البلدة القديمة في العقبة: ما الذي بقي من المدينة الأولى؟
بجوار حصن العقبة التاريخي وميناء القوارب السياحية، تقع أحياء بلدة العقبة القديمة التي تشكل نواة المدينة الأولى، وتبدو عند التجول فيها أقل حظًا من حيث الخدمات. ورغم الطابع التراثي لبيوتها من حيث المواد وطرق البناء والتصميم، فإنه طغى عليها الإهمال ومظاهر التآكل والتشوه بفعل الزمن، إلى جانب ترميمات سريعة بما تيسر بمواد زهيدة لا تنسجم مع الحفاظ على طابعها التراثي الذي يؤهلها لتكون إحدى المعالم السياحية البارزة.
كانت العقبة -حتى القرن التاسع عشر- محصورة داخل حدود أسوار القلعة، دون وجود سكان مستقرين خارجها، حيث سكن الأهالي داخل الأسوار، فيما كانت قوافل التجار ترتاد القلعة وتستخدمها نُزلًا وخانًا يوفر الأمن والحماية للتّجار وبضائعهم. ومع بدء استقرار السكان خارج الأسوار،[1] شرعوا في بناء منازل بسيطة قرب القلعة ومنطقة «الحفاير» الغنية بينابيع المياه الجوفية والتي مارسوا فيها الزراعة واستقوْا منها الماء.
بدأ ذلك في أواخر القرن التاسع عشر، ثم تسارعت وتيرة العمران مع مطلع القرن العشرين. وقد اعتمد بناء البيوت على ما توفّره البيئة المحليّة؛ إذ جُلب الطين من منطقة «الشلالة» جنوب شرقي البلدة الناشئة، حيث تتجمع مياه الأمطار المنحدرة من الجبال. ثم خُلط الطين بالماء والرمل والقشّ لتعزيز تماسك المزيج، ووُضع في قوالب خشبية وجُفّف تحت الشمس.

هكذا أُنتجَ الطوب الطيني، أو «اللِبِن»، من مواد محلية بسيطة، من دون استيرادٍ وبتكلفةٍ منخفضة تتلاءم مع البيئة المحيطة. وقد شكّل هذا الطوب الوحدة الأساسية بناء «البيوت الطينية» في العقبة، وضمن أساليب بناءٍ محلية معروفة منذ عصورٍ في المناطق الدافئة والحارة، من العراق إلى الأغوار والنقب وسيناء. وقد ظل نمط العمارة هذا رائجًا في العقبة وجوارها حتى أواسط القرن الماضي حين بدأ البناء الإسمنتي يحل محله.


توضح الدكتورة رانيا القدحات،[2] الأستاذة في قسم الإدارة السياحية في الجامعة الأردنية بالعقبة، أن البناء يبدأ بأساس متين من حجارة محلية غير منتظمة تُربط بمونةٍ طينية مخلوطة بالتبن، بارتفاع يقارب مترًا واحدًا، لزيادة التماسك والمرونة وتشكيل حاجزٍ ضد السيول وقاعدةً مستقرةً للجدران. ثم تشيّد الجدران من الطوب الطيني المجفف، وتُغطى بطبقة طينية إضافية للتماسك والحماية من العوامل الخارجية، فيما يُخضّر الطلاء الخارجي من مزيج الشّيد والماء والملح والأصباغ الطبيعية.

وفي بعض البيوت استُخدم «الحجر الغشيم» المجلوب من المناطق الصخريّة المحيطة، وهو حجر يُقطع ويُستخدم دون تشذيب، مع مِلاطٍ طيني لربط الأحجار وتسوية المداميك، ثم تغطيتها بطبقات القصارة التي اعتمدت على مواد محليّة طبيعية، أبرزها «الشيد» أو الجير المطفأ وهو مادة بيضاء تُستخرج من الحجارة الكلسيّة وتُخلط بالماء والملح لتشكل طبقة تعكس الحرارة وتخفف حدّتها، كما تعمل على طرد الحشرات.




وقد ساعدت الجدران الطينية السميكة في توفير عزل حراري طبيعي، يغني عن الحاجة لوسائل التبريد والتدفئة المكلفة، إذ تمتص الحرارة الخارجية وتمنع دخولها ما يحافظ على درجات حرارة معتدلة داخل المنزل. لذلك، ورغم حرارة المناخ، لم يحتج السكان لعقود إلى أجهزة تبريد تستهلك الطاقة وتتطلب تكاليف مالية مرتفعة كما هو الحال في البيوت الإسمنتية اليوم.

ويلاحظ أن واجهات المنازل تخلو من العناصر التجميلية كالأقواس والأعمدة، ولا تعتمد على أحجار مشذبة أو منقوشة، ما يعكس طابعًا بسيطًا وظيفيًا بالدرجة الأولى، فلا يستهدف الاستعراض الجمالي كما في المدن الأكبر. كما تميزت البيوت بصغر النوافذ أو غيابها أحيانًا، حيث اقتصر دورها على التهوية، وهو ما يفسر بعوامل المناخ والسعي لتقليل الحرارة وأشعة الشمس الداخلة إلى المنزل، إلى جانب اعتبارات اجتماعية تتعلق بالخصوصية وعزل الفضاء الداخلي عن المحيط الخارجي.

وتضمّ البيوت أفنية داخلية صغيرة ومكشوفة السقف، توفر تهوية ومساحة مفتوحة للأنشطة اليومية كالطهي والخَبز وغسل الملابس. وتبيّن القدحات أن التكوين الداخلي للبيوت يتّسم بالبساطة والترابط الوظيفي، إذ تتوزع الغرف حول الفناء الداخلي (الحوش) الذي يشكل مركز النشاط المنزلي والعنصر المحوري في التكوين المعماري. ويعكس هذا التنظيم تأثرًا واضحًا بالعمارة الشامية التقليدية، إذ يتجاوز «الحوش» وظيفته البيئية ليؤدي دورًا معيشيًا واجتماعيًا تُمارَس فيه أنشطة الحياة اليومية مثل الطبخ واستقبال الضيوف وإقامة المناسبات العائلية. كما يعكس هذا التنظيم فصلًا واضحًا بين الفراغات الخاصة والعامة، مع توجيه غرف المعيشة والنوم نحو «الحوش»، وتوزيع المرافق الخدمية على الأطراف لتعزيز الخصوصية والتكيّف المناخي وتحسين التهوية.
وتوجد أيضًا «أحواش» مشتركة بين عدة بيوت تشكل معًا عنقودًا سكنيًا يتمحور حول فناءٍ مشترك، بحيث يتشارك السكان هذا الفضاء في التواصل وتبادل الاحتياجات، ما يعزز التعاون ويُبدّد العُزلة، كما يوفر مساحة آمنة للعب الأطفال، ومكانًا للترفيه والسهرات العائلية. وبالتالي فإن هذه الأحواش تعطي فكرة جيدة عن البعد الاجتماعي المتمثل بقوة ترابط الأسر وتقاربها.

أما الأسقف، فاعتمدت على جذوع النخل أساسًا للسقف، وعلى السعف فوقه لتشكيل طبقة عازلة للحرارة والمطر. إلا أن هذه الأسقف تهاوت مع الزمن واستُبدلت في معظم البيوت المسكونة اليوم بألواح الزينكو البيضاء التي تزيد من حرارة الداخل، ما دفع السكان لاستخدام المراوح والمكيّفات.


اليوم، مع الإهمال وغياب الترميم اللازم للقصارة باستخدام موادها الأصلية وافتقاد الخبرة بها، لجأ السكان إلى استخدام مواد رخيصة مثل الإسمنت، ما أدى إلى تشويه المباني وفقدان طابعها التراثي. أما في الداخل فصار يُستخدم الدهان البلاستيكي في البيوت المرممة.


أما عن واقع البيوت اليوم وأهمية الحفاظ عليها باعتبارها موروثًا ثقافيًا اجتماعيًا، فيرى طارق البدور، مدير مديرية ثقافة العقبة، أن تحليل النسيج المعماري لهذه البيوت التراثية يتيح فهمًا أعمق للمجتمع، ويمكن عبرها استخلاص معطيات عن تقاليده وتكوينه وقيمه، فتلاصق البيوت وتقاربها مثلًا يشير إلى التكافل الاجتماعي.
ويشير إلى أن كثيرين لا يعرفون العقبة القديمة، وتقتصر معرفتهم على عمرانها الحديث، ما استدعاهم لتسليط الضوء على الحي التراثي في العقبة أسوة بالمدن الأخرى، ويحركهم في ذلك سؤال البحث في هوية العقبة المعمارية وأين تتموضع، إذ يجري التركيز على التراث بمختلف أشكاله؛ فهناك كمّ كبير من المدوّنات حول العادات والتقاليد والتراث الشعبي، بما في ذلك الأكلات مثل الصيادية العقباوية، والأغاني الشعبية، والآلات الموسيقية كالسمسمية، وقد جرى العمل على هذه العناصر، غير أن الجانب المادي المرتبط بطبيعة السكن ظل الأقل تناولًا، رغم أن طبيعة المناخ في العقبة تفرض أثرًا واضحًا على البناء، سواء من جهة البحر أو الحرارة. ويبيّن أن بيوت المناطق الجبلية تعتمد على الحجارة لقدرتها على العزل وحفظ الحرارة، في حين تخلو البلدة القديمة في العقبة من الحجارة، إذ كان الاعتماد كاملًا على الطوب الطيني، كما اعتمدت تقنيات التسقيف على مواد محلية خاصة، مثل الجريد المستخرج من نخيل العقبة.

ويضيف البدور أن منطلق العمل، على مستوى وزارة الثقافة ومديرية ثقافة العقبة، يتمثل في دراسة علاقة الإنسان بالبيئة وكيفية تفاعله مع محيطه، إذ تُفهم البصمة المعمارية بوصفها تعبيرًا عن هوية المكان وروحه وذاكرته، وهي هوية تختلف عن باقي مناطق المملكة، خصوصًا أن خليج العقبة يقع ضمن تقاطع ثلاثة أقاليم جغرافية-ثقافية: مصر والحجاز وبلاد الشام، ما يمنحه خصوصية لافتة.
كما يشير إلى أن أنماط الحياة المعاصرة تميل إلى مزيد من العزلة عن البيئة، مع تحوّل متزايد نحو الطابع الصناعي والاستهلاكي، في وقت تعمل فيه المديرية على أكثر من مجال، حيث يطالب فنانون بهوية بصرية مستمدة من المكان وماضيه لتنطلق أعمالهم منها. قائلًا إن «الحضارة الإسمنتية أصبحت طاغية اليوم، فبالتالي، أي شخص يأتي لن يجد ما يميّز المكان تقريبًَا، نحن نحب التقدم والتحضّر، ولكن يجب أن نحافظ على الهوية الخاصة لهذه المدينة».

اليوم، تتبلور أفكار متعددة حول سبل إعادة إحياء هذه الأحياء وتفعيل حضورها؛ فالملاك يركّزون على القيمة الاستثمارية للموقع الحيوي، واستملاك قطع الأراضي مع كل خبر عن مشروع سياحي جديد في المدينة، بينما يطالب السكان بتحسين الخدمات والبنية التحتية والطرقات.
أما من منظور المختصين، ومنهم القدحات والبدور، فإن الآمال تتمثل في النهوض بالحي ضمن رؤية لتعزيز السياحة في العقبة. يرى البدور الأولوية في التخطيط لإنشاء منطقة سياحية تراثية، تتيح توظيف البيوت القديمة في أنشطة مثل فتح متاجر التذكارات، وبرامج السياحة الثقافية التي تتيح للزائر قضاء «ليلة عقباوية» تتضمن الأكل التقليدي وطقوس الحياة اليومية في العقبة كما كانت في الماضي.
وفي السياق ذاته، تدعو القدحات -في دراسة لها ستصدر قريبًا- إلى تفعيل برامج وطنية متكاملة لحماية المباني التراثية في العقبة، واستثمارها في تطوير السياحة الثقافية عبر إعادة تأهيلها وصونها مع الحفاظ على طابعها الأصيل، وإعادة توظيفها في استخدامات تتوافق مع قيمتها المعمارية والاجتماعية، بما في ذلك تحويلها إلى بيوت ضيافة تراثية، أو متاحف محلية، أو مراكز ثقافية ومعارض للحرف التقليدية.
-
الهوامش
[1] يشير الباحث في تاريخ العقبة، راشد الأحيوي، إلى أن بعض جنود القلعة كانوا يمكثون في الخدمة في القلعة سنين طويلةٍ ممّا جعلهم يؤثرون الاستقرار فيها بعد انتهاء خدمتهم العسكرية. وبالتالي وفي أواخر القرن التاسع عشر بدأت نواة سكّان القلعة بالتكوّن حينما أخذ بعض جنود القلعة يستقرّون في جوار القلعة، ويبنون المساكن ويمارسون الزراعة والتجارة. وكان العسكر من أهالي العقبة يتبعون الحربيّة المصرية إلى أن سلّمت الحكومة المصرية قلعة العقبة إلى الدولة العثمانية عام 1892، وتبعت ولاية الحجاز العثمانية.
[2] تصدر قريبًا دراسة لها في كتاب مطبوع عن البلدة القديمة في العقبة وبيوتها التقليدية المبنية من المواد المحلية. الدراسة جاءت بتنسيق وتوجيه من مديرية ثقافة العقبة، وبدافع من السعي للبحث عن هوية معمارية خاصة بالعقبة، وبحيث تكون أول دراسة تقوم على أسس علمية تعمل على توثيق بيوت مدينة العقبة القديمة وعمارتها التقليدية.




