الديون والتعافي الاقتصادي..هل يحقق المرسوم 70 العدالة للمتعثرين؟
تمر سوريا في مرحلة اقتصادية حرجة تتطلب أدوات دقيقة لإعادة تفعيل القطاع المالي والمصرفي، وتخفيف الأعباء عن الأفراد والشركات المتعثرة نتيجة تراكم الديون. في هذه المرحلة ما بعد النزاع، تصبح معالجة التعثرات المالية تحدياً مركباً، يجمع بين الجوانب القانونية والمالية والإنمائية، ويستلزم مقاربة شاملة توازن بين حماية المصارف وتشجيع المدينين على العودة إلى النظام المالي الرسمي.
وفي هذا السياق، يشكل مرسوم رقم 70 لعام 2026 ، الصادر عن الرئيس أحمد الشرع خطوة محورية تهدف إلى معالجة الديون المتعثرة في المصارف العامة، وإعادة هيكلة القطاع المالي بطريقة تقلل من الأعباء على المتعاملين، وتساعد في إعادة تشغيل النشاط الاقتصادي.
وحول ما يتم تداوله عن أهمية المرسوم والثغرات التي يجب الوقوف عندها، تواصلت” الوطن” مع الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، الذي يرى أن هذا المرسوم يمثل خطوة مهمة نحو التعافي الاقتصادي والمالي، حيث توفر معالجة الديون المتعثرة حلاً سليماً لإعادة هيكلة القطاع المالي والمصرفي، وتخفف الضغوط على المتعاملين المتعثرين في مساراتهم الاقتصادية والاجتماعية، وخصوصاً في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد.

وأشار كويفي إلى أن المرسوم يسهم في تحفيز النشاط الاقتصادي والسوق المحلية، ويشجع المتعثرين على العودة إلى النظام المصرفي الرسمي. كما أن إعفاء المدينين من الفوائد التأخيرية والعقدية والغرامات، وإعادة الجدولة المرنة، يمنح فرصة حقيقية للوفاء بالالتزامات من دون زيادة الديون بفعل الفوائد والغرامات التراكمية، ما يساعد على إعادة تشغيل بعض النشاطات الاقتصادية والصناعية.
ويؤكد الباحث أن الإعلان عن المرسوم وآليات التنفيذ الصادرة عن وزارة المالية، يمثل ضماناً للعدالة ويعزز الثقة بين المواطنين والمصارف، إلا أن نجاح المرسوم يعتمد بشكل كبير على منح مهلة مناسبة للمتعثرين سواء كانوا أفرادا أم شركات، حيث يرى أن عاماً كاملاً سيكون أنسب من ثلاثة أشهر لترتيب أوضاعهم والاستفادة الفعلية من الإجراءات، مع ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية لتجنّب تعقيد العملية على المتعاملين.
الثغرات والتحديات
رغم الإيجابيات، يلفت كويفي الانتباه إلى عدة ثغرات في المرسوم، من أبرزها عدم مراعاة حالات التعثر الناتجة عن الحرب والدمار الذي لحق بالمنشآت المرهونة، وهي ظروف خارجة عن إرادة المدينين. لذا، تتطلب هذه الحالات حلولاً استثنائية تتجاوز إعادة الجدولة التقليدية لتكون عادلة وواقعية.
كما أشار الباحث إلى أن التداخل بين السلطة التنفيذية والرقابية السابقة، كان يتم عبر توجيهات شفوية وأحكام قضائية صدرت تحت ضغوط غير قانونية، ما أدى إلى ممارسات مصرفية وضريبية تعسفية، شملت المطالبات والحجوزات ومنع السفر، فضلاً عن بيع ممتلكات بالمزاد بأسعار منخفضة بشكل مقصود، وتوزيع ثمنها على فوائد ديون تضخمت أو فُرضت بأثر رجعي. هذه الملفات تتطلب مقاربة مختلفة تركز على رد الاعتبار والتعويض وليس مجرد إعادة الجدولة، لضمان العدالة للمتضررين.
وأشار كويفي إلى أن معالجة التعثرات في ظروف استثنائية مثل سوريا لا يمكن أن تكون بأدوات مصرفية بحتة، بل تحتاج إلى مقاربة ثلاثية الأبعاد تشمل:
-البعد القانوني: الاعتراف بالقوة القاهرة للمدينين الذين تأثروا بالحرب والدمار.
-البعد المالي: تحمل الدولة جزءاً من الخسائر الناتجة عن النزاع لتخفيف الضغط على المتعثرين.
-البعد الإنمائي: إعادة تأهيل المنشآت الاقتصادية القابلة للإنقاذ لضمان استمرار النشاط الاقتصادي.
ويؤكد الباحث أن هذه المقاربة تحقق العدالة للمدينين الذين تضرروا بسبب الظروف القاهرة أو التعسفية، وتسهم في إزالة الآثار السلبية للديون، وتدعم عملية إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي.
بناء الثقة
وخلص كويفي تحليله بالتأكيد على أن الانتقال من حالة النزاع إلى مرحلة التعافي هو عملية حساسة للغاية، فالحرب تنتهي عسكرياً، لكن آثارها النفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية تبقى عميقة. ويضيف: إن تقليص هذه الآثار لا يتحقق إلا عبر بناء الثقة، وتوفير الاستقرار والأمان، وتطبيق سياسات التنمية المستدامة، ما يضمن النمو والازدهار للمجتمع السوري.





