... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
189746 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8823 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

البابا - الأيادي الملطخة بالدماء - الصلوات المزيفة - الضمير الصامت

العالم
ترك برس
2026/04/15 - 21:15 501 مشاهدة

عمر لاكاسيز - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

قال البابا، في الأيام الماضية، إن السيد المسيح يقف إلى جانب السلام ويرفض الحرب، مضيفًا: “لا يمكن لأحد أن يستخدمه لتبرير الحرب. إنه لا يستمع إلى صلوات من يشنون الحروب؛ بل يرفضهم ويقول: ‘مهما أكثرتم من الدعاء فلن أستجيب، فأيديكم مملوءة بالدماء.’”

وقدّم البابا قداس أحد الشعانين بقوله: “نحن أقرب من أي وقت مضى بالصلاة إلى المسيحيين في الشرق الأوسط. إنهم يعيشون نتائج صراع مروع، وفي كثير من الأحيان يُحرمون من أداء طقوس هذه الأيام المقدسة كما ينبغي.” كما دعا إلى “إلقاء السلاح” أثناء صلاته من أجل فتح طرق السلام. وأشار أيضًا إلى مقتل 22 شخصًا كانوا على متن قارب يقل مهاجرين قبالة جزيرة كريت، قائلًا: “فلنصلِّ من أجل جميع المهاجرين الذين فقدوا حياتهم في البحر، وخاصة أولئك الذين لقوا حتفهم في الأيام الأخيرة قبالة جزيرة كريت.”

إن عبارة البابا “...أيديكم مملوءة بالدماء.” تبدو للوهلة الأولى صادمة. لكن عند وزنها بميزان الحقيقة، فإن ما هو صادم حقًا ليس هذه العبارة، بل تأخرها.

فالسماء منذ زمن طويل لم تعد صامتة؛ بل امتلأت، واغتامت، وازدادت ثقلاً بفعل الدماء والظلم والصراخ المتواصل الصاعد من الأرض. فالمشكلة ليست في غياب الصوت، بل في من يقومون بقمع هذا الصوت بشكل منهجي، ومن يبنون لأنفسهم جدرانًا سميكة كي لا يسمعوه.

قد يبدو رفض البابا للصلوات التي تبرر الحرب، من خلال هذه العبارة، وكأنه موقف أخلاقي قوي؛ بل قد يُقرأ بوصفه تعبيرًا متأخرًا عن بقية من ضمير. غير أن هذه الجملة ليست مواجهة مع الحقيقة، بل صدى لاعتراف متأخر، بل لمحاسبة لم تكتمل. لأن القضية ليست فقط “الدعاء بأيدٍ ملطخة بالدماء”، بل في من ينتج تلك الأيادي، وأي مراكز قوى تقف خلفها، وأي نظام سياسي يحميها، وبأي لغة دولية وقانون يتم إضفاء الشرعية عليها.

إن ربط السيد المسيح بالسلام ورفض الحرب باسمه قد يُعد حساسية صحيحة من منظور اللاهوت المسيحي. لكن هذه الحساسية، إذا لم تسمِّ الظالم، ولم تُحدد موضع الظلم، ولم تكشف وجه الفاعل، تتحول بسرعة إلى خطاب عالمي لكنه عديم الفاعلية، إلى لغة معقمة، إلى أمنية غير مؤذية. بينما العالم اليوم ليس مكانًا يمكن تهدئته بجمل مجردة مثل “الحرب سيئة”، بل هو مضطر إلى مواجهة ظلم واضح الاسم، معروف الفاعل، ظاهر الصورة، مع شهادة حية ومستمرة لا يمكن إنكارها.

يقدّم الفكر الإسلامي هنا معيارًا أكثر وضوحًا، وأكثر حدة، وأكثر إلزامًا. ففي القرآن، ليست القضية مجرد وجود الحرب، بل طبيعتها، وعلى أي حقيقة تستند، وأي ظلم تزيل أو تنتج. فالكفاح من أجل إزالة الظلم، وحماية المظلوم، ومنع الفساد في الأرض، لا يمكن وضعه في الكفة نفسها مع الدمار الذي يُشن من أجل الاحتلال والاستغلال والهيمنة. وكل خطاب يطمس هذا التمييز، حتى لو بدا أنه يستخدم لغة السلام، فإنه في الحقيقة يضمن استمرار الظلم.

وهنا تكمن العقدة في دعوة البابا: فالدعوة إلى إلقاء السلاح، إذا وضعت الظالم والمظلوم في صف واحد، فإنها لا تحمي العدالة بل النظام القائم، ولا الحقيقة بل الوضع الراهن، ولا المظلوم بل القوي. لأن من يحمل السلاح ليسوا متساوين في التاريخ ولا اليوم؛ ففي بعض الأحيان يكون هذا السلاح هو آخر نفس، وآخر ملاذ، وآخر وسيلة مقاومة لشعب ما.

إن ما يجري اليوم في غزة أمام أعين العالم لا يمكن وصفه بأنه “صراع”، بل هو فعل إبادة جماعية منهجي ومخطط وواضح. وفي مثل هذا السياق، فإن القول “على الطرفين إلقاء السلاح” ليس حيادًا، بل انحيازًا؛ لكنه انحياز دائمًا إلى جانب القوي، إلى جانب الظالم، إلى جانب من يدمر ويُفني. وهذا ليس سلامًا، بل إعادة إنتاج للظلم بلغة أكثر تهذيبًا ودبلوماسية وتعقيمًا.

أما دعاء البابا للمهاجرين، فهو يكرر أحد أكثر ردود الفعل شيوعًا وإشكالية في الضمير الحديث: البكاء على النتائج، والصمت أمام الأسباب؛ رثاء الموت، دون مساءلة النظام الذي ينتج الموت!

فالذين يموتون في البحر ليسوا ضحايا الأمواج فقط، بل ضحايا الحروب والاحتلالات التي دفعتهم إلى ذلك البحر. يُهجَّر الناس أولًا، ثم يسلكون الطرق، ثم يُدفعون إلى الموت، وفي النهاية تُرفع الصلوات من أجلهم. وهذا ليس تعبيرًا عن الرحمة، بل دورة من ضمير متأخر وناقص وغالبًا غير فعّال. بينما مفهوم العدالة في الإسلام يستهدف السبب لا النتيجة، ويجفف المصدر لا يعالج المآل. فالدعاء لكي لا يموت إنسان في البحر يكتسب معناه فقط إذا اقترن بإرادة تغيير النظام الذي يدفعه إلى ذلك البحر؛ وإلا فإن الدعاء يتحول إلى ستار يحجب الحقيقة.

إن القضية الأساسية هنا هي كيف يتحدث الدين؛ بل لمن يتحدث وباسم من يتحدث. فإذا اقتصر الدين على إنتاج التعزية، فإن هذه التعزية تخدم أصحاب القوة أكثر من غيرهم. أما إذا تحلّى الدين بشجاعة قول الحقيقة، فإنه يزعج الضمائر أولًا ثم يهزّ السلطات. ولهذا كانت لغة الأنبياء في التراث الإسلامي حادة وصادمة: فهم لا يكتفون بالقول “كونوا صالحين”، بل يسمّون الظلم، ويشيرون إلى الظالم، ويعرّفون العدالة، ولا يترددون في دفع ثمن ذلك.

إن كلمات البابا، وفق هذا المعيار، ناقصة جدًا؛ بل تعاني من نقص واضح وصريح لا يمكن إنكاره. فقد صيغت جملة قوية، لكن الشجاعة السياسية والثمن الأخلاقي الذي تقتضيه هذه الجملة غائبان. بينما المطلوب اليوم ليس دعوات سلام عامة وغير مؤذية، بل الدفاع عن العدالة بوضوح، وبالتسمية، وباتخاذ موقف، وبالاستعداد لدفع الثمن.

فالحقيقة هي: إن الأيادي الملطخة بالدماء لا تُطهَّر بالدعاء وحده.

وما لم يتغير النظام الذي يلطخ تلك الأيادي بالدماء، فلن ترتفع أي دعاء إلى السماء.

وما لم يُذكر اسم الظالم والظلم، فلن تصمت السماء؛ بل إن ما سيُسمع ليس دعاءً، بل صدى الصرخات المكبوتة، والحقائق المؤجلة، والضمائر المُسكتة.

 

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤