الدراما السورية بين النص والـ”تريند”: هل تغيّرت البوصلة؟
الوطن- هلا شكنتنا
لم تعد الدراما السورية اليوم كما كانت قبل سنوات، ليس فقط من حيث الشكل أو الإمكانات الإنتاجية، بل في جوهرها، في الفكرة والنص والغاية، ومع كل موسم جديد، يعود السؤال نفسه بإلحاح أكبر: “هل ما يُقدَّم هو دراما تحمل قيمة حقيقية، أم تحمل محتوى سريعاً يسعى فقط لركوب موجة “التريند”؟
في مراحل سابقة، كانت الدراما السورية تُبنى على الحكاية بنصوص متماسكة وشخصيات تنمو تدريجياً، وقضايا تُطرح بعمق يجعلها قابلة للبقاء في ذاكرة المشاهد لسنوات، أما اليوم، فيبدو أن المعادلة بدأت تتغيّر.

كثير من الأعمال بات يُبنى حول “لحظة” لا حول “قصة”، بمشهد صادم، وجملة قابلة للاقتباس، أو حدث مثير للجدل، هذه العناصر تُصمَّم لتنتشر سريعاً على وسائل التواصل، حتى لو جاء ذلك على حساب التسلسل المنطقي أو تطور الشخصيات.
ونرى بأنه ما زالت هناك محاولات جادة تُثبت أن النص القوي لم يغِب، لكنه لم يعد القاعدة، بل أصبح استثناءً ضمن موجة أوسع من الأعمال التي تعتمد على عناصر أخرى لتعويض ضعف الكتابة، وفي الحقيقة “التريند” بحد ذاته ليس عدواً للفن، لكن طريقة توظيفه هي ما تحدد قيمته، وهنا تتقاطع آراء النقاد وصنّاع الدراما حول حدوده ودوره.
ورأت الناقدة آمنة ملحم” أن الدراما السورية تقف بين اتجاهين، وقالت في تصريح لـ”الوطن”: “الدراما السورية بأنواعها المتعددة كانت ولا تزال تقف بين اتجاهين، الأول يحاول الحفاظ على قيمتها الفنية والإنسانية، وملامسة الواقع عبر طرحها لقضايا هادفة وتسليطها الضوء على جوانب الحياة المختلفة، والثاني يسعى إلى تحقيق الانتشار السريع عبر “التريند”، وذلك بهدف تحقيق انتشار أوسع ومجاراة عالم “السوشيال ميديا”، وهو أحد أساليب الترويج في ظل السباق الزمني الذي نعيشه عموماً بكل مناحي الحياة مع ازدياد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وانجذاب الجمهور لها.
وأضافت: “أرى أن “التريند” واللحاق بموجاته في الدراما وخاصة خلال موسم دراما رمضان، قد يكون وسيلة للوصول الأسرع إلى الجمهور، لكن يجب ألا يتحول إلى هدف بحد ذاته حتى لا يهبط بالعمل الدرامي ويبعده عن مساره، وفي النهاية العمل الدرامي الذي يبقى في الذاكرة هو العمل الذي يطرح قضايا إنسانية صادقة برؤية إخراجية احترافية، وليس فقط العمل الذي يحقق ضجة مؤقتة على السوشيال ميديا”.
ومن زاوية مختلفة، قدّم الكاتب سعيد الحناوي بتصريحه لـ “الوطن” قراءة أكثر تقبّلاً لهذه الظاهرة، إذ يعتبر أن الدراما اليوم تتحرك ضمن عصر “السوشيال ميديا”، ومع هذا التحول، يصبح البحث عن “التريند” أمراً مهماً وذكياً، وليس بالضرورة أن يكون دليلاً على انحدار المستوى.
وأشار إلى أن هذا الذكاء يتطلب بالمقابل وعياً فنياً عالياً، حيث لا يتحول العمل إلى حالة من الابتذال أو الاستخفاف بعقل المشاهد، بل يُقدَّم بجودة فنية تحافظ على قيمته.
وأضاف: إن “التريند” أصبح اليوم أداة أساسية في انتشار الأعمال، لدرجة أن بعض المسلسلات قد تحقق حضورها قبل عرضها الفعلي، من خلال مشاهد أو حوارات يتم الترويج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما لفت إلى أن بعض صنّاع الدراما باتوا يعتمدون على استراتيجيات رقمية، عبر التعاون مع صنّاع محتوى، بهدف خلق حالة تفاعلية تسبق عرض العمل.
ورأى الحناوي أن الموبايل اليوم هو الذي يحدد ما يشاهده الجمهور، ما يجعل من القدرة على صناعة “التريند” جزءاً من ذكاء المخرج وشركة الإنتاج، بشرط أن يبقى هذا الانتشار مدعوماً بمحتوى حقيقي.




