“الأصالة والمعاصرة” يكرّس منطق المال ويُمعن في إهانة السياسة ويستعد لتزكية مشرد العائلات بمكناس
مرة أخرى، يثبت حزب الأصالة والمعاصرة أنه لم يغادر أبداً منطقه الأصلي القائم على استقطاب المال والنفوذ بدل الكفاءة والنضال السياسي، وهو يتجه اليوم إلى تزكية رجل الأعمال أنس الأنصاري لخوض الانتخابات التشريعية، في خطوة تعكس بوضوح طبيعة الاختيارات التي تؤطر هذا الحزب.
القرار لا يستند إلى رصيد نضالي أو حضور سياسي ميداني، ولا إلى مشروع مجتمعي واضح، بل إلى معيار وحيد يكاد يكون ثابتاً في مثل هذه الحالات، وهو القدرة المالية، فحزب الأصالة والمعاصرة، الذي يعاني من أزمة تنظيمية خانقة بعد رحيل بعض قياداته، لم يجد ما يسد به هذا الفراغ سوى اللجوء إلى رجال الأعمال، حتى وإن كانت أسماؤهم مثقلة بملفات اجتماعية مثيرة للجدل.
اسم الأنصاري لا يحضر في النقاش العمومي كفاعل سياسي، بل كطرف ارتبط بقضية اجتماعية مؤلمة، تتعلق بمصنع نسيج تسبب في تشريد مئات العمال والعاملات، الذين ما زالوا إلى اليوم يخوضون أشكالاً احتجاجية بحثاً عن حقوقهم، ومع ذلك، لا يبدو أن هذه المعطيات تشكل أي عائق أمام منحه تزكية انتخابية، وكأن معاناة هؤلاء مجرد تفصيل هامشي في حسابات حزب الأصالة والمعاصرة.
هذا الاختيار ليس معزولاً، بل يندرج ضمن نمط متكرر داخل الحزب، الذي راكم خلال السنوات الماضية لائحة طويلة من الأسماء المرتبطة بالمال والأعمال، بعضهم تلاحقهم شبهات، وآخرون وجدوا أنفسهم في قلب متابعات قضائية أو قضايا فساد مالي، بل وحتى ملفات مرتبطة بتجارة المخدرات، ورغم ذلك، استمر الحزب في فتح أبوابه لهم، في ما يشبه سياسة ممنهجة لتحويل العمل السياسي إلى امتداد مباشر لمصالح مالية ضيقة.
في هذا السياق، تتحول التزكية الحزبية من آلية ديمقراطية لاختيار الكفاءات إلى سلعة تُمنح لمن يملك أكثر، بينما يُقصى المناضلون الحقيقيون الذين راكموا سنوات من العمل الميداني دون أن يجدوا لأنفسهم مكاناً داخل هياكل القرار.
الخطير في الأمر أن هذا المنطق لا يسيء فقط إلى صورة حزب الأصالة والمعاصرة، بل يضرب في العمق مصداقية العملية السياسية برمتها، فحين يرى المواطن أن من تسبب في مآسٍ اجتماعية يمكن أن يتحول بسهولة إلى “ممثل للأمة”، فإن الثقة في المؤسسات تتآكل، ويترسخ الإحساس بأن السياسة لم تعد سوى واجهة لتبييض النفوذ والمال.
اختيار من هذا النوع لا يمكن قراءته كحل لأزمة تنظيمية، بل كدليل إضافي على عمقها، حزب عاجز عن إنتاج نخب سياسية من داخله، يلجأ إلى استيراد وجوه جاهزة، ولو كانت محاطة بالجدل، فقط لضمان الحضور الانتخابي.
هذا، ويظل الضحية الأكبر هو المواطن، الذي يجد نفسه مرة أخرى أمام مشهد سياسي يُعاد فيه تدوير نفس الوجوه ونفس الممارسات، دون أي اعتبار للمعايير الأخلاقية أو للمسؤولية الاجتماعية، فهكذا تُختزل السياسة في المال، وتُختزل التزكية في القدرة على الدفع، بينما تتوارى القيم والمبادئ خلف حسابات ضيقة لا علاقة لها بالصالح العام.




