... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
367834 مقال 225 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 4522 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

الأسر... بين السعادة والعزوف عنها

معرفة وثقافة
إيلاف
2026/05/15 - 05:00 502 مشاهدة
لقد أصبح «العزوف» ظاهرة متجذرة في الأنماط الإنسانية اليوم، وهو يشمل أكثر من حقل اجتماعي؛ نتحدث عن العزوف عن الدراسة والمطالعة، والعزوف عن المشاركة السياسية... إذ إن غالبية الشعوب؛ إن لم تكن كلّها، تعرف مظاهر العزوف المشار إليها حتى لو كانت درجاتها مختلفة من حيث الحدة. هناك أيضاً نوع آخر من العزوف لا ننتبه إليه كما يجب، وهو عزوف خطير ويستحق الانتباه العميق؛ لأنه، من حيث التأثيرات، أشدّ تداعياً على مستقبل الإنسانية وتجديد الأجيال. إننا نقصد ظاهرة «العزوف عن تكوين أسرة» في عالم اليوم. وفي تقديرنا، ولأن العالم يحتفل بـ«اليوم العالمي للأسرة»، فإنه لا سؤال أشد حرقة يستحق التناول وتسليط الضوء عليه من هذه الظاهرة التي تؤثر على المجتمع عموماً. طبعاً لكل عزوف أسبابه؛ التي يمثل التعرفُ إليها وتحديدُها الطريقَ لوضع خطة العلاج اللازمة؛ على الأقل لتقليل حجم العزوف. ولكي نؤكد جدية الظاهرة، فنحن لا ننطلق من مجرد انطباع اجتماعي أو فكرة يتداولها الحس المشترك، بل إن الأرقام والإحصاءات هي التي تجعل من الظاهرة حقيقة اجتماعية تَظهر في التقديرات العالمية، التي تشير إلى أن واحداً من كل 4 من «جيل الألفية» قد لا يتزوج أبداً، وأن هذه النسبة مرشحة للارتفاع إلى واحد من كل 3 في جيل «زد». وللدقة؛ فإننا لا نتحدث عن انخفاض معدلات الولادات وتراجعها، بل إن ما يعنينا حقاً أصل المُشْكِل، وهو العزوف عن حلم بناء أسرة، أي إن الأسرة لم تعد ضمن مشروعات عدد كبير من الجيلين؛ الحاضر والمقبل، وليست حلماً، وليست مسألة ذات أولوية. فالمشكل في طبيعة الوعي الجديد لدى الشباب، أو لنقل لدى نسبة مهمة منه، أنهم أنزلوا حلم بناء أسرة من «مرتبة الضرورة والأمر المفروغ منه»، إلى «مرتبة ثانوية جداً». ولعل انخفاض عدد الزيجات المسجلة سنوياً في العالم يؤكد عمق العزوف عن الزواج، وتناميه، حيث تراجعت عقود الزواج في مصر بنسبة 2.5 في المائة، وتونس 30 في المائة، والصين 20.5 في المائة، إضافة إلى تراجع لافت في عدد المواليد بالبلدان العربية، وحتى الذين يكتفون بتأخير سن الزواج، فإن مدى التأخير لديهم في تصاعد، حيث تخطى حاجز 30 عاماً، وأصبح متوسط سن الزواج في بلدان مثل لبنان وتونس والجزائر يتجاوز 34 سنة، وهو ما بات يعبَّر عنه في علم اجتماع الأسرة بـ«ظاهرة العزوبية المتأخرة». إن مواصلة الاكتفاء بتفسير هذه الظاهرة بالأسباب الاقتصادية ذات الصلة بالبطالة في صفوف الشباب، وبارتفاع تكاليف السكن، وتضخم وغلاء المعيشة، وعدم الاستقرار الوظيفي الذي يزيد من صعوبة التخطيط للمستقبل أو الإقدام على بناء أسرة، هي اكتفاء منقوص جداً، رغم وجاهته، ورغم جدية عامل الضغوطات الاقتصادية. ولا يمثل هذا التدقيق «استنقاصاً» من ثِقل السبب الاقتصادي منذ سنوات؛ ذلك أن السبب الاقتصادي يعني أنه بتجاوز الصعوبات ينتفي العزوف ويُقبل الشباب على بناء الأسرة. بمعنى آخر؛ السبب الاقتصادي سهل العلاج، وبمعالجته يتلاشى المشكل. غير أننا في مشكل مركب، والأسباب الأخرى في تقديرنا هي الأقوى في إنتاج ظاهرة «العزوف عن حلم بناء أسرة»، الذي تربَّت عليه الأجيال، خصوصاً في مجتمعاتنا، أي ما زالت الأسرة تتمتع بمخيال إيجابي رغم شبه انقراض لشكل «الأسرة الممتدة» لمصلحة «الأسرة النواة». وإذا كان قد بدأ أفول «الأسرة الممتدة» منذ أكثر من نصف قرن، وهي الأسرة التي عمّرت تاريخاً مطولاً، فإن «الأسرة النواة» هي اليوم المهددة بالانحسار، وهو أمر خطير جداً؛ لأن زوال «الأسرة الممتدة» عُوّض بـ«الأسرة النواة» ذات العلاقات الأفقية والقائمة على الشراكة والتواصلية، في حين أن الفردانية (العزوبية إذا جاز التعبير) هي بديل «الأسرة النواة»، وهنا صيحة الفزع، حتى ولو كنا لم نصل بعد إلى حد الفزع، ولكن نَسَق العزوف هو المخيف. يبدو لنا أن الجدير بالتوقف عنده هو تأثير تغير العقليات والثقافة في ازدياد ظاهرة العزوف عن بناء أسرة. ذلك أن «الفردانية»، بما تمثله من ميل للاستقلالية الشخصية وتخليص الذات من مسؤولية الغير، هي مربط الفرس، حيث فُكّ الارتباط بين السعادة والزواج وبناء أسرة، فأصبحت السعادة في الحرية وعدم التقيد بالتزامات الأبوّة والأمومة، وتعويضهما بالاستمتاع بالحياة والسفر والراحة... بل إن بناء أسرة أضحى؛ وفق هذه الثقافة والمقاربة الحداثية للحياة، عملاً شاقاً. ومما زاد في انطفاء جاذبية حلم الأسرة نِسَبُ الطلاق والفشل في الزواج، وصولاً إلى ظاهرة الأعشاش الزوجية الفارغة؛ بسبب تسونامي الهجرة... وغير ذلك؛ أي الأولياء المسنّين الذين يجدون أنفسهم في وحدة قاتلة بعد عمر من العطاء والتضحية، كأنهم لم ينفقوا من صحتهم وأعمارهم من أجل أبناء يؤنسون وحدة الكِبَر. بيت القصيد: ليست الضغوطات الاقتصادية هي المؤدية إلى ظاهرة العزوف عن بناء أسرة؛ بل التغيرات الثقافية، و«الفردانية»، وخيبات الأعشاش الزوجية التي تنتهي فارغة، هي المتسببة في إنتاج أخطر عزوف يمكن أن تعرفه المجتمعات.
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤