لتحقيق تقدم ملموس، بما ينسجم مع روح القرار الأممي ويعزز حظوظ التوصل إلى حل سياسي واقعي”.
ويرى متتبعون أن النسخة المحيّنة من المبادرة تشكل مكسبا تفاوضيا مهما، بالنظر إلى ما تتضمنه من توضيحات تتعلق بآليات التنزيل وتوزيع الصلاحيات وضمانات الحكامة والمشاركة، وهو ما من شأنه أن يعزز الثقة الدولية في المقاربة المغربية ويدعم موقعها داخل النقاشات الأممية.
وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد الانتظارات الدولية بشأن مآل هذا المسار التفاوضي الجديد ارتباطا بمناقشة مجلس الأمن للتقدم المحرز خلال جلستين نهاية الشهر الجاري، في وقت توحي فيه كل المؤشرات بأن المرحلة الراهنة قد تشكل اختبارا حقيقيا لقدرة الفاعلين الدوليين على تحويل الدينامية الحالية إلى تقدم فعلي نحو تسوية سياسية مستدامة للنزاع المفتعل تحت السيادة المغربية.
صمت استراتيجي
قال عبد الفتاح البلعمشي، رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، إن المحادثات التي جرت في إسبانيا، والتي قدّمت خلالها المملكة المغربية تفصيلا وتحيينا لمبادرة الحكم الذاتي كما ورد في تقرير موقع مجلس الأمن، تعكس توجها واضحا نحو تثبيت هذه المبادرة كأرضية أساسية للمسار التفاوضي، رغم عدم الإعلان الرسمي عن مضامين هذا التحيين.
وأوضح البلعمشي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذا المعطى يؤكد أن المغرب ماضٍ في الانخراط في المفاوضات انطلاقا من مشروع الحكم الذاتي، الذي بات يحظى باهتمام متزايد من طرف المجموعة الدولية، إلى جانب رعاية مباشرة ومكثفة من الولايات المتحدة الأمريكية، مما يعكس وجود إرادة دولية لدفع هذا المسار نحو أفق تسوية نهائية للنزاع.
وأضاف المحلل السياسي ذاته أن ملف الصحراء المغربية يظل في صلب أولويات الفاعلين الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية ومجلس الأمن، رغم تعدد الأزمات الدولية، مشيرا إلى أن برمجة مواعيد تفاوضية بوتيرة غير مسبوقة تعكس توجها نحو تحقيق تقدم ملموس في هذا الملف.
وذكر عبد الفتاح البلعمشي أن بعض الأصوات والمنابر الإعلامية الداعية إلى الكشف عن تفاصيل المقترح المغربي المُحين أو فحوى المحادثات تبقى غير منسجمة مع طبيعة هذا المسار، خاصة في ظل ما يتم تداوله من تسريبات لا يمكن الجزم بصحتها، مؤكدا أن هذه المفاوضات تندرج ضمن نمط المفاوضات السرية المعترف بها في العلاقات الدولية.
وأشار أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض إلى أن هذا النوع من المفاوضات يقوم على مبدأ أساسي يتمثل في عدم الإعلان عن أي تقدم أو تفاصيل للرأي العام إلا بعد التوصل إلى تسوية نهائية قابلة للإعلان، مبرزا أن هذا الشرط يعد جزءا من الضوابط المؤطرة لهذا المسار، سواء من طرف الولايات المتحدة أو الأطراف المعنية، مع ضرورة احترام الأمم المتحدة لهذا النهج، خاصة بعد صدور القرار 2797.
وتابع قائلا: “إن اللجوء إلى هذا النمط من التفاوض غالبا ما يكون في حالات تباعد المواقف بين الأطراف، وهو ما يفرض اعتماد مقاربات مرنة تتيح لكل طرف هامش التحرك، سواء عبر تقديم تنازلات أو ممارسة ضغوط، في إطار ما تقتضيه قواعد التفاوض الدبلوماسي”.
وخلص البلعمشي إلى أن المؤشرات الحالية توحي بوجود تحول تدريجي في ميزان التفاعل الدولي مع النزاع، حيث تميل الكفة، بحسب تعبيره، “لصالح المقاربة التي يستند إليها المغرب، في ظل تزايد الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، وترسخ خيار الحكم الذاتي كمسار وحيد وواقعي لتسوية هذا النزاع تحت السيادة المغربية”.
رهان التفاوض
سجل محمد الغيث ماء العينين، نائب رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، أن المعطى الأبرز فيما أورده موقع “Security Council Report” لا يرتبط فقط بمضمون المفاوضات الجارية، بل يتعداه إلى طبيعة المصدر ذاته، باعتباره منصة متخصصة في تتبع أشغال مجلس الأمن، ما يضفي طابعا شبه رسمي على معلومات كانت إلى وقت قريب تندرج ضمن خانة التسريبات.
وأضاف ماء العينين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذا التحول يعكس انتقال بعض المعطيات من دائرة التداول غير المؤكد إلى مستوى من التثبيت غير المباشر، مما يمنحها قدرا أكبر من المصداقية، خاصة فيما يتعلق بتأكيد تقديم المغرب نسخة محيّنة من مقترح الحكم الذاتي.
واستحضر الخبير في نزاع الصحراء المغربية أن هذا التطور يأتي في سياق أوسع يتسم باعتماد الفاعلين الدوليين، إلى جانب الأطراف المعنية، منطق الدبلوماسية الهادئة والصامتة، وهو ما يفسر تراجع الحضور الإعلامي للملف دون أن يعني ذلك تراجعا في وتيرة الجهود المبذولة لإيجاد حل.
وأضاف المحلل السياسي ذاته أن المرحلة الحالية تعكس دخول الملف إلى مستوى أكثر جدية، يتماشى مع التوجه الذي كرسه القرار الأممي 2797، القائم على الدفع نحو حل سياسي واقعي ومتوافق عليه، عبر مفاوضات مباشرة بين الأطراف.
ونبه المتحدث إلى أن هامش المناورة بدأ يضيق تدريجيا أمام بعض الأطراف، في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها هذا الملف، سواء على مستوى المواقف الدولية أو في سياق التفاعلات السياسية داخل مراكز القرار الكبرى.
ولفت الخبير في النزاع الانتباه إلى أن النقاش لم يعد منصبا على طبيعة الحل في حد ذاته، بقدر ما أصبح مرتبطا بمدى استعداد الأطراف للانخراط في المسار التفاوضي القائم، خاصة في ظل ترسخ مقترح الحكم الذاتي كأرضية مرجعية داخل النقاش الدولي.
كما أكد محمد الغيث أن قراءة هذه التطورات لا يمكن فصلها عن السياق الجيو-استراتيجي الأوسع، الذي يشهد بدوره تحولات عميقة قد تكون لها انعكاسات غير مباشرة على مواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين المعنيين بالملف.
واسترسل بأن المؤشرات الحقيقية لا تكمن في الخطاب الإعلامي أو التصريحات العلنية، بل في طبيعة التحولات التي تجري على مستوى الكواليس الدبلوماسية، والتي توحي بوجود إرادة دولية لإعادة توجيه مسار النزاع نحو حلول أكثر واقعية.
وفي هذا السياق، قال المصرح لهسبريس إن المرحلة الراهنة تفرض اعتماد قراءة متأنية وهادئة، باعتبار أن مسار البحث عن الحل يبدو أنه دخل منعطفا جديدا، يتسم بقدر أكبر من الجدية وأقل قابلية للمناورة، ما قد يمهد لتطورات نوعية خلال المرحلة المقبلة.
The post الحكم الذاتي للصحراء المغربية يطرح على الطاولة في "نسخة محينة" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

