نتحدث هنا عن شرخ لا يرمم في المجتمع الإسرائيلي نفسه. فأولئك الجنود لم يأتوا من عدم، بل جاؤوا من مدن وشوارع وبيوت وعائلات، وبعد انتهاء القتال يعودون إليها حاملين معهم تلك الفظائع التي ارتكبوها، والتي بعضهم لا يجد في خطابات نتنياهو وسموتريتش وبن غفير ما يردم تلك الهوة بين ما يقال عن "أخلاق" الجيش وما شاهدوه بأم العين واقترفوه باليد.
هذا الجرح، بصرف النظر عن حجم اتساعه، لن يعوض قطرة دم بريئة واحدة سفكت منذ 1948 إلى يومنا هذا، ولا يفترض أن يشعرنا بشيء من "الانتصار" على عدونا، بعد أن اعتدنا كثيرا على اعتبار ضرر الصورة الذي يلحق بإسرائيل في العالم نصرا لنا. ليس من نصر هنا. ما تحدثه هذه الوقائع، والاعترافات بجرائم حرب يخجل المرء حقا حتى من ذكرها، يحدث جرحا مقابلا، ليس فلسطينيا أو عربيا فحسب، بل عالميا. شيء يشبه فالق الزلزال الأخلاقي الذي يمتد في الطبقة السفلية من إنسانيتنا جمعاء. كل شخص في العالم معني بهذا الجرح، لأنه ليس فقط الجرح الذي تسبب به القتلة ومن علمهم القتل، بل الجرح الأوسع الذي يتسبب به الصمت. صمت الجنود الشاهدين على جرائم زملائهم، وصمت كل الشهود الآخرين الذين صاروا يعترفون بجرائم إسرائيل دون أن يعترفوا بما يعنيه هذا الاعتراف وبما يحدثه من ندوب أعمق من أن تشفى في إنسانيتنا.
تطرح هذه الوقائع سؤالا آخر يتعلق بحدود المسؤولية. الجندي، كما يقال، مأمور، وعليه أن ينفذ قبل أن يعترض. تنفيذ الأوامر بانصياع كامل يكاد يكون موازيا في عالمنا هذا لمعنى أن يكون المرء جنديا، في حين كان في أزمنة مضت يعني التضحية والشجاعة والفروسية وإلى ما ذلك من قيم. في الأدبيات والفنون التي تدور حول عوالم الإجرام، تصل غالبا إحدى الشخصيات إلى اللحظة التي يطلب منها أن تقتل، ليس دفاعا عن النفس، بل تأكيدا للانتماء إلى العصابة، نوعا من دمغة الدم التي تجعل الفرد جزءا من المجموعة لأنه صار يشبهها في أسوأ عناصر هويتها، أي القدرة على القتل. الجنود الإسرائيليون يتعلمون أن هذا جزء من هويتهم الوطنية، نوع من العمادة. أن تقتل أو تعذب أو تهين فلسطينيا يتجاوز العنصرية والكراهية وغريزة الانتقام والشعور بالتفوق إلى الرغبة الجامحة في الانتماء إلى القطيع.





