الغابات في مواجهة الإسمنت: أهالي الموصل يرفضون مشروع البوليفارد السياحي
الموصل / سيف الدين العبيدي
أشعل قرار منح استثمار لإنشاء مشروع بوليفارد سياحي بمحاذاة غابات الموصل الجنوبية موجةً واسعة من الرفض الشعبي والنخبوي في المدينة، في حين أكدت الجهات الرسمية أن المشروع يقع خارج حدود الغابات وسيوفر عشرة آلاف فرصة عمل، بينما يرى الناشطون البيئيون والحقوقيون أنه يمثل تجاوزاً صريحاً على الإرث البيئي لنينوى.
يُقام المشروع بمحاذاة الجسر الخامس في الجانب الأيسر من الموصل، وبجوار الغابة الجنوبية التي تبلغ مساحتها نحو 50 دونماً، وعلى مقربة من نهر دجلة. ويضم فندقاً و 14 عمارة سكنية مع 100 دار بمساحة 100 متر مربع و62 دار اخر بمساحة 250 متر مربع وحدائق على مساحة إجمالية تبلغ 136 دونماً وقد منحت هيئة الاستثمار وبلدية الموصل وهيئة التخطيط موافقاتها عليه، معتبرةً أن هذه المساحة تقع خارج نطاق الغابات
غير أن مجلس محافظة نينوى كان قد أعلن في وقت سابق أن الغابات محمية طبيعية يُمنع المساس بها، قبل أن يوافق لاحقاً على قرار منح الاستثمار وفق ما وصفته الجهات الرسمية بـ"الإجراءات الأصولية".
وأكد المختصون أن عائدية الأرض كانت لدائرة البستنة منذ عام 1946، قبل أن تُحوَّل الملكية إلى البلدية في نهاية الثمانينيات. وما إن شرعت الشركة المنفذة في العمل على الأرض حتى اندلعت موجة واسعة من الاحتجاج الإلكتروني من أبناء نينوى، ودفعت النخب إلى التحشيد ضد القرار.
وفي مؤتمر صحفي عقده، أكد رئيس مجلس محافظة نينوى أن المشروع يمثل فرصة اقتصادية للمدينة وسيُسهم في تشغيل عشرة آلاف من الأيدي العاملة، مشدداً على أنه لا يمس الغابات بأي ضرر لوقوعه خارج حدودها، وهو الموقف ذاته الذي أيّده مدير استثمار نينوى ومدير بلدية الموصل. أما رئيس الشركة المنفذة عمر منيف، فأفاد بأن كلفة المشروع تبلغ 380 مليار دينار وسيُنفَّذ خلال أربع سنوات، مؤكداً أن 85% من مساحته ستكون خضراء. في المقابل، يُظهر التصميم الافتراضي للمشروع أن أكثر من 50% منه عبارة عن بناء خرساني.
ودعت نخب من الموصل إلى إلغاء الاستثمار في هذا الموقع باعتباره جزءاً لا يتجزأ من غابات المدينة، وإلى زراعته بالأشجار بدلاً من تحويله إلى مجمع سكني. وحذّرت من أن البناء في هذه الأرض سيفتح الباب أمام استقطاع باقي أجزاء الغابات تدريجياً، مما يعني أن الموصل ستفقد رئتها التي تُنتج أكبر كمية من الأوكسجين في نينوى.
وطالب أبناء المدينة بإبعاد الاستثمار عن أراضي الغابات وتوجيهه نحو مناطق بعيدة عن رئة الموصل، داعين إلى إعادة بناء فندقي الموصل وأوبروي بدلاً من إقامة فندق جديد على مساحة خضراء. وأشاروا إلى أن أعمال إزالة أنقاض فندق الموصل بدأت قبل عامين ثم توقفت لأسباب مجهولة، فيما لا يزال فندق أوبروي يعاني من مشاكل قانونية بين وزارة السياحة والمستثمر. وأوضح الناشط البيئي أنس الطائي للمدى أن المشروع يمثل "تجاوزاً كبيراً على الغابات"، مشيراً إلى أن عائدية الأرض باتت لهيئة الاستثمار التي حصلت على موافقات من بغداد، مما أضعف الموقف القانوني للمعترضين وأعطى مساحة قانونية واسعة للشركة المستثمرة. وأبدى الطائي، بوصفه ممثلاً لمؤسسة مثابرون للبيئة، قلقه من أن تشييد أي بناء خرساني دون مراعاة طبيعة المنطقة سيكون "خطوة أولى لاستقطاع باقي أجزاء الغابات".
وأشار إلى أن الأرض بقيت مهملة وغير مزروعة منذ عقود، وأن بعض أشجارها نفقت جراء انقطاع الري، مرجّحاً أن ذلك كان تمهيداً مقصوداً للبناء عليها.
وكشف الطائي أن مؤسسته تعمل على إدراج ما تبقى من غابات الموصل ضمن التراث الطبيعي للسكان الأصليين، بالتعاون مع كرسي اليونسكو في الجامعة التقنية الشمالية، وأنهم يسعون إلى التحشيد المجتمعي وجمع توقيعات أكبر عدد من أهالي نينوى لتعزيز موقفهم القانوني في مواجهة التجاوز. ولفت إلى وجود أراضٍ فارغة تبلغ مساحتها 37 ألف كيلومتر مربع في محافظة نينوى كان يمكن توجيه الاستثمار إليها عوضاً عن الغابات. وأضاف أنه تقدّم منذ سنتين بطلب للحصول على قطعة أرض لتحويلها إلى مشتل نباتي ومركز بيئي تطوعي خيري، وحصل على موافقة مدير البلدية والمحافظ، إلا أن الإجراءات لا تزال متوقفة في إحدى الدوائر الحكومية، في حين يسير مشروع البوليفارد بيسر ودعم حكومي.
ومن الناحية القانونية، أوضح الحقوقي أحمد خالد أن تحويل المساحات الخضراء إلى مناطق سكنية في العراق مخالف للقانون أصلاً؛ إذ تحظر المادتان 10 و13 من قانون التخطيط العمراني العراقي تغيير استخدام الأرض إلا بتعديل رسمي للمخطط الأساسي، فيما تنص المادتان 31 و33 من قانون إدارة البلديات العراقي على حماية الحدائق ومنع التجاوز عليها. كما يُشدد قانون حماية وتحسين البيئة العراقي في مادتيه 2 و15 على صون الغطاء الأخضر واشتراط إجراء التقييم البيئي، معتبراً أن أي تحويل يجري دون هذه الإجراءات يُعد تجاوزاً قانونياً قابلاً للطعن.
ورأى عدد من أبناء الموصل أن محافظ نينوى يتحمل المسؤولية الكاملة وأن عليه إيقاف رخصة الاستثمار وإلغاءها، محبّذين توجيه مثل هذه المشاريع نحو المناطق المدمرة لرفع أنقاضها، ومنبّهين إلى أن المشروع يستلزم مساحات واسعة لمواقف المركبات مما سيُفضي إلى اكتظاظ المنطقة.
وفي السياق ذاته، دعا الدكتور صالح رمضان إلى الحفاظ على غابات الموصل باعتبارها الرئة الرئيسة للمدينة، مشيراً إلى أن تزايد الكثافة السكانية يجعل توسيع المساحات الخضراء ضرورة لا خياراً. واقترح منطقة الشلالات، التي تعاني من إهمال طويل، بديلاً سياحياً محتملاً، مؤكداً أنه لا ينبغي التجاوز على الغابات تحت أي مبرر أو ذريعة، ومشيراً إلى أن المناطق السياحية واجهة مهمة للمدن الحديثة وملك لجميع أهالي الموصل، ولا يجوز التصرف فيها لأغراض شخصية على حساب الصالح العام.
أما الأثري الدكتور عمر جسام فرأى أن الغابات تحولت عبر الزمن إلى إرث طبيعي بيئي يحمل قيمة استثنائية وفق معايير منظمة اليونسكو، وباتت من أبرز رموز الموصل ومقاصدها السياحية محلياً ودولياً. ونبّه إلى أن محاولات تجريف أجزاء من هذا النطاق الأخضر وتحويلها إلى مشاريع خرسانية تمثل "انتهاكاً صارخاً للمعايير الدولية في إدارة المواقع الثقافية ذات القيمة الاستثنائية"، مؤكداً أن الاستثمار الحقيقي يجب أن يقوم على مبدأ الاستدامة وصون الهوية المكانية لا على محوها.
واعترض جسام بشدة على أي تغيير في طبيعة هذه الأرض أو اقتطاع أجزاء منها لصالح الكتل الإسمنتية، معتبراً أن خسارة شجرة واحدة معمرة في هذا الموقع تعني "فقدان حلقة من سلسلة التوازن البيئي والتاريخي للموصل". ودعا إلى إعلان منطقة الغابات محمية طبيعية وطنية، ثم العمل الفوري على إعداد ملف ترشيح متكامل لإدراجها في لائحة التراث العالمي بوصفها إرثاً طبيعياً بيئياً وفق اتفاقية اليونسكو لعام 1972، مما يكفل لها حماية دولية ويحولها إلى مركز للجذب السياحي البيئي الذي يحترم الطبيعة ويستثمر في جماليتها دون المساس بسلامتها.
The post الغابات في مواجهة الإسمنت: أهالي الموصل يرفضون مشروع البوليفارد السياحي appeared first on جريدة المدى.





