الغارات الغامضة تضرب المتن الشمالي… رسائل بلا عنوان وخطر انفلات السرديات
لم تعد الغارة حدثا عسكريا فحسب، بل تحوّلت في الأيام الأخيرة إلى لغز مفتوح على كل الاحتمالات. للمرة الثانية خلال أسبوع، يُستهدف المتن الشمالي، بعيدا من خرائط الاشتباك التقليدية، ومن دون أي تفسير واضح أو رواية رسمية مكتملة، ما يضع المنطقة أمام واقع جديد عنوانه القلق وانعدام اليقين.
قبل أيام، دوّت غارة في رأس الدكوانة، في بقعة مفتوحة تُستخدم موقفا للسيارات، وعُرفت حينها بـ"غارة المنصورية". يومها، اقتصرت الأضرار على الماديات، ولم يُسجَّل سقوط ضحايا أو استهداف مباشر لشخص أو موقع محدد. إلا أن الغارة مرّت كإشارة ملتبسة: لا هدف واضحا، ولا تفسيرا، ولا حتى تبنٍّ سياسي أو عسكري يبدّد الغموض. تُركت الحادثة في مهبّ التحليلات، من دون أن ينجح أحد في فكّ شيفرتها.
لكن ما جرى أمس في تلال عين سعادة – رومية رفع مستوى القلق إلى حدوده القصوى. فالغارة التي استهدفت شقة في “المشروع الماروني” أدّت إلى سقوط ثلاثة قتلى، بينهم مسؤول في حزب “القوات اللبنانية” وزوجته، ما أدخل المنطقة في صدمة مزدوجة: صدمة الاستهداف بحدّ ذاته، وصدمة هوية الضحايا التي لا تنتمي إلى نمط الأهداف التي اعتادها اللبنانيون منذ اندلاع المواجهات الأخيرة.
الأخطر في المعطيات، ما أكدته بلدية عين سعادة من أن الشقة المستهدفة كانت خالية وغير مؤجَّرة رسميًا، ولا سجلات تشير إلى إشغالها. هذه المعلومة تفتح الباب أمام أسئلة أكثر تعقيدا: هل كان هناك خطأ في تحديد الهدف؟ أم أن الشقة استُخدمت بشكل غير معلن؟ أم أن الرسالة تتجاوز المكان والأشخاص إلى ما هو أبعد، في إطار ضغط نفسي وأمني على بيئات تُعتبر خارج دائرة النار؟
البيان الوحيد الذي صدر جاء على لسان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، مؤكّدا تنفيذ الغارة ومقتل أشخاص “لا علاقة لهم بحزب الله”، من دون تقديم أي توضيح إضافي. هذا الإقرار، بدل أن يبدّد الغموض، زاده تعقيدا: إذا لم يكن الهدف حزب الله، فما هو الهدف؟ ولماذا هذا الموقع تحديدا؟

في موازاة ذلك، دخل نواب المتن على خط الأزمة، لكن مقارباتهم عكست بدورها حجم الضياع. فقد استند النائب إلياس حنكش إلى معطيات البلدية حول خلو الشقة، مع الإشارة إلى احتمال وجود إيجارات غير قانونية، داعيًا إلى تعزيز الإجراءات الأمنية ونشر الحواجز لطمأنة الأهالي. أما النائب رازي الحاج، فذهب أبعد، مطالبًا بإعلان حالة طوارئ في المتن الشمالي وضبط ملف الإيجارات، وصولًا إلى الدعوة لحصر وجود النازحين في مراكز إيواء رسمية، في موقف يعكس حجم التوتر الاجتماعي الذي بدأت تفرزه هذه الضربات الغامضة.

غير أن اللافت أن كل هذه المواقف، على أهميتها، بقيت في إطار السياسة والتحليل، في ظل غياب تام لأي رواية رسمية صادرة عن الأجهزة الأمنية أو العسكرية اللبنانية تشرح ما جرى. هذا الفراغ هو الخطر الأكبر، لأنه يفتح الباب أمام تضخّم الشائعات وتحولها إلى “حقائق” في وعي الناس، ما يهدد بتفجير احتقانات كامنة.

عمليا، ما نشهده يتجاوز حادثتين معزولتين. ثمة نمط جديد يتشكّل: ضربات دقيقة في مناطق “آمنة”، بلا تفسير وبلا تبنٍّ واضح للأهداف. وهذا النمط، سواء كان نتيجة خطأ استخباراتي، أو تغيير في قواعد الاشتباك، أو رسائل ضغط متعددة الاتجاهات، يضع لبنان أمام مرحلة أكثر هشاشة، حيث لا تعود الجغرافيا ضمانة، ولا الانتماء السياسي معيار حماية.
في المحصّلة، لم يعد كشف حقيقة ما جرى ترفا سياسيا أو إعلاميا، بل ضرورة ملحّة لمنع الانزلاق نحو ما هو أخطر. فالغموض، حين يقترن بالخوف، يولّد احتقانًا، والاحتقان في بلد مثقل بالأزمات قد يتحوّل سريعا إلى شرارة لا تُحمد عقباها. ما يحتاجه اللبنانيون اليوم ليس المزيد من التحليلات، بل حقيقة واضحة تضع حدا للفوضى السردية قبل أن تتحول إلى فوضى على الأرض.





