الجنوب السوري تحت إعادة تشكيل ميداني: توغلات متصاعدة وواقع جديد يتكرّس
تشهد مناطق الجنوب السوري ولا سيما محافظة القنيطرة وأجزاء واسعة من ريف درعا الغربي في حوض اليرموك تحولات ميدانية عميقة منذ نحو ستة أشهر في ظل تصاعد غير مسبوق في وتيرة التوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية هذه التحركات لم تعد مجرد عمليات عسكرية محدودة أو ردود فعل ظرفية بل باتت تعكس نمطاً مستمرظاً من فرض الوقائع على الأرض يترافق مع إجراءات أمنية واقتصادية تُثقل كاهل السكان المحليين ومع تزايد عمليات قطع الطرق والمداهمات الليلية ونصب الحواجز المؤقتة إلى جانب توسيع البنية العسكرية داخل المنطقة العازلة يجد الأهالي أنفسهم أمام واقع جديد يتجاوز كونه ظرفًا أمنيًا عابرًا ليقترب أكثر من نموذج سيطرة طويل الأمد يعيد تشكيل الجغرافيا والحياة اليومية في المنطقة
توغلات متكررة من عمليات محدودة إلى انتشار ميداني
خلال الأشهر الماضية وثّق سكان محليون عشرات التوغلات الإسرائيلية التي استهدفت قرى وبلدات في أرياف القنيطرة الثلاثة إضافة إلى مناطق حوض اليرموك في درعا وغالبًا ما تتم هذه العمليات عبر أرتال عسكرية تضم دبابات وآليات مدرعة وجرافات تدخل من نقاط محددة على طول الشريط الفاصل تبدأ العملية عادة بتوغل سريع يتبعه انتشار داخل القرية أو في محيطها يتخلله تفتيش للمنازل أو إقامة حواجز مؤقتة قبل الانسحاب بعد ساعات أو أحياناً بعد يوم كامل إلا أن اللافت في هذه التحركات هو تغير نمطها إذ لم تعد مرتبطة بحدث أمني معين بل أصبحت أقرب إلى انتشار ميداني متكرر يعكس محاولة تثبيت حضور دائم هذا التحول يعززه حضور مكثف للطائرات المسيّرة التي لا تغادر سماء المنطقة ما يمنح القوات الإسرائيلية قدرة مراقبة مستمرة ويزيد من شعور السكان بأنهم تحت رقابة دائمة.
الضفة الغربية الجديدة تقطيع الجغرافيا وعزل القرى
“كأننا عايشين في الضفة الغربية”.. بهذه الكلمات يصف أيمن الطحان، من قرية الأصبح في ريف القنيطرة، واقع قطع الطرق في المحافظة بأنه بات أشبه بـ”الضفة الغربية الجديدة” مشيراً إلى تحولات كبيرة في حياة السكان اليومية نتيجة الإجراءات الإسرائيلية.
ويقول الطحان في حديثه لـ”963+”: “الاحتلال اليوم يقطع أوصال المحافظة وكحال الضفة الغربية لا نستطيع التحرك بشكل طبيعي بين القرى ولا نعرف من أين قد تظهر دورياته بشكل مفاجئ. لا نستغرب إذا بدأوا ببناء مستوطنات”.
ويضيف: “كان الطريق بين قرية الأصبح وكودنة يستغرق دقائق فقط أما اليوم فنحتاج إلى ساعة أو أكثر للوصول ولا يقتصر الأمر على الطرق الرئيسية بل حتى الطرق الفرعية داخل القرى تم إغلاق بعضها”.
ويرى الطحان أن هذه الإجراءات تهدف إلى دفع السكان نحو مغادرة المنطقة تمهيداً لفرض واقع جديد، مؤكداً في الوقت ذاته تمسكه بالبقاء في قريته رغم صعوبة الظروف.
التعليم تحت الضغط رحلة يومية محفوفة بالمخاطر
من جانبها، تصف رغد وهي معلمة من قرية الحميدية الوضع المعيشي بأنه أصبح أكثر تعقيداً في ظل القيود المفروضة على الحركة.
وتقول في حديثها لـ”963+”: “كأننا نعيش في الضفة الغربية حواجز غير معلنة طرق مغلقة التفافات طويلة ودوريات إسرائيلية تتحرك بين القرى”.
وتشير إلى أن الوصول إلى المدرسة بات تحدياً يومياً خاصة في ساعات الصباح مع استمرار إغلاق الطرق الفرعية أو تنفيذ توغلات مفاجئة.
وتضيف: “رحلة المعلمين والطلاب أصبحت أشبه بكابوس يومي لا نعرف أي طريق نسلك إما أن نتأخر بسبب الطرق الطويلة أو لا نتمكن من الوصول أصلاً”.
غلاء الأسعار.. نتيجة مباشرة للعزل
لم تقتصر تداعيات إغلاق الطرق على صعوبة التنقل بل امتدت لتشمل الوضع الاقتصادي حيث أدى تعقيد حركة النقل بين القرى إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار المواد الغذائية.
ويقول أبو إبراهيم، صاحب أحد المحال التجارية في الحميدية، في حديثه لـ”963+”: “تكلفة نقل البضائع ارتفعت بشكل كبير، والسائقون باتوا يرفضون الدخول إلى بعض المناطق بسبب طول الطريق وخطورته، وهذا ينعكس علينا وعلى الزبائن”.
ويؤكد أن بعض السلع لم تعد تصل بشكل منتظم، ما يزيد من حالة القلق لدى السكان خاصة في ظل غياب بدائل حقيقية، واستمرار القيود المفروضة على الحركة والتنقل.
مداهمات واعتقالات.. بين التحقيق والترهيب
تشكل عمليات المداهمة الليلية أحد أبرز ملامح التصعيد حيث تقوم القوات الإسرائيلية باقتحام منازل المدنيين واعتقال شبان لفترات متفاوتة.
وفي هذا السياق يقول مالك الأحمد من قرية البصالي في ريف القنيطرة الجنوبي في حديث لـ”963+”: “يأخذون الشباب ليوم أو يومين ثم يفرجون عنه الهدف واضح: ترهيب الناس وإيصال رسالة أنهم يراقبون كل شيء، التهم دائماً نفسها: التعامل مع إيران أو حزب الله”.
ويضيف: “إذا كانوا يعتقدون أن الجميع يتعامل مع هذه الجهات، فلماذا يفرجون عن معظم المعتقلين؟ ولماذا هناك أشخاص معتقلون منذ سنة أو أكثر؟”
ويشير إلى تجربته الشخصية: “اعتقلوني مع أخي عامر لمدة 48 ساعة بعد مداهمة منزلنا ليلاً اتهمونا بالتخطيط لعمليات ضد الجيش الإسرائيلي وهذا غير صحيح، كانوا يعتمدون على منشورات على الإنترنت دون أي دليل حقيقي”.
معتقلون منذ أكثر من عام
رغم الإفراج عن عدد من المعتقلين خلال فترات قصيرة إلا أن هناك حالات احتجاز طويلة ما تزال مستمرة دون وضوح في مصير أصحابها.
ومن بين هؤلاء محمد كريان من ريف القنيطرة الأوسط وعلي العاصي من ريف درعا الغربي حيث تشير المعلومات إلى استمرار احتجازهما منذ نحو عام أو أكثر.
ويؤكد الأهالي أن بعض المعتقلين لهم صلة بجهات خارجية في حين أن آخرين لا علاقة لهم بأي نشاط ما يزيد من حالة الغموض والقلق.
صوفا 53 مشروع تحصيني يعيد رسم الحدود
بالتوازي مع العمليات الميدانية تعمل القوات الإسرائيلية على تنفيذ مشروع تحصيني يُعرف باسم “صوفا 53” يمتد عبر عدة مناطق في القنيطرة يتضمن المشروع إنشاء طريق عسكري محاط بسواتر ترابية وخنادق إضافة إلى نقاط مراقبة ويتوغل داخل الأراضي السورية بعمق يصل في بعض المناطق إلى نحو كيلومترين هذا المشروع لا يُنظر إليه كإجراء دفاعي مؤقت بل كخطوة تهدف إلى تثبيت واقع جغرافي جديد يعيد رسم حدود السيطرة الفعلية على الأرض
وخلال الفترة الأخيرة رُصدت عمليات نقل غرف مسبقة الصنع إلى مواقع استراتيجية مثل تل الأحمر الشرقي وسط مؤشرات على نية إنشاء نقاط عسكرية دائمة هذا التوجه يعزز من فرضية الانتقال من سياسة التوغلات المؤقتة إلى تثبيت وجود عسكري مستقر ما قد يكرّس واقعًا طويل الأمد يصعب تغييره.
وإلى جانب التوغلات البرية تتعرض مناطق في درعا والقنيطرة لقصف متكرر ما يزيد من حالة عدم الاستقرار ويؤدي إلى مزيد من النزوح والخسائر المادية هذا القصف الذي يأتي في سياق التصعيد المستمر يعكس تعدد أدوات الضغط المستخدمة بين العمليات البرية والجوية بهدف فرض معادلة جديدة في المنطقة.
الزراعة والرعي خسائر مباشرة في مصادر الرزق
تُعد الزراعة وتربية المواشي من أهم مصادر الدخل في الجنوب السوري إلا أن هذه القطاعات تعرضت لضربات قاسية نتيجة التطورات الأخيرة فقد حُرم المزارعون من الوصول إلى أراضيهم القريبة من مناطق التماس كما مُنع الرعاة من استخدام المراعي التقليدية ما أدى إلى خسائر كبيرة وانخفاض في الإنتاج الزراعي والحيواني هذا التراجع يفاقم الأزمة الاقتصادية ويزيد من اعتماد السكان على مصادر خارجية لتأمين احتياجاتهم
وتكشف مجمل هذه التطورات عن تحول واضح في الاستراتيجية الإسرائيلية في الجنوب السوري من عمليات محدودة إلى سياسة شاملة تقوم على التوسع التدريجي وفرض قيود على الحركة وتعزيز السيطرة عبر البنية التحتية العسكرية وبين طرق مقطوعة وأراضٍ مغلقة وسماء تراقبها الطائرات المسيّرة يجد السكان أنفسهم أمام واقع يتقلص فيه هامش الحياة اليومية وتزداد فيه المخاوف من مستقبل أكثر تعقيدًا ومع غياب مؤشرات على تراجع هذه الإجراءات يبدو أن الجنوب السوري يتجه نحو مرحلة جديدة قد تتسم بترسيخ واقع ميداني طويل الأمد يعيد تشكيل المنطقة على المستويين الجغرافي والإنساني.
The post الجنوب السوري تحت إعادة تشكيل ميداني: توغلات متصاعدة وواقع جديد يتكرّس appeared first on 963+.





