الدولة أم الطائفة: حين تُختطف المعركة من مشروعها
في لحظات الاضطراب الكبرى، لا تُقاس السياسة بحدّة الصراع فقط، بل بنوعية المسار الذي يتشكّل تحت ضغطه. فالمعارك لا تُنتج انتصارات فحسب، بل تُنتج أنماط حكم، وتعيد تعريف معنى السلطة، وتُرسّخ — بصمتٍ غالباً — القواعد التي سيُدار بها المجتمع لاحقاً. ومن هنا، فإن أخطر ما يواجه أي مجتمع ليس الهزيمة، بل الانتصار على حساب فكرة الدولة نفسها.
المشهد الراهن يكشف انزياحاً مقلقاً: أدوات الصراع تُعاد هندستها على أسس عقائدية، وقوى تُبنى وفق منطق الهوية، وخطاب يُعبّئ الناس باعتبارهم جماعات متقابلة لا مواطنين متساوين. قد يبدو ذلك، في ظاهره، استجابةً لضرورات اللحظة، لكنه في جوهره يعيد صياغة المعركة من كونها صراعاً على الدولة إلى صراع على من يحتكرها.
حين تتحول المعركة إلى معركة عقيدة، تتبدل قواعد اللعبة جذرياً. لا يعود القانون مرجعية، بل يُستبدل بمنظومة ولاء. لا تعود الكفاءة معياراً، بل يُقدَّم الانتماء. لا يُنظر إلى المختلف كشريك محتمل، بل كخطر يجب تحييده أو إقصاؤه. وفي هذه البيئة، لا تُبنى دولة، بل تُعاد إنتاج سلطة مغلقة، تُبرر وجودها بالخطر الذي تدّعي مقاومته.
المفارقة أن كثيراً من الفاعلين يدركون هذا الانحراف، لكنهم يلوذون بحجة “المرحلة”، وكأن التاريخ يمنح استثناءات مجانية. غير أن التجارب السياسية، في أكثر من سياق، تُظهر أن ما يُبنى تحت ضغط الصراع لا يُفكك بسهولة بعد انحساره. الأدوات التي صُممت للحسم تتحول إلى بنية، والخطاب التعبوي يصبح وعياً جمعياً، والقوى المؤقتة تترسخ كحقائق دائمة. وهكذا، ينقلب الاستثناء إلى قاعدة، ويُصبح الخروج منه أكثر كلفة من الاستمرار فيه.
في خضم ذلك، تُصنع الرموز على عجل. تُمنح شرعيات لا تستند إلى برامج أو مؤسسات، بل إلى موقعها في معادلة الصراع. يتم تضخيمها بوصفها ضرورة، ثم تُستهلك سريعاً حين تتبدل التوازنات. إنها دورة مألوفة: تعبئة – تمجيد – خيبة – إعادة تدوير الأزمة. لكن المشكلة ليست في الرموز بحد ذاتها، بل في البيئة التي تنتجها؛ بيئة لا تحتمل الدولة لأنها لم تُبنَ لها أصلاً.
إن الحديث عن دولة جامعة في ظل هذا المسار يبدو أقرب إلى التمنّي منه إلى المشروع. فالدولة، في معناها الدقيق، ليست مجرد سلطة مركزية، بل عقد اجتماعي يقوم على تحييد الهويات الفرعية، وإخضاع السلطة للمساءلة، وضمان المساواة أمام القانون. أما حين تتأسس السلطة على تمييز مسبق بين الناس، فإنها، مهما ادّعت، تظل سلطة فئة لا دولة مواطنين.
بناء الدولة لا يمر عبر إقصاء الطوائف، بل عبر تصالحها. لا يتحقق بإخضاع المجتمع لهوية واحدة، بل بإدارة تعدديته ضمن إطار قانوني عادل. الدولة ليست نقيض التنوع، بل أداته المنظمة. وكل مشروع يتجاهل هذه الحقيقة إنما يضع بذور صراع مؤجل، حتى وإن نجح مؤقتاً في فرض الاستقرار.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بصرامة هو: ما الذي نُراكم له اليوم؟
هل نُراكم لقوى قادرة على إدارة الاختلاف ضمن مؤسسات، أم لقوى تُتقن إدارة الصراع خارجها؟ هل نؤسس لسلطة تُحاسَب، أم لسلطة تُطاع؟ هل نعيد تعريف المواطن بوصفه فرداً في دولة، أم تابعاً في جماعة؟
الإجابة ليست نظرية، بل تُكتب يومياً عبر ما يُبنى من أدوات، وما يُرسّخ من خطابات، وما يُشرعن من ممارسات. وكل خطوة تُتخذ خارج منطق الدولة، مهما بدت مبررة، إنما تُضيف طبقة جديدة إلى جدار يفصلنا عنها.
في النهاية، ليست المعضلة في اختلاف الناس، بل في كيفية إدارة هذا الاختلاف. فإما أن يتحول إلى مصدر غنى داخل دولة قانون، أو إلى وقود دائم لصراع لا ينتهي. وبين هذين المسارين، لا توجد منطقة رمادية آمنة. هناك فقط خياران: دولة تتسع للجميع، أو معركة لا تُبقي أحداً خارجها.
The post الدولة أم الطائفة: حين تُختطف المعركة من مشروعها appeared first on يمن مونيتور.





