الأوركيد.. أندر نباتات الساحل السوري مهدد بالانقراض
طرطوس – شعبان شاميه
يواجه نبات الأوركيد أو المعروف شعبيًا بـ”السحلب البري” أو “العنطريف” مخاطر الانقراض في طرطوس وعموم مناطق الساحل السوري، إذ دفعت الظروف الاقتصادية الصعبة إلى اقتلاعه بوتيرة غير مسبوقة، وبيعه لتجار يروّجون لجمعه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ظاهرة متسارعة دفعت الجمعيات والناشطين المهتمين بالشأن البيئي لدق ناقوس الخطر، وسط مناشدات لاتخاذ إجراءات عاجلة تحد من جمع الأوركيد البري، إضافة إلى مطالبة الجهات الحكومية بسن قوانين رادعة تحمي النباتات النادرة والتنوع الحيوي.
مجموعات تسويقية على “فيسبوك”
الناشط البيئي الدكتور علي قاسم علي، قال لعنب بلدي، إن هذه الظاهرة تهدد أندر نباتات الطبيعة السورية، مضيفًا أن المشهد صار مألوفًا في مجموعات البيع والشراء على “فيسبوك”، أكياس مليئة بـ”درنات” صغيرة، وأسعار للكيلوغرام الواحد تتراوح بين 30 و60 ألف ليرة سورية قديمة (بين ثلاثة وخمسة دولارات تقريبًا).
هذه “الدرنات”، وفق علي، ليست بذورًا عادية، بل هي جزء من نبات الأوركيد البري النادر، الذي تحول في الأشهر الأخيرة إلى سلعة رائجة تُعرض للبيع علنًا في مناطق مختلفة من الساحل السوري، دون حسيب أو رقيب.
وأشار الناشط البيئي إلى أن هذه الظاهرة ليست بالجديدة، إذ انتشرت في أواخر القرن الماضي حين كان بعض التجار يأتون إلى القرى لجمع “الدرنات” من الأهالي، معتبرًا أن اللافت حاليًا عودتها بشكل أوسع وأخطر، الأمر الذي عززته الظروف الاقتصادية الصعبة للسكان، والدور السلبي الذي تلعبه مواقع التواصل.
تتركز الظاهرة، بحسب علي، في ريف اللاذقية الشمالي وجبلة وصولًا إلى مناطق الشيخ بدر والقدموس وبانياس بريف طرطوس، إذ يتجه بعض الأهالي إلى الأحراج والغابات لاقتلاع النبتة من جذورها، بحثًا عن “الدرنة” التي تشبه حبة بطاطا صغيرة، ليقوموا بجمع “الدرنات” ومن ثم إتلاف بقية النبات.
ويقوم تجار محليون بجمع هذه “الدرنات”، بحسب الناشط البيئي، وتُجفف وتُطحن لتصبح مسحوقًا جاهزًا، يبيعونه بدورهم إلى دول الجوار، إذ تدخل في صناعات غذائية متعددة أهمها مشروب “السحلب” وأنواع شهيرة من “البوظة” التقليدية، التي تمنحها “درنات السحلب” قوامًا سميكًا ومميزًا.
ناشطون يحذرون من مخاطر الانقراض
القلق، بحسب الناشط البيئي علي، يكمن في التفاصيل، إذ إن “درنة” الأوركيد صغيرة جدًا، لا يتجاوز وزنها بضعة غرامات، ما يعني أن الحصول على كيلوغرام واحد قد يتطلّب اقتلاع ما بين 150 و300 نبتة من الطبيعة، معتبرًا أن هذا الرقم وحده يكشف حجم الخطر الذي يواجهه هذا النبات النادر.
وأوضح علي أن الأوركيد ليس نباتًا عاديًا ينمو بسرعة، بل شديد الحساسية وبطيء النمو، ويعتمد على علاقة دقيقة مع فطريات في التربة تساعده على البقاء.
وأكد الناشط البيئي أن وجود الأوركيد في الأحراج يشكل جزءًا مهمًا من التوازن البيئي، ويرتبط بعلاقات معقدة مع الحشرات الملقحة والكائنات الحية، وبالتالي أي اضطراب بسيط في بيئته يؤدي إلى اختفائه بالكامل.
ولفت إلى أن بذور الأوركيد البري تحتاج إلى فترة قد تمتد من أربع إلى ثماني سنوات لتكوين نبات جديد قادر على الإزهار، وهذا يعني أن ما يُقتلع اليوم تحتاج الطبيعة إلى سنوات طويلة لتعويضه.
البيئة السورية موطن للأوركيد
تزداد أهمية هذا النبات في سوريا، باعتبارها موطنًا لعدد كبير من أنواع الأوركيد البري المعروف بتنوع أشكاله وألوانه. بعض هذه الأنواع نادر جدًا، بل يقتصر وجوده على مناطق محددة في سوريا دون غيرها من دول العالم.
بدورها، قالت العضو المؤسس في جمعية “سنديان لحماية البيئة والتنمية المستدامة” الدكتورة هبة سلهب، لعنب بلدي، إن الجمعية تتابع بقلق المنشورات المتزايدة الخاصة ببيع نباتات الأوركيد، والترويج لجمعها على مواقع التواصل، معتبرة أن الظاهرة تنتشر بشكل استدعى دق ناقوس خطر انقراض هذه الأنواع المهمة من البراري السورية.

زهرة الأوركيد البري (Orchis italica) من قرى صافيتا بريف طرطوس والتي تعد أكثر الأنواع تعرّضًا لخطر الانقراض – 17 آذار 2026 (الناشط البيئي علي قاسم علي)
إدانات ومطالبات
الدكتورة سلهب قالت إن موقف جمعية “سنديان” بالتنبيه من خطر هذه الظاهرة وإدانتها، يأتي انطلاقًا من أهدافها التي تؤكد استدامة الموارد الطبيعية بمختلف أشكالها، وأن لكل نبات دوره المهم في الطبيعة، خاصة في ظل الوضع الهش للحراج السورية التي عانت على مر السنوات السابقة من حرائق كارثية وقطوعات متواصلة، وحاجتها إلى الحماية والرعاية وعدم تحملها أي نوع من أنواع الاستثمار.
ولفتت سلهب إلى رصد مئات المنشورات يوميًا التي تروّج لجمع “درنات” الأوركيد وبيعها مقابل أسعار متفاوتة على مواقع التواصل، وهي بكل الأحوال أقل بكثير من الأسعار العالمية، داعية إلى وقف هذه الظاهرة، إذ إن أعداد هذه الأنواع في بيئتنا لن تصمد مقابل ضغط الجمع الممارس عليها، وهذا الترويج الهائل لها.
وبحسب سلهب، إذا قام شخص واحد في كل قرية بجمع الأوركيد في منطقته، فمن المرجح أن يتم القضاء على هذه النباتات نهائيًا خلال السنوات القليلة المقبلة.
وأشارت المسؤولة العلمية في جمعية “سنديان”، إلى أن البراري السورية شهدت حوادث مماثلة بأنواع كانت منتشرة في بيئتنا بشكل أوسع بكثير من الأوركيدات، لكن الجمع الجائر أدى إلى تراجعها مثل نبات الزعتر البري، إضافة إلى ما شهدناه خلال السنوات الماضية وهو مستمر حتى الآن من قطع جائر لأشجار السنديان التي تعد أساس حراجنا.
وتطالب الجمعية، وفق سلهب، الجهات الحكومية المعنية بالعمل على حماية هذه الأنواع النادرة ونشر التوعية حولها وحول أهميتها، ورصد حالات الجمع الجائر لها، والتأكيد على القوانين التي تحمي هذه الأنواع.
كما تدعو للاستفادة من الدراسات الأكاديمية التي تناولت نباتات الأوركيد، وتقديم التسهيلات لإجراء دراسات لاحقة ولأنواع مختلفة، إضافة إلى إجراء دراسات على استزراعها من قبل مختصين وبشكل محدود، أو إدخال أهم أنواع الأوركيد الاقتصادية المستزرعة عالميًا ضمن خطة الزراعة، في حال كانت مناسبة لظروف بيئتنا.
وتقوم “سنديان”، بحسب المسؤولة العلمية، بالتعريف بأهم الأنواع الطبيعية التي تزخر بها البيئة السورية وضرورة حمايتها، ورصد التعديات والخطر الذي تتعرض له.
أسباب معيشية
مدير فرع هيئة إدارة وحماية أملاك الدولة والحراج في طرطوس، مضر حرفوش، قال لعنب بلدي، إن الأوركيد (السحلب أو العنطريف) من النباتات النادرة، وهو مدرج ضمن القائمة الأولية للأنواع المهددة والمتدهورة الصادرة عن وزارة الزراعة السورية في أيلول 2024.
وعزا حرفوش أسباب تفاقم انتشار هذه الظاهرة إلى الظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها سكان الريف، مما يضع الجميع أمام مسؤولية منعها.
وكشف عن توجيه عناصر الضابطة الحرجية لاتخاذ ما يلزم لقمع هذه الظاهرة، مبينًا أن دائرة الحراج تقوم عبر عناصرها الفاعلة في جميع المناطق بأنشطة توعوية مستمرة هدفها الحفاظ على الأنواع النادرة والمهددة بالانقراض، والتعريف بأهميتها ودورها البيئي الكبير، وخطر الجني الجائر لها مما قد يؤدي إلى انقراضها.
وأوضح حرفوش أن قانون الحراج رقم “39” لعام 2023 شدد على ضرورة حماية الأنواع الحرجية النادرة والمهددة بالانقراض، مؤكدًا أن دائرة الحراج ستقوم بملاحقة المخالفين تطبيقًا لقانون الحراج وتعليماته التنفيذية.




