الدبلوماسية الشبابية
“الدِّبْلوماسيَة الشَّبَابية”… كلمَةُ هذا الأسْبُوع
كيف تقولُ “لا شيءَ” بأناقَة دَولية
ما “الدبلوماسية الشبابية” حقًا؟ أهي وعيٌ جديد يتشكل في وجوهٍ أصغرُ سنًا، أم مجردُ نُسخة مُخفَّفة من خطاب قديم أُعيد تغليفه بلغة أكثر لمعانًا؟ أهي التزام بالقضايا، أم استثمار أنيق فيها؟ أهي دفاع عن أصوات الشباب، أم حديث متكرر باسمهم دون تفويض منهم؟ متى تحول التمثيل إلى أداء، والحضور إلى إنجاز، والكلمات إلى بديل مريح عن الفعل؟ هل نحن أمام جيل يريد أن يغير العالم فعلًا، أم أمام نخبة تعلمت فقط كيف تتحدث عن تغييره بلباقة دولية وابتسامة مدروسة وشارة معلقة على الصدر؟
حِينَ يتحوَّلُ تَمثيلُ الشَّباب إِلى عَرْض أزْياء لُغوي
سمعتُ هذا الأسبوع عبارةَ “الدّبلوماسية الشبابية”، فابتسمتُ أمام هذا البَذخ اللُّغوي الجميل. كلمة تبدو في ظاهرها واعدة، تحمل نبرة الأمل واتّساع الأفق، لكنها في الواقع تفضحُ أحيانًا المسافة الكبيرة بين ما نقوله وما نفعله. نعجبُ بها لأنها رشيقة ومُغرية، لكن قيمتها الحقيقية لا تظهر إلا حين ينزّلها الشّباب من مستوى الشعار إلى مستوى الفعل، فيجعلون منها حضورًا واعيًا، وموقفًا جريئًا، وتأثيرًا حقيقيًا لا مجرد عبارة براقة تتردَّدُ في المناسبات. أكتب عن “الدبلوماسية الشبابية” لأن هذه العبارة لم تبلغ سَمعي على سبيل المصادفة، ولا مرّت به مرورًا خفيفًا، ذلكَ أنها تسلّلت إليه بإلحاح يبعث على الارتياب؛ على الطريقة نفسها التي تتسرّب بها الكلمات اللامعة إلى الخطاب العام كلّما قلّ معناها الحقيقي وازداد رواجها. لقد تكرّرت أمامي في الندوة وفي الخطاب الرسمي إلى حدّ خُيّل إليّ معه أن العالم كان قاب قوسين من الانهيار، وأنّ نجاته لم تكن ممكنة لولا التدخّل الحاسم للمُحَاضر. لكن كثرة الترداد لم تمنح المصطلح وضوحًا، ولم تكسبه في نظري وجاهةً فكرية، بيد أنها زادتني شكًّا فيه ونفورًا من سهولة تداوله. على أنّ بعض العبارات لا تفرض نفسها بقوة المعنى، وإنما ببريق الصياغة؛ وكلّما اشتدّ لمعَانها، اشتدّت الحاجة إلى تفكيكها. فاللغة لا تزدحم بالزِّينة عبثًا، وكثيرًا ما يكون فائض اللمعان فيها تعويضًا عن نقص الدلالة.
من هنا، لا تبدو “الدبلوماسية الشبابية” في نظري مفهومًا راسخًا بقدر ما تبدو تسميةً براقة أُعدّت لتؤدّي وظيفةً خطابية أكثر مما تُحيل إلى معنى محدّد. فهي مما يشيع وقعه في الآذان قبل أن يستقرّ مدلوله في الأذهان، ومما يطلب الاستحسان أسرع مما يحتمل المساءلة. لذلك لم أجد نفسي مدفوعا إلى الإيمان بها، وإلى البحث لا عمّا تقوله فقط، وإنما عمّا تؤجّل قوله أو تتعمّد حجبه خلف لمعَانِها اللَّفظي.
تمثيل الشباب أم تسْويق الذات؟
هكذا، تبيّنَ لي أنّ هناك فئة عجيبة تتحدث عن “الدبلوماسية الشبابية” كما لو أنها اكتشفت مفتاح السّلام العالمي، بينما أقصى ما تمارسه فعليًا هو التقاط الصور في الندوات، وتبادل الابتسامات البلاستيكية، وحفظ كلمات من نوع “التمكين” و”القيادة” و”بناء الجسور” لاستعمالها في كل مُناسبة. يتحدّثون عن الشباب وكأنهم يحملون همّ الأجيال، بينما هُمْ في الحقيقة يحملون فقط همّ الظهور، والسَّفر المجاني، والبطاقات التّعريفية المعلّقة على الرِّقاب كأنها أوْسمة فتح تاريخي. أما “الدبلوماسية” عندهُم، فهي غالبًا فنُّ قولِ لا شيء مع هزّ الرأس بجِدّية مُصطنعة، ثم نشر منشور طويل عن “تجربة مُلهمة” لم ينتج عنها سوى مزيد من الكلام المنمَّق والفراغ المغلَّف بالأناقَة. يتحدثون عن “تمثيل الشباب” وكأن الشباب أوْكلَهم رسميًا بهذه المهمّة، والحقيقة أن كثيرًا منهم لا يمثِّل إلا نفسَه، وطموحَه الشَّخصي. هكذا، صارت “الدبلوماسية الشبابية” عند البعض مُجرد مسْرح أنيق: كثير من المصطلحات، قليل من المضمون، قدْرٌ هائلٌ من الاسْتعراض لأنهم تعلَّموا كيف يحوِّلون الكلام الفارغ إلى مشْروع، والمُجاملة إلى شَبكة علاقات، والحُضور الشَّكلي إلى بُطولة وهْمية.
الأسوأ أنهم يظنون، من ندوة إلى أخرى ومن اجتماع إلى آخر، أن تكرار المصطلحات الكبيرة يمنحُهم عُمقًا، بينما هُو غالبًا يفضح خَواءهم أكثر. فمن يحملُ قضية، يعملُ. ومن يحمل فقط رغبة في اللَّمعان، يتكلم عن “الدبلوماسية الشبابية” ساعات، ثم يعود إلى البيت مقتنعًا أنه أنقذ العالَم بجلسة نقاشٍ وصُورتين وَوْسْمٍ علىَ “لينْكْدِنْ”.
“الدبلوماسية الشبابية” عند كثيرين واجهة لامعة تُوضَع فوق فَراغ هائل، مثل قاعة فخمة بلا أساسات. كل شيء فيها مُصمّم بعناية: الكلمات، الصور، زوايا التصوير، طريقة الجلوس، نبرة الصوت، وحتى لحظة الضحك المدروسة بعناية كي تبدو “عَفْوية”. أما الفكرة نفسها، فغالبًا غائبة، أو مؤجلة عمدًا حتى لا تفسد الانسجام العام لهذا الاسْتعراض المهذَّب. بعضهم لا يفهم من الدبلوماسية إلا أنها نوع راقٍ من العلاقات العامة، ولا يفهم من الشباب إلا أنهم فئة قابلة للتسويق؛ فيخلطُ بين التمثيل الحقيقي والترويج الذَّاتي، وبين الحوار العميق والثرثرة المنمَّقة، وبين خدمة القَضايا واستثمار القَضايا.
الأضواءُ ليْستْ أثَرًا
لذلك، تراهم يتحدثون كثيرًا في ندواتهمْ وتجمُّعاتهم عن “القيادة الشابة”، لكنهم في العمق مجرد نُسخ مُبكّرة من بيروقراطية عَجوز. نفس اللغة الخشبية، نفس الحرص على إرضاء الجميع، نفس الخوف من الوضوح، نفس القدرة المدهشة على قول نصف موقف ونصف حقيقة ونصف اعتراض، حتى لا يغضبَ أحدٌ ولا يتضرَّر مُستقبلهم المهني. إنهم لا يثُورون على الرَّداءة، وإنما يعيدون تغْليفها بوجوُهٍ أصغر سِنّا. وفي هذا العالَم، يصبح النجاح رهينا بقدرتك على لعب دور “الشخص المُلهم”: أن تكونَ موجودًا دائمًا، متحمِّسًا دائمًا، لَبِقًا دائمًا.
وهناك فئة أخرى أكثر إثارة للسّخرية، أولئك الذين يظنُّون أن مُجرَّد السَّفر إلى مُؤتمريْن، ومُصافحة ثلاثة مسؤولين، وحفظ عبارتين بالإنجليزية، كفيلٌ بأن يرفَعهُم إلى طبقة “الفاعلين الدوليين”. يتحدث الواحد منهم عن “المنتظم الدولي” وهو بالكاد يستطيع أن ينطق بفكرة واضحة. لهذا، كلّما سمعتَ حماسةً زائدة في الحديث عن “الدبلوماسية الشبابية”، فقاوم غواية اللّفظ، واسأل عمّا تحقق فعلًا: ما الذي تغيّر؟ من الذي استفاد حقيقة؟ وما الأثر الذي يمكن لمسُه خارج قاعات الندوات وعدسات الكاميرا؟ فإن لم تقعْ إلا على صورٍ وشهاداتٍ ولغةٍ متخمة بالامتنان لـ”تجربة ثرية”، فاعلم أنكَ إزاء خبيرٍ في التّلميع، لا فاعلٍ في التَّغيير.
المشكلة، إذن، ليست في “الدبلوماسية الشبابية” بوصفها فكرة، وإنما في أولئك الذين حوّلُوها إلى كرنفال نَاعم للنّرجسية المؤدّبة؛ أخذوا شيئًا كان يمكن أن يكون مساحة للوعي، وصنعوا منه حلَبة تنافُس على من يبدو أكثر رقيًا، وأكثر قُدرة على تحويل العُموميات إلى مَجْد شَخصي.
هلْ هي دبلوماسية أم علاقات عامّة رَاقية؟
فماذا يبقى من “الدبلوماسية الشبابية” إذا نزعنا عنها الزخارف، وخفّضنا صوت المصطلحات، وأطفأنا أضواء المنصات؟ هل نحن أمام مُمارسة تصنعُ أثرًا، أم أمام مسرح مهذب يتقن فيه الجميع أداء القيم أكثر مما يتقنون الدّفاع عنها؟ ثمّ أليس أفدحَ ما في المسألة أنّ بعضهم لم يعد يكتفي ببيع الوهم للآخرين، بقدر ما باتَ أسيرَ وهْمه هو أيضًا؛ يظنّ أنّ الخَطابة فعل، وأنّ الواجهة نضال، وأنّ ترديد “الشباب” مرارًا قادرٌ على أن يكسو الخواءَ ثوبَ الشرعية؟
لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.
The post الدبلوماسية الشبابية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





