الحضارة الغربية قالت: «الآخرون هم الجحيم»، فدمّرت إرادة الإنسان وحريته!

يوسف قابلان - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
منذ ثلاثة قرون والغربيون يحكمون العالم، يمتصّون دمه…
إنها حضارة بلا روح، قامت على الدم، والدموع، والاغتصاب.
وما جرى في غزة من قتل أكثر من سبعين ألف بريء وهم أحياء، هو دليل مرعب على ذلك.
وكذلك اختطاف خمسمئة ألف طفل ونقلهم إلى جزيرة إبستين في أمريكا، واغتصابهم، وقتلهم، وشرب دمائهم، ثم أكل لحومهم كآكلي لحوم البشر، هو مؤشر مرعب على نوع الحضارة الهمجية التي نواجهها.
إنها وحشية لا يمكن لنا، نحن المسلمين، أن نتخيّلها أصلًا!
وكأنّ كل هذا لا يكفي، يأتي الغربيون ليصفوا أنفسهم بالمتحضرين، ويصفوا تقريبًا كل من عداهم بالبرابرة. هذا ما يدفع الإنسان إلى الجنون!
لقد فهم العالم كله ذلك، لكن غربيّينا البؤساء، أصحاب الحفظ الأجوف والتقليد السطحي، العاجزون عن فهم الغرب والإسلام بعمق، لم يفهموا ذلك، ولم يصلوا بعد ـ للأسف ـ إلى مستوى الذكاء والأخلاق الذي يمكّنهم من فهمه. وبما أنهم يعبدون الغرب، فقد تعطّلت لديهم ملكات السمع والتفكير والنقد. ولذلك لا يزالون حتى اليوم لا يسمحون بتوجيه أي لوم إلى الغرب الذي يلعنه العالم بأسره!
الحضارة الغربية قالت: «الآخرون هم الجحيم»
لقد سعى الغربيون إلى الهيمنة على الزمن، والسيطرة عليه واستعماره، وذلك عبر تدمير إرادة التاريخ، وإنكار إرادة الآخرين والكائنات الأخرى، وتمكين الإنسان من توجيه التاريخ والوصول إلى موقع يحدد فيه مصير الطبيعة وجميع الكائنات الحية.
وكانت النتيجة أن تجاوز الإنسان الغربي حدوده، ولم يمنح الآخرين أبدًا حق الحياة، فتحوّل العالم إلى ساحة تحكمها قوانين الغاب، إلى الحد الذي أصبحت فيه القوانين الداروينية تحكم كل شيء؛ وانتشر الفهم المنحرف القائل إنّ القوي هو المحق، وإنّ القوي وحده يستحق الحياة والوجود، ليهيمن على العلاقات بين الأفراد والمجتمعات والأمم في العالم كله، ويحوّل العالم إلى مكان لا يُطاق، إلى جحيم حقيقي بكل معنى الكلمة.
وكان من الحتمي أن يتحول المستقبل الذي ستقود إليه الحداثة، والطريق المسدود الذي ستوصل الإنسان إليه ـ على النحو الذي حاولت تلخيصه نظريًا هنا ـ إلى ساحة تحكمها قوانين الغاب.
لقد نظر جميع المؤسسين للحداثة إلى «المعرفة» بوصفها قوة، وجعلوا الإنسان عبدًا لتطرّفات العقل. وتجاهلت الشخصيات المؤسسة للحداثة ملاحظة ديفيد هيوم الجوهرية وتحذيره حين قال: «العقل عبدٌ للشهوات»؛ لأنّ ذلك لم يكن ليتوافق مع مصالحهم، إذ كان من الممكن أن يقوّض «اللعبة» التي خططوا لها.
وما هي تلك اللعبة المخطط لها؟ إنها الهوس المجنون بالهيمنة على العالم، والسيطرة على العالم وكل الكائنات واستعمارها!
وحين تبنّى الحداثيون الهيمنة على العالم وعلى كل شيء بوصفها الشعار الأساسي للوجود في هذه الدنيا، كان من الحتمي أن يؤدي ذلك، بصورة خفية، إلى سيطرة مبدأ دارويني يقوم على «القوي يأكل الضعيف» ـ أو ما يُختصر بعبارة «بقاء الأصلح» ـ على كل شيء وكل أنماط العلاقات، وإلى رفع مبدأ الصراع مع كل شيء إلى مرتبة المبدأ الوحيد الذي يدفع الحياة.
لقد خاضت الحضارة الغربية ـ وما تزال ـ صراعها من أجل تأسيس وجودها وحمايته على أساس المبدأ القائل: «إذا كنتُ أنا موجودًا، وإذا كنتُ أنا المهيمن، فإنّ لهذا العالم ولهذه الحياة معنى. الآخرون هم الجحيم…»
مشكلة الحضارة الغربية: تدمير إرادة الإنسان وحريته
إنّ مشكلة الإنسانية هي الحضارة الغربية. إنها مشكلة لا شفاء منها. بل إنها مشكلة خطيرة ومربكة.
وهي خطيرة لأنها، من جهة، تُخفي نفسها بوصفها مشكلة، ومن جهة أخرى، تُقدّم نفسها على أنها العالم الوحيد، والحقيقة الوحيدة، والخيار الوحيد. وكأنّ تسببها في هاتين الكارثتين الوجوديتين، وإنتاجها لهذه الكارثة التدميرية والمُفنية والمشلّة للعقل، لا يكفي، فقد نجحت أيضًا ـ وما تزال تنجح ـ في جعل البشرية تقع في حب جلادها.
وما معنى هذا؟ إنه تدمير إنسانية الإنسان. أي تبخّر كل الملكات التي تمكّن الإنسان من أن يعرف أنه إنسان، وأن يتذكر ذلك، وأن يحققه في حياته.
إنه فقدان الإنسان لإرادته، وبالتالي ـ بصورة حتمية ـ فقدانه لحريته.
وعندما يُسأل: «ما مصدر قوة الحضارة الغربية؟»، فإنّ أوضح وأدق وأصح جواب يمكن تقديمه هو هذا: إنّ قوة الحضارة الغربية تكمن في قدرتها على إقناع البشرية كلها بأنها المصدر الوحيد الذي يمنح الإنسان الإرادة والحرية، في الوقت الذي تكون فيه قد دمّرت إرادته وحريته أصلًا.
ولم يعد الإنسان يعيش الزمن والحياة بإحساس حقيقي؛ بل أصبح يعيش وهمَ أنه يعيش.
وهذه العملية التي بدأت بسيطرة الإنسان على الزمن، والتاريخ، والمعرفة، ثم في النهاية على الطبيعة والإنسان، رفعت الإنسان ـ للمرة الأولى في التاريخ ـ إلى مرتبة عبدٍ للأدوات وأسيرٍ لما أنتجه بنفسه.
إنّ تحويل الإنسان إلى عبد للأدوات، بل لعبد لأدوات مغوية تنتج السرعة واللذة والإغراء، مع جعل كل ذلك يُفهَم على أنه تحرر للإنسان، وحبس البشرية في عالم من المحاكاة الزائفة، وتعطيل ملكات الإحساس والتفكير لدى الإنسان، هو القاع الحقيقي للكارثة الوجودية التي دفعت الحضارة الغربية الإنسانية إليها.
لقد رأى غوته بوضوح شديد ما نعيشه اليوم منذ قرنين، حين قال: «أعظم العبيد هم أولئك الذين يظنون أنفسهم أحرارًا»… أليس كذلك؟





