«الإطار» يفشل ثلاث مرات.. هل استُدعي الجار لكسر التعادل بين المالكي والسوداني؟
بغداد/ تميم الحسن
في لحظة سياسية مفاجئة، بدا أن بغداد تتحرك خارج حدودها التقليدية، لتشبه - وفق توصيف محللين - «إسلام آباد بديلة» تُمرَّر فوقها رسائل متقاطعة بين واشنطن وطهران.
في هذا السياق، يرى محللون أن إيران، حتى في ذروة التصعيد الإقليمي، لا تتعامل مع العراق كملف قابل للتراجع أو الانسحاب، بل كمساحة نفوذ مستمرة تمتد من الأمن إلى السياسة، ومن الفصائل إلى عملية تشكيل الحكومات.
ويذهب هؤلاء إلى أن طهران، حتى في حال خسارة بعض جولات الصراع، تبقى حاضرة بقوة في معادلة القرار العراقي، خصوصاً عند تشكيل الحكومة.
قاآني في بغداد: إشارة في توقيت حساس
وفي تطور لافت، تسربت مساء السبت معلومات من مصادر متقاطعة عن وصول قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، إلى بغداد، في زيارة وُصفت بأنها غير اعتيادية من حيث التوقيت والسياق.
وتكتسب هذه الزيارة، وفق التقديرات السياسية، أهميتها من كونها الأولى بعد المواجهات العسكرية الأخيرة في المنطقة، وتأتي في لحظة سياسية عراقية حساسة تشهد تعثراً متكرراً داخل «الإطار التنسيقي» في حسم اسم رئيس الحكومة المقبلة.
ويقرأ السياسي المستقل والنائب السابق مثال الآلوسي زيارة إسماعيل قاآني إلى بغداد بوصفها أكثر من مجرد تحرك دبلوماسي أو أمني عابر، بل رسالة سياسية متعددة الاتجاهات تتقاطع عند مفصل العملية السياسية العراقية.
ويقول الآلوسي في حديث لـ«المدى» إن توقيت الزيارة «في لحظة تفاوض دقيقة بين إيران والولايات المتحدة، يحمل دلالة سياسية واضحة مفادها أن العراق ليس جزءاً من ترتيبات تُدار في ساحات أخرى، سواء في باكستان أو غيرها، وأن الحرس الثوري يؤكد تمسكه بدوره داخل العراق بالنظر إلى أهميته الاستراتيجية بالنسبة لإيران».
ويضيف الآلوسي أن قاآني لا يحتاج، من وجهة نظر طهران، إلى لقاءات مباشرة مع قادة «الإطار التنسيقي»، موضحاً أن «قنوات الاتصال بين طهران وحلفائها في بغداد تعمل بشكل مستمر وعلى مدار الساعة، بما يجعل الجميع على اطلاع مباشر بالتفاصيل، وبالتالي فإن الزيارة ليست لإدارة التواصل، بل لتثبيت الحضور وإيصال رسالة بأن إيران موجودة في قلب المشهد».
ويرى أن الرسالة لا تقتصر على الداخل العراقي، بل تمتد إلى خصوم إيران الإقليميين والدوليين، قائلاً إن الزيارة «تحمل أيضاً إشارة إلى إسرائيل والولايات المتحدة، مفادها أن القوى المتحالفة مع طهران في بغداد ما تزال تمتلك أدوات تأثير، من بينها الطائرات المسيّرة والصواريخ، ما يجعلها ورقة ضغط في أي مسار تفاوضي أو تصعيدي».
ويقود إسماعيل قاآني «فيلق القدس»، الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري»، منذ عام 2020، خلفاً لقاسم سليماني، الذي قُتل في ضربة أميركية قرب مطار بغداد مطلع ذلك العام.
ومنذ توليه المنصب، نفّذ قاآني زيارات متكررة إلى العراق، إلا أن الإعلان عن تحركاته يبقى محدوداً ونادراً.
إعادة هندسة النظام
ويرى الآلوسي أن ما تتصوره طهران من إعادة صياغة النظام السياسي في العراق يرتبط بمحاولة ضمان استمرار تدفق النفوذ عبر ما يسميه «الحشد الأدنى» من الفصائل، بما يتيح إبقاء حركة إيران الإقليمية بين بغداد وطهران وبيروت وساحات أخرى في حالة اتصال دائم.
وبحسب الآلوسي، فإن هذا التصور يقوم على استخدام شبكات محلية داخل العراق كوسيط في ملفات معقدة تتصل بالمال والنفوذ والمجال الأمني الإقليمي، وهو ما يضع العراق في قلب شبكة أوسع من الحسابات.
وفي سياق متصل، يشير الآلوسي إلى وجود تحركات داخل بعض الدوائر السياسية السنية، تحدثت عن استثمارات ورصد أموال تُقدَّر بأكثر من 100 مليون دولار، بهدف دعم شخصيات ذات ارتباطات مثيرة للجدل، في إطار محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الحكومة المقبلة.
ويقول إن هذا المسار، إن صحّ، يعكس محاولة لإنتاج حكومة تقوم على «هيمنة سياسية متبادلة» بين قوى داخلية وإقليمية، بدعم من تفاهمات غير معلنة بين أطراف متعددة.
موقف واشنطن: رفض للأذرع المسلحة
وفي المقابل، يستبعد الآلوسي أن تقبل واشنطن بهذه الصياغات السياسية، سواء عبر قاآني أو غيره، مشيراً إلى أن الموقف الأميركي يتجه نحو إعادة ضبط قواعد اللعبة في العراق، وليس إعادة إنتاجها.
ويؤكد أن الولايات المتحدة «لن تقبل بوجود الفصائل المسلحة ضمن معادلة الحكم»، وأن المرحلة المقبلة قد تشهد تحركات أكثر وضوحاً لمحاسبة شبكات الفساد والانتهاكات المرتبطة بإدارة الدولة خلال السنوات الماضية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع فشل «الإطار التنسيقي» ثلاث مرات خلال أسبوع واحد في عقد اجتماع حاسم لاختيار رئيس الحكومة المقبلة، وسط انقسام واضح بين ضغوط أميركية تدفع باتجاه «تفكيك الفصائل»، وضغوط إيرانية تظهر بوضوح مع وصول قاآني.
وتكشف تعقيدات المشهد، وفق أوساط سياسية، عن تقاطع ضغوط خارجية، جانب منها حول الرفض الأميركي لأي صيغة حكومية لا تتضمن خطوات واضحة باتجاه «تفكيك الميليشيات»، في مقابل ضغط إيراني متصاعد تجلّى عملياً مع وصول قائد «فيلق القدس» إلى بغداد.
وفي خضم هذا الاشتباك، تتجه أصابع الاتهام، بشكل متوازٍ، إلى فريقي نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، بوصفهما قطبي المنافسة الرئيسيين، مع ترجيحات بأن كليهما سعى إلى استدعاء قاآني في محاولة لحسم الانسداد أو ترجيح كفة على أخرى داخل البيت الشيعي.
وكانت أوساط سياسية قد تداولت روايات سابقة تفيد بأن المرشد الإيراني علي خامنئي كان قد أوصى بمنح رئاسة الحكومة إلى المالكي.
"نفوذ لا يسقط بتغيير الأنظمة"
من زاوية تحليلية أوسع، يقدم الباحث السياسي المقيم في أستراليا أحمد الياسري قراءة حادة لطبيعة النفوذ الإيراني في العراق، مؤكداً أن المسألة «أبعد بكثير من نفوذ سياسي أو أمني تقليدي».
يقول الياسري لـ(المدى) إن «إيران بنت داخل العراق شبكة نفوذ معقدة ومتداخلة، تتوزع بين الأمن الذي تديره الفصائل، والسياسة التي تقودها الأحزاب، إلى جانب نفوذ ثقافي واسع عبر الحوزات والمؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع الشيعي». ويضيف أن «هذه الشبكة لا تعمل بشكل منفصل، بل بطريقة مترابطة؛ حيث يحمي النفوذ الأمني السياسي، ويؤمّن السياسي الاقتصادي، بينما يغذي الاقتصادي البعد الثقافي».
ويحذر من أن هذا النفوذ «لا يمكن اقتلاعه بسهولة، بل قد يستمر حتى لو تغير النظام في طهران»، موضحاً أن «القوى المرتبطة به داخل العراق ستبقى فاعلة، لأن البنية التي أُنشئت أعمق من مجرد سلطة سياسية عابرة».
وفي تقييمه لتداعيات الحرب الأخيرة، يرى الياسري أن «إصرار طهران على إدخال ملفات مثل لبنان في أي مفاوضات إقليمية يعكس ثقتها بقدرتها على حماية نفوذها في مختلف الساحات، سواء كانت في موقع القوة أو تحت الضغط»، مضيفاً أن «إيران، حتى وهي تتعرض لضربات قاسية، لا تتخلى عن أوراقها، بل تعيد ترتيبها».
وفي ما يتعلق بالعراق تحديداً، يؤكد الياسري أن «طهران لن تتخلى عن نفوذها تحت أي ظرف، لأن هذا النفوذ مبني على شبكة داخلية عميقة، لا على قرار سياسي يمكن التراجع عنه».
ويرى الياسري، وهو يرأس المركز العربي-الأسترالي للدراسات الستراتيجية، أن «هذا الواقع تجلى أيضاً في نتائج الانتخابات، حيث تمكنت قوى الإطار التنسيقي من تحقيق تفوق واضح، مستفيدة من أدوات متعددة، بينها التأثير الإعلامي والقدرة على إدارة الرأي العام». ويضيف أن «الجمهور جرى تطمينه عبر ملفات الخدمات والرواتب، في وقت أعادت فيه الفصائل تقديم نفسها كقوة حماية لا كقوة صراع».
ويختم الياسري بتشخيص حاسم: «النفوذ الإيراني في العراق ليس مجرد نفوذ دولة خارجية، بل منظومة داخلية متكاملة. ولذلك، فإن تقليصه – إن حدث – لن يكون بقرار خارجي، بل بتغيير داخلي عميق في المزاج الشعبي العراقي وإعادة تشكيل وعي المجتمع، كما حدث جزئياً في احتجاجات تشرين».
The post «الإطار» يفشل ثلاث مرات.. هل استُدعي الجار لكسر التعادل بين المالكي والسوداني؟ appeared first on جريدة المدى.




