الفنانة هناء محمد: لم أعش طفولتي والحجاب حدَّ من أدواري
بغداد-واع
حوار: أحمد سميسم
تصوير: علي الغرباوي
ليست الأرقام وحدها ما يصنع سيرة فنية تُروى، بل ما يتكئ خلفها من عمرٍ مكرّسٍ للشغف والإبداع. في تجربة الفنانة العراقية القديرة هناء محمد، تتحول الأرقام إلى شواهد حيّة على رحلة استثنائية امتدت عبر عقود، حيث تجاوز حضورها حدود التمثيل إلى فضاءات أوسع فبـ 82 عملاً مسرحياً، وأكثر من 150 عملاً تلفزيونياً، إلى جانب مشاركاتها الثرية في الإذاعة والسينما، رسّخت هناء محمد مكانتها كواحدة من أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل الذاكرة الفنية العراقية.
لم تكن مسيرتها مجرد تنقّل بين أدوار، بل كانت مشروعاً فنياً متكاملاً، انطلقت فيه من وعي عميق برسالة الفن، فاختارت أدوارها بعناية، ومنحت كل شخصية بعداً إنسانياً يلامس وجدان الجمهور، وعلى امتداد هذه الرحلة، لم تكتفِ بالوقوف أمام الكاميرا أو على خشبة المسرح، بل خاضت غمار الإنتاج، وأسست "إذاعة صوت الجماهير"، في خطوة تعكس إدراكها المبكر لأهمية الإعلام كقوة ناعمة قادرة على صناعة الوعي.
إن الحديث عن هناء محمد، لا ينفصل عن تاريخ الفن العراقي ذاته، فهي واحدة من أولئك الذين لم يمرّوا مروراً عابراً، بل تركوا أثراً واضحاً في كل محطة، فبين المسرح والتلفزيون والإذاعة والسينما ظلت حاضرة بصوتها وصورتها وبروحها التي لم تساوم على قيمة الفن، لتبقى تجربتها شاهداً على زمنٍ من العطاء الصادق والالتزام الفني العميق.
* بداية في أكثر من لقاء اشرت الى ان بداياتك لم تكن سهلة ما اللحظة التي شعرت فيها فعلا أنك أصبحت "هناء محمد الفنانة"؟
- بالتأكيد لم يكن طريقي معبدا بالورود منذ دخولي مجال الفن، بل كانت هناك الكثير من العقبات ولم تكن اسرتي تنتمي لمجال الفن ودخلت الفن في عمر صغير وكنت اتخبط، فضلا عن اسرتي كانت من الرافضين دخولي الفن ليس خوفا مني بل عليّ، واستطعت ان اثبت نفسي وارفع رأس اسرتي الذين دعموني فيما بعد وامنوا بموهبتي، اما على صعيد الفن كان أول اختبار واجهته في المسرح عبر مسرحية (نشيد الأرض) عام 1972 مع الأستاذ الراحل محسن العزاوي وكانوا يبحثون عن فتاة تؤدي دور "كمرة" الريفية فوقع الاختيار علي، كنت حينها اقدم برامج الأطفال في إذاعة صوت الجماهير، وكنت في مرحلة المتوسطة من الدراسة، وجسدت مشهداً من واقع حياتي اليومي، ونجحت فيه، وعرضت المسرحية سنة كاملة في بغداد والمحافظات.
* اول عمل تلفزيوني شاركت به هل تتذكرين تلك اللحظة، وقوفك الأول أمام الكاميرا؟
- نعم أتذكر تلك اللحظة المليئة بالشغف والأمل عندما منحت اول بطولة تلفزيونية من خلال تمثيلية (الشهامة) من اخراج الراحل حسين التكريتي، واصابني الخوف عندما طلب مني في احدى المشاهد ان احضن (الخروف) بين يدي لذلك انهزمت لكنهم اعادوني الى الدور واديته بكل ثقة.
* انت أول طفلة عراقية دخلت الى تلفزيون العراق عام 1966 من خلال برنامج الاطفال، حدثيني عن هذا الموضوع؟
- هذا صحيح، انا اول طفلة دخلت التلفزيون، وكنا نسكن قريباً من الإذاعة والتلفزيون في منطقة الشواكة (الدربونة) المقابلة لوزارة الثقافة حاليا تسمى دربونة الدليمات نسبة الى عشيرة الدليم، ومدرستي كانت أيضا في المنطقة اسمها (الخمائل)، طلبت من والدي رحمه الله ان يصطحبني للإذاعة للمشاركة في البرنامج التلفزيوني (جنة الأطفال) من تقديم الراحل عمو زكي، وفعلا دخلت التلفزيون وشاركت في البرنامج، والقيت قصيدة، وقمت ببعض الفعاليات، واثرت اعجاب فريق البرنامج، وطلبوا مني ان آتي يوم الجمعة لغرض تصوير الحلقة، وذهبت وصورت الحلقة وكانت سعادتي لا توصف بهذا الحدث.
* يبدو أنك لم تعشي طفولتك كبقية الأطفال فقد تحملت المسؤولية مبكرا وعملت في مهن كثيرة منها الخياطة وفي السجاد حدثيني عن هذا؟
- لم أعش طفولتي كبقية الأطفال، حتى انني لم أتذكر قد شاهدت فلما كارتونيا على الرغم من انني قد دبلجت العديد من الأفلام الكارتونية في العراق وعدد من الدول العربية، ولدت كبيرة وفي عاتقي مسؤوليات كثيرة وعانيت من شظف العيش على الرغم من اسرتي التي تملك بساتين وارضاً، لكن بعد وفاة والدي كل شيء قد تبخر وبيعت كل املاكنا بقيمة بخسة، لذلك عملت في مهن كثيرة في الخياطة والسجاد لأعيل نفسي واسرتي.
* درست الاعلام في سوريا هل كان يستهويك العمل الإعلامي؟
- بالطبع أحب العمل الإعلامي ودرست الاعلام في سوريا عام 2006، وكنت قد مارست العمل الإعلامي عبر تقديم البرامج التلفزيونية في سنوات مضت، لكنني لم ادرس الاعلام أكاديميا لذا فضلت دراسة الاعلام متخصصة في الصحافة.
* نجوت بأعجوبة جراء حريق منزلك في عام 2005 ما جعلك تحطمين الزجاج للنجاة بنفسك؟
- حادثة صعبة في حياتي لم انس تلك اللحظات التي مررت بها من خوف وهلع، كنت ساكنة في منطقة الاعظمية، وكان اليوم الأول لي في البيت بعد تجهيزه، وكانت معي اختي متواجدة في البيت ايضا قادمة من سوريا، كنت قد أشعلت المدفئة النفطية التي يبدو أنها كانت سبب الحادثة فقد تسربت الادخنة والنار في ارجاء المنزل ما أدى الى اختناقي انا واختي ما جعلني هممت الى كسر زجاج النافذة للنجاة وطلب المساعدة من الجيران بعد ان وضعت اختي في مكان آمن في السطح، وخرجت من النافذة والدماء تسيل من يدي واصرخ في الشارع طلبا للمساعدة بعد ان جاء الجيران كان البيت قد احترق بالكامل ولم اجد شيئا سالما في البيت سوى كتاب الله كنت قد وضعته تحت وسادتي.
* ارتداؤك للحجاب هل حدَّ من ادوارك الفنية ام لم يكن عائقا؟
- نعم حدَّ كثيرا من ادواري التلفزيونية والسينمائية والمسرحية أيضا، لكن الغريب في الامر أن هناك أدواراً تتطلب ارتداء الحجاب تمنح لفنانات غير محجبات ويرتدين الحجاب في التمثيل ولم تمنح لي، مثلا كفنانة محجبة اصلا!
* لديك حس كوميدي جميل، لكن يبدو المخرجين وضعوك في أدوار بعيدة عن الكوميديا هل تتفقين معي بهذا؟
- انا فنانة ذو حس كوميدي منذ البدايات، وعملت الكثير من المسرحيات والادوار الكوميدية، لكن لا اعلم لماذا المخرجون ابعدوني ووضعوني في قالب بعيد عن الكوميديا على الرغم من اجادتي للأدوار التراجيدية، لكن هي دعوة من منبركم ادعو بها المخرجين الى ان يمنحونني أدوارا كوميدية كما كنت في السابق.
* قدمت شخصيات نسائية متعددة، هل ترين أنك انصفت المرأة العراقية كما يجب ام مازال هناك لم يقل؟
- مهما قدمنا لا ننصف المرأة العراقية التي تحملت الكثير من الصبر وعبء الحياة، انا جسدت الكثير من الأدوار التي تجسد المرأة العراقية بكل حالاتها وتحولاتها الاجتماعية والثقافية، لكنني أستطيع القول انني كفنانة حاولت ان أنصف وأقدم المرأة العراقية بصورتها الحقيقية امام الشاشة عبر الاعمال الفنية.
*هل مازال الشغف كما كان في البدايات ام أصبح العمل مسؤولية أكثر من كونه متعة؟
- عملي الفني منذ البداية كان مسؤولية، وشغفي كان ان أصبح ممثلة، وبكل الصراحة الشغف لم يكن كما كان في البدايات لأسباب كثيرة منها اختلاف الزمن والظرف والعلاقات والمحسوبية كل تلك اثرت على انطفاء الشغف لدي، واقولها بصراحة لو كان لدي مصدر معيشة يوفر لي حياة كريمة لتركت الفن، كون لم يعد الفن يطعم خبزا!
* ما القضية التي تشغلك منذ سنين؟
- لدي قضية خاصة بي تشغلني منذ سنين وظلمت من خلالها وأول مرة اتحدث بها، القضية تتلخص انني كرمت مع مجموعة من الفنانين والأدباء في زمن النظام السابق عام 1993 بيت مساحته424 متراً هو ليس بيتا بل اطلال بيت قديم تم بناؤه في ثلاثينيات القرن الماضي، وبالفعل قمت بترميم وإعادة بناء البيت من جديد على امل ان اسكن فيه وبعد ان خسرت أموالا على بنائه فوجئت بان البيت تابع الى احد الاسر المسفرة خارج العراق وبالتالي ذهب البيت من بين يدي ولم اعوض عن خسارتي المالية الكبيرة لبناء البيت وقابلت الكثير من المسؤولين بعد عام 2003 ولم اعوض، ومازالت ساكنة بالإيجار حتى اليوم.
* ما الدور الذي تعتبرينه حلمك المؤجل حتى الان؟
- كنت أتمنى ان أجسد دور الفنانة الراحلة سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة في فيلم (ليلة القبض على فاطمة).
* شاهدناك في عمل درامي واحد كضيفة شرف خلال موسم رمضان بخمس حلقات فقط لماذا قل ظهورك في الشاشة؟
- لست أدري، أسأل المعنيين او المنتجين لماذا لم قل ظهوري في الشاشة، وحتى في الاذاعة على الرغم من انني امتلك تاريخا طويلا في المسرح والتلفزيون والإذاعة فلدي 82 عملا مسرحيا وأكثر من 150 عملا تلفزيونيا والعديد من الاعمال السينمائية الاذاعية، ولكي أكون صادقة في حديثي تعرض عليه اعمال درامية لكن لا تناسب اسمي وتاريخي ومكانتي، لذلك رفضت ثلاثة اعمال في رمضان الماضي لذات الأسباب واكتفيت بعمل واحد.
* انت كنت صاحبة أكبر شركة انتاج في العراق الا وهي شركة (سميرة ميس) للإنتاج الفني اين أصبحت هذه الشركة؟
- للأسف لم يبق سوى الاسم التجاري للشركة التي توقفت عام 2003، كانت من أكبر الشركات الفنية الإنتاجية التي انتجت الكثير من الاعمال التلفزيونية والاذاعية، لدي مكتبة زاخرة بالأعمال الفنية، نصوص تلفزيونية لم تنتج، قمت بشراء حقوقها الفنية والأدبية من كتابها تنتظر التنفيذ، قمت بتقديم بعضها الى المؤسسات المعنية للإنتاج ولم أر أي اهتمام، لذا بقيت تلك النصوص حبيسة الرفوف بدلا عن الشاشات.
* تاريخك حافل بالإبداع لكن في زمن الكروبات الفنية هل شعرت بالظلم والحيف من ناحية نيل الأدوار؟
- بالتأكيد شعرت بالظلم والحيف في زمن الكروبات الفنية لأنني لا اجيد مطلقا طرق أبواب المخرجين والمنتجين طلبا للعمل، وسوف اذكر لك حادثة المخرج التلفزيوني علي أبو سيف زوج اختي عندما اعلم انه تولى اخراج احدى المسلسلات فانا اقاطع دخولي لبيت اختي حتى انتهاء العمل لكي لا يوحي ذهابي لهم طلبا للعمل في المسلسل، هكذا هي عزة نفسي التي ابعدتني عن طلب الأدوار الفنية.
* أخيرا بعد هذه المسيرة الطويلة، ماذا تقول هناء محمد لنفسها في بداية الطريق لو عادت بها السنوات؟
- لو عادت السنوات سأبقى فنانة اعتز بمهنتي، لكن في فضاءات أوسع وأرحب خارج نطاق المحلية العراقية.















