حازم عيّاد
كل الأزمات موجودة في الضفة الغربية؛ الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يتصدرها الاحتلال الإسرائيلي وهجمات المستوطنين التي لا تكاد تتوقف على مدار الساعة، كان آخرها وأشرسها في ريف رام الله، حيث استشهد فتى لم يتجاوز من العمر 16 عاما بعد أن سُرقت أغنامه في قرية جلجيليا.
هجمات المستوطنين وعمليات القتل يومية، وبدعم من جيش الاحتلال، كما هي عمليات اقتحام المسجد الأقصى التي شارك فيها اليوم الأربعاء وزير مالية الاحتلال المتطرف بتسلائيل سموتريتش، نزيف أمني يومي يسير بالتوازي مع النزيف الاقتصادي الذي يرعاه الاحتلال بمنع المقاصة عن السلطة وإعاقة الأنشطة الاقتصادية للفلسطينيين، رافعا معدل البطالة والفقر إلى ما يفوق 30%، وأخيرا سياسي تقوده السلطة في رام الله والدول العربية بتجاهلها التحولات المحلية والدولية.
اشتباكات يومية ومحاولات يائسة من الفلسطينيين للدفاع عن أنفسهم، يقابلها إدانات عربية وعقوبات خجولة يفرضها الاتحاد الأوروبي على بعض المستوطنين أقرها يوم أول أمس دون أن يكون لها تأثير، في حين يواصل الاتحاد الأوروبي ودوله توفير الغطاء السياسي والأمني لجيش الاحتلال لمواصلة القتل والضم في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتجريم الحراك الاحتجاجي والإنساني في القارة العجوز، وتجريم مقاومة الشعب الفلسطيني التي يُحرم عليها مواجهة الاحتلال بحسب انحيازات الاتحاد الأوروبي الجائرة.
تجاهل حالة التدهور القائمة في الضفة الغربية عربيا وإسلاميا ودوليا لن يجعل الأمور أفضل، ولن يمنع من الانهيار الأمني والإنساني الذي يطرق الأبواب في الإقليم بقوة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية داخل الكيان، والتي يراهن فيها اليمين الإسرائيلي بشقيه العلماني والديني على مشروع الهيمنة والسيطرة المطلقة على الضفة الغربية كملاذ لمواجهة المرحلة المقبلة واستحقاقاتها، فالضفة المنسية حاضرة كورقة بيد نتنياهو لتعطيل الانتخابات، بحسب يهودا باراك رئيس وزراء الاحتلال الأسبق، إذ بالإمكان التعويل عليها لإعلان حالة الطوارئ حال خشي نتنياهو خسارة الانتخابات، إذا وضعت إدارة ترامب فيتو على العودة للحرب مع إيران.
الضفة الغربية ملاذ اليمين في الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة لمواصلة الحلم التوراتي، وهي قنبلة موقوتة يمكن أن تغير وجه الإقليم مجددا حال انفجارها، لما تحويه من مكونات جغرافية وديموغرافية وثقافية ودينية.
فالضفة المنسية متنفس الاحتلال المستقبلي للتعاطي مع استحقاقات المرحلة المقبلة بفشلها وضغوطها الداخلية والخارجية، ما يعني أن وتيرة القتل ستتفاقم لتصل إلى مستوى المجازر اليومية المقرونة بعمليات نزوح وتهجير داخلي نحو الكنتونات المقترحة في المدن المزدحمة والمكتظة.
في المحصلة النهائية، انفجار الضفة الغربية جريمة سيُحمّل مسؤوليتها الشعب الفلسطيني ومقاومته، بتهمة الخروج عن الإجماع العربي والفلسطيني الرسمي للسلام والتطبيع الاستراتيجي، مبررا مشروع السيطرة المطلقة على الحرم القدسي، والكنتونات والبلديات والجزر المعزولة، كخيار عقلاني استراتيجي يُجرّم من يقاومه، ويُتهم بالإرهاب من يرفضه، معادلة متطرفة ومجنونة لا تختلف من حيث الشكل والمضمون عن النفاق الأوروبي، ولا من حيث الأهداف والنتائج عن حرب ترامب على إيران التي أغلقت مضيق هرمز، وأغلقت معه الاقتصاد الدولي.