البحار ميادين الحروب القادمة!
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
أحداث ووقائع قد تبدو عابرة وغير حاسمة بالنسبة إلى الكثيرين في خضم الحروب والمعارك التي باتت تدار وتوجه بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وبواسطة أعداد نوعية محدودة من الكوادر البشرية، لا تقارن بأي حال من الأحوال، بالجيوش الجرارة من صنوف المشاة والمدفعية والدروع في كل الحروب والمعارك الحديثة التي شهدها القرن الماضي، والقرون السابقة له. ومن بين تلك الأحداث والوقائع العابرة بنظر الكثيرين، سيطرة إيران خلال حربها الأخيرة مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، على أهم منفذ بحري على الصعيد العالمي، ألا وهو مضيق هرمز، الذي تمر عبره خُمس إمدادات الطاقة العالمية، حتى بات الحرس الثوري الإيراني، المتحكم الأول والأساس بالمضيق، وهو الذي يقرر أي السفن والبواخر تمرّ، وأيها التي تمنع من ذلك، وهو القادر على احتجاز أي سفينة تخالف ما يقرره. كل ذلك والولايات المتحدة، بقدراتها وإمكاناتها الضخمة، باعتبارها القوة العالمية الأكبر، تقف عاجزة عن فعل شيء، وحينما قررت محاصرة إيران بحريًا، وعدم السماح للسفن والبواخر المتوجه إليها والخارجة منها بالمرور، سارعت إيران للردّ، من خلال احتجاز السفن والبواخر العائدة بشكل أو بآخر للولايات المتحدة وإسرائيل، لتعمق مأزق واشنطن، وتضعها في زاوية حرجة للغاية. والمثال الأقرب والأوضح على ذلك، هو إعلان الحرس الثوري قبل بضعة أيام، احتجازه سفينتين عملاقتين متخصصتين بنقل الحاويات، وهما EPAMINONDAS وFRANCESCA، ردًا على ما وصفه بالقرصنة البحرية التي قامت بها القوات الأميركية للسفن الإيرانية. وطيلة أيام الحرب الأربعين، وفي الوقت الذي كان العالم بأجمعه يعاني من التداعيات الاقتصادية المتسارعة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، كان يعيش هاجس إغلاق مضيق باب المندب من قبل حركة أنصار الله اليمنية، الحوثيين، وهذا في حال حصل بأي وقت، فإنه سوف يعني بكل وضوح شللًا شبه تام للاقتصاد العالمي، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. وحينذاك لن تنفع الطائرات والصواريخ في حسم الأمور، حتى لو دمرت كل شيء في إيران لا سمح الله. فصحيفة ذي تلغراف البريطانية الواسعة الانتشار، كتبت في أحد أعدادها الصادرة مؤخرًا، "إن كل ما يتعين على طهران فعله هو الصمود لبضعة أشهر إضافية، وانتظار أن يظهر تأثير نقص النفط بشكل فعلي. فمع كل يوم تستمر فيه المواجهة في الخليج، يحرم العالم من نحو ثمن إمدادات النفط، ويغوص أكثر في استنزاف احتياطياته. وفي حال صمود إيران، فإن وصول سعر البنزين إلى ثمانية دولارات، وفرض تقنين عليه حتى موعد انتخابات الكونغرس الأميركي، ليس أمرًا مستبعدًا". ليس هذا فحسب، بل إن وكالة بلومبيرغ الأميركية المتخصصة بالشؤون الاقتصادية والمالية، تقول في تقرير لها "إن الأسواق العالمية خسرت ستة تريليونات دولار من قيمتها خلال العشرة أيام الأولى من الحرب، وإن الأسهم الأميركية تكبدت يوميًا تريليون دولار جراء الحرب"! وبخصوص مضيق باب المندب، الخاضع لسيطرة ونفوذ حركة أنصار الله اليمنية المتحالفة مع إيران، التي تعتبر أحد أبرز أطراف محور المقاومة، ترى العديد من الأوساط والمحافل السياسية، ومراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية الغربية، "أن مجرد الإعلان عن إمكانية إغلاق المضيق من قبل أنصار الله الحوثيين، يكفي لإثارة الذعر في الأسواق العالمية". ولعل الحوثيين الذين لم يتدخلوا بشكل مباشر وبقوة لدعم وإسناد إيران، يحتفظون بالتنسيق مع طهران، بخيار إغلاق مضيق باب المندب في التوقيت الذي يرونه مناسبًا وضروريًا، وهذا ما يدركه ويخشاه صناع القرار في واشنطن وتل أبيب وعواصم غربية وإقليمية مختلفة. وإذا كانت إيران، تمثل قوة إقليمية لها ثقلها، وأوراقها السياسية والعسكرية والاقتصادية في أي مواجهة مع خصومها وأعدائها التقليديين، وبالتالي، قدرتها على التحكم بمضيق هرمز، فكيف يمكن فهم حقيقة قدرة حركة أنصار الله المحاصرة من كل الجهات، والمنخرطة في حرب عسكرية طاحنة منذ أكثر من عشرة أعوام، بالتحكم في مفصل حيوي من مفاصل الاقتصاد العالمي، وعجز الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية والإقليمية عن فعل أي شيء يفضي إلى كسر ذلك التحكم. ليس هذا فحسب، بل إن الصومال، الدولة الغارقة في الفوضى السياسية والأمنية، والفقر والاضطراب المجتمعي، قادرة على تهديد الاقتصاد العالمي بدرجة مقلقة، سواء كحكومة، أو كجماعات مسلحة تعمل وفق أجندات ومصالح وحسابات خاصة، ربما تكون داخلية وربما تكون خارجية، وهذا ما حصل مرات عديدة خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية. حتى إن مجلس الأمن الدولي، أصدر خلال الفترة بين عامي 2008 و2021، خمسة قرارات، أجازت بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، "دخول المياه الإقليمية الصومالية لمكافحة القرصنة، وتمديد التدابير الدولية لحماية الملاحة، وملاحقة القراصنة قضائيًا، وتعزيز التعاون الدولي، وتجريم القرصنة". وقريبًا جدًا من المشهد الراهن، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية U.K.M.T.O، في الخامس والعشرين من نيسان (أبريل) الماضي، عن تعرض ناقلة نفط للاختطاف قبالة السواحل الصومالية. ومثل هذا الحادث، لم يكن الأول من نوعه خلال الشهور العشرة الماضية، وهو ما يؤشر إلى أن هذه المنطقة مهيأة للمزيد من عمليات القرصنة والاستهداف للسفن التجارية، وقد تأخذ تلك العمليات طابعًا سياسيًا، يتجاوز الأهداف والدوافع المالية، فيما لو اتسعت مستقبلًا رقعة الصراع العسكري في منطقة الشرق الأوسط. ولا شك أن توسع الصراع العسكري، والفشل في ضبط مدياته وإيقاعه وحدوده، يمكن أن يدفع ويشجع أطرافًا أخرى على اللعب بورقة المنافذ والممرات البحرية الاستراتيجية، ومثل هذا الاتجاه، يعني فيما يعنيه بروز وتنامي قوى قد تبدو صغيرة وهامشية وغير مؤثرة، ويعني فيما يعنيه، ترسيخًا وتأكيدًا لحقيقة عجز وفشل مريع للولايات المتحدة بأساطيلها الضخمة وقواعدها العسكرية المنتشرة في مختلف بقاع الأرض، أمام من هم أقل منها قدرات وإمكانات ونفوذًا، ويعني فيما يعنيه، كوارث اقتصادية غير مسبوقة، من الصعب بمكان التنبؤ بتداعياتها ونتائجها الكارثية، ويعني فيما يعنيه أيضًا، أن البحار سوف تكون هي الميادين الحقيقية لحروب الغد.





