الهدنة بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي.. استراحة محارب أم اعتراف بالعجز؟
#سواليف
في ظل مشهد إقليمي متقلب تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية، تعود التهدئة بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” من جهة أخرى إلى واجهة الأحداث، ليس بوصفها نهايةً لجولة من الصراع، بل كجزء من ديناميكياته المستمرة. وبين قراءات تراها “استراحة محارب” وأخرى تلمّح إلى حدود القدرة على الحسم، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الهدنة، ودلالاتها، وما إذا كانت تمهيدًا لمرحلة أكثر هدوءًا أم مقدمة لجولة جديدة من التصعيد.
يرى محللون أن التهدئة الراهنة بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” من جهة أخرى، وما يرافقها من خفض للتصعيد، لا تمثل نهاية للصراع بقدر ما تعكس مرحلة انتقالية يمكن وصفها بـ”استراحة محارب”، تهدف إلى إعادة ترتيب الأولويات وموازين القوة في المنطقة، وتحقيق مكاسب جزئية دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
بدوره، يرى المحلل السياسي هاني المصري أن التهدئة أو خفض التصعيد في سياق المواجهة مع إيران لا يمكن فهمها بوصفها نهاية للحرب، بل باعتبارها أداة ضمن أدوات إدارة الصراع، تتيح لـ”إسرائيل” تحقيق جملة من المكاسب دون الاضطرار إلى دفع كلفة المواجهة الشاملة.
وبحسب قراءته، فإن “إسرائيل”، التي لم تنجح في حسم المعركة أو فرض شروطها بالكامل، تجد في التهدئة فرصة لالتقاط الأنفاس وتخفيف الضغوط العسكرية والسياسية، مع الحفاظ على أهدافها الاستراتيجية دون التخلي عنها.
ويضيف المصري أن من أبرز مكاسب “إسرائيل” في هذه المرحلة قدرتها على تحقيق إنجازات جزئية دون الانزلاق إلى مخاطر كبرى، حيث يسمح نمط “الحرب منخفضة الوتيرة” أو التهدئة المؤقتة بتحقيق بعض الأهداف، مثل إضعاف الخصم واستنزاف قدراته، دون التورط في حرب إقليمية واسعة قد تكون نتائجها غير مضمونة.
كما يمنح هذا النمط “تل أبيب” مساحة للمناورة السياسية، سواء على مستوى التنسيق مع الولايات المتحدة أو في إدارة الضغوط الدولية، بما يضمن استمرار تفوقها النسبي في إدارة الصراع.
وفي سياق متصل، يؤكد المصري أن أي هدنة لا تعني توقف الحرب، بقدر ما تعني انتقالها إلى أشكال أخرى أقل صخبًا وأكثر استدامة، مثل الحصار، والضغط السياسي، وإعادة التموضع العسكري. ويرى أن هذا التحول يشكّل بحد ذاته مكسبًا لإسرائيل، إذ يتيح لها مواصلة العمل لتحقيق أهدافها بعيدة المدى، وعلى رأسها إضعاف الخصم تمهيدًا لمحاولات لاحقة لإخضاعه أو تغيير سلوكه.
وبذلك، تتحول التهدئة من مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار إلى مرحلة وظيفية ضمن استراتيجية أوسع، قوامها إدارة الصراع بدل حسمه، واستثمار الوقت لإعادة إنتاج القوة واستكمال المشروعين السياسي والعسكري.
من جانبه، يرى المحلل السياسي سليمان بشارات أنه من المبكر الجزم بطبيعة التهدئة الجارية، وما إذا كانت تمثل “استراحة محارب” أم تعبيرًا عن حالة عجز، إلا أن المؤشرات، برأيه، تدل على وجود دافع إسرائيلي قوي للاستمرار في مسار التصعيد.
ويوضح أن الحرب، وفق المنظور الإسرائيلي، لم تحقق الأهداف التي انطلقت من أجلها، وهو ما يدفع “تل أبيب” إلى إبقاء خيار المواجهة مفتوحًا. ويشير في هذا السياق إلى أن التصعيد الذي شهدته الساحة اللبنانية مؤخرًا لم يكن معزولًا، بل حمل في طياته أهدافًا تتجاوز البعد الميداني، من بينها محاولة تعطيل أي مسار تفاوضي محتمل في المرحلة المقبلة.
ويضيف بشارات أن فهم السلوك الإسرائيلي لا ينفصل عن البعد الأيديولوجي والمشروع التوسعي الذي تتبناه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لافتًا إلى أن الطروحات المرتبطة بـ”إسرائيل الكبرى” و”الشرق الأوسط الجديد” تقتضي، من وجهة النظر الإسرائيلية، تقليص نفوذ ما يُعرف بمحور المقاومة، وفي مقدمته إيران.
ويرى أن “إسرائيل” تسعى، بشكل أو بآخر، إلى تفكيك هذا المحور، باعتباره العائق الأبرز أمام تحقيق طموحاتها الإقليمية، وهو ما يفسر إصرارها على مواصلة الضغوط والتصعيد، حتى في ظل الحديث عن تهدئة أو ترتيبات سياسية.
في المقابل، يؤكد بشارات أن هذا التوجه الإسرائيلي يصطدم بجملة من القيود الواقعية، في مقدمتها حجم الخسائر التي تكبدتها “إسرائيل” خلال المواجهة، إضافة إلى تعقيدات الموقف الأمريكي. فواشنطن، بحسب تقديره، لا تبدو قادرة على الذهاب بعيدًا في أي تصعيد واسع دون ضمانات حقيقية لحماية مصالحها في المنطقة، وهو ما يفرض قيودًا واضحة على هامش الحركة الإسرائيلي.
ويخلص إلى أن “إسرائيل” لم تعد قادرة على اتخاذ قراراتها بشكل منفرد، بل بات سلوكها محكومًا بجملة من المحددات السياسية والعسكرية الدولية، الأمر الذي سيؤثر بشكل مباشر في طبيعة خياراتها خلال المرحلة المقبلة.
وفي المحصلة، تبدو التهدئة الراهنة أبعد ما تكون عن كونها نهاية للصراع، بقدر ما تعكس مرحلة انتقالية تُعاد فيها صياغة موازين القوة وترتيب الأولويات. فبين سعي الاحتلال إلى تحقيق مكاسب دون كلفة الحرب الشاملة، والقيود الإقليمية والدولية التي تكبح اندفاعه، تبقى المنطقة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين تثبيت تهدئة هشّة أو الانزلاق مجددًا نحو التصعيد.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن،الأربعاء، عن موافقته على تعليق الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران لمدة أسبوعينتلقى مقترحا من عشر نقاط من طهران اعتبره أساساً عملياً للتفاوض، بشرط موافقتها على فتح مضيق هرمز بشكل آمن وعاجل
وقال ترامب في منشور على حسابه في “تروث سوشال” الذي يملكه: “بناء على المحادثات التي أجريتها مع رئيس الوزراء شهباز شريف والماريشال عاصم منير، من باكستان، والتي طلبوا مني فيها عدم استخدام القوة التدميرية الليلة في إيران، وبشرط موافقة إيران على الفتح الكامل والفوري والآمن لمضيق هرمز، أوافق على تعليق القصف والهجوم على إيران لمدة أسبوعين”.
وأضاف: “سيكون هذا وقفا لإطلاق نار من الجانبين، كما تلقينا اقتراحا من 10 نقاط من إيران ونعتقد أنه أساس للتفاوض قابل للتطبيق”، مشيراً إلى أنه “تم الاتفاق بشأن جميع نقاط الخلاف السابقة تقريبا بين أميركا وإيران”.
هذا المحتوى الهدنة بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي.. استراحة محارب أم اعتراف بالعجز؟ ظهر أولاً في سواليف.





