... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
192270 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8693 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

الأورام في ليبيا محنة وطن

العالم
صحيفة الموقف الليبي
2026/04/14 - 17:45 501 مشاهدة

بقلم/ د. علي المبروك أبوقرين

لم تعد الأورام في بلادنا مجرد تحد صحي، للأسف أصبحت وجعًا يوميًا ينهش أجساد الناس بصمت، ويهز ما تبقى من توازن في حياة الأسر، ويكشف بوضوح مؤلم حجم الفراغ الذي تركه غياب نظام صحي حقيقي. لم تعد الحكاية حالات فردية، إنه مشهد عام مؤلم يتكرر في كل بيت تقريبًا، حيث لا تكاد أسرة إلا وقد مر بها هذا الألم، أو تخشى قدومه.

والمأساة ليست في المرض وحده إنما في الطريق إليه وفي الطريق معه وفي الطريق بعده. وفي بلاد تملك الإمكانيات، يُكتشف المرض متأخرًا، ليس لأن العلم عاجز، لأن أدوات الاكتشاف المبكر غائبة، ولأن الوقاية ليست أولوية، ولأن التوعية الصحية شبه منعدمة، وكأن المجتمع يُترك ليواجه مصيره دون إنذار. تتفاقم الحالات بصمت، وتتحول من بدايات قابلة للعلاج إلى مراحل معقدة، فقط لأن النظام لم يكن حاضرًا في اللحظة التي كان يمكن فيها أن يُنقذ. ثم تبدأ رحلة التشخيص، رحلة لا تقل قسوة عن المرض نفسه.

من مختبرات عامة محدودة، إلى بحث مضن عن تحاليل متخصصة، إلى تنقل بين أجهزة غير مكتملة أو غير متوفرة، وإلى انتظار طويل، وإلى نتائج غير حاسمة أحيانًا، وإلى إعادة الفحوصات، وإلى المزيد من التأخير، حتى يصبح الزمن نفسه خصمًا للمريض. وفي أمراض مثل الأورام الزمن ليس عاملًا محايدًا، هو الفارق بين فرصة حياة وحكم قاس. وحين يصل المريض إلى لحظة العلاج أو هكذا يضن أو يأمل، يكتشف الحقيقة الأكثر إيلامًا لا وجود لمنظومة متكاملة، ولا وجود لمراكز متخصصة حقيقية، ولا فرق طبية متكاملة وكفؤة، ولا مسارات واضحة ولا تنسيق ولا استمرارية.

أطباء قلائل جدا جدا وتخصصات نادرة غير موجودة، وكوادر مثقلة أو غير متوفرة بالمطلق، وغياب شبه كامل للرعاية العلاجية والتلطيفية والتأهيلية، وافتقار واضح للمتابعة الدقيقة والخطط العلاجية المتكاملة. أما التقنيات الحديثة من الأشعة المتقدمة، إلى العلاج الإشعاعي الدقيق، إلى الجراحات المتقدمة، إلى الطب النووي فإما غير موجودة وهذا الغالب ، أو غير مكتملة، أو لا تعمل ضمن منظومة متكاملة.

وهنا يُترك المريض وحيدًا في مواجهة منظومة غير موجودة. فيتجه إلى القطاع الخاص، لا خيارًا إنما اضطرارًا، وهناك تبدأ معاناة من نوع آخر خدمات متفرقة، وغير متخصصة بشكل كاف، وباهظة التكاليف على عوارها، بدون رقابة حقيقية، ودون مسارات علاجية واضحة، حيث يتحول المريض دون قصد منه إلى محور شبكة من المصالح، تتغذى على ألمه، وتُراكم حوله الفواتير، وتدفعه إلى إجراءات قد لا تكون دائمًا في توقيتها أو ضرورتها المثلى. وحين تضيق السبل في الداخل، تُفتح أبواب الخارج لكنها ليست أبواب نجاة بقدر ما هي امتداد للمعاناة.

رحلات علاجية مرهقة، ومؤسسات متفاوتة الإمكانيات، وغياب المتابعة المؤسسية الحقيقية، وانقطاع في تسلسل الرعاية، واستنزاف مالي هائل، حيث تُنفق الأموال بلا نظام يضمن الجودة أو الاستمرارية أو النتائج، فيتحول الأمل إلى عبء إضافي، وتُستنزف الأسرة جسديًا ونفسيًا وماليًا، دون يقين. وفي قلب كل هذا يغيب ما هو أبسط وأهم هو الإنسان. يغيب كحق وكقضية وكأولوية.

ويتحول إلى رقم وإلى حالة وإلى فاتورة، وإلى مسار معلق بين مرافق لا تتكامل. إن ما يحدث ليس مجرد قصور، فهو انهيار في الفلسفة التي يجب أن يقوم عليها النظام الصحي. فالأورام ليست مرضًا يُعالج بجهاز أو دواء فقط، هو منظومة كاملة تبدأ من الوقاية والتوعية والكشف المبكر، ثم التشخيص الدقيق تجهيزات وكفاءات متخصصة، والعلاج المتكامل العالي الجودة والاستشاريين المؤهلين والمجازين من أعلى الجامعات والمراكز الطبية المتخصصة العالمية والأدوية الحديثة والاصلية ومن مصادرها والمحتكرة حكوميا فقط والرعاية التلطيفية والتأهيلية بمراكز متخصصة في ذلك وتجهيزات متطورة وكوادر متخصصة ومؤهلة والمتابعة طويلة الأمد. كل حلقة مفقودة تعني ألمًا مضاعفًا. وكل تأخير قد يعني حياة تُفقد.

والمأساة الأكبر أن هذا كله يحدث في دولة ليست فقيرة، ولا عاجزة وتملك من الموارد ما يكفي لبناء واحد من أفضل الأنظمة الصحية في المنطقة والعالم العربي ، لو توفرت الإرادة، واستُعيدت الإدارة، ووُضعت الأولويات في مكانها الصحيح. إن مرضى الأورام في بلادنا لا يطلبون المستحيل. يطلبون نظامًا يراهم ويحميهم ويرافقهم، ولا يتركهم.

ويطلبون أن لا يكون المرض حكمًا بالفقر والمتاجرة فيهم، ولا رحلة العلاج مسارًا للضياع، ولا الأمل تجارة وتوسيق ودعاية. هذه ليست قضية طبية فقط إنما قضية عدالة وكرامة وحق في الحياة. وإن لم تُسمع هذه الصرخة اليوم. فإنها ستتكرر غدًا بصوت أعلى، لأن الألم حين يُهمل لا يختفي، بل يتسع. وهذه صرخة لا تُكتب بالحبر إنما تُكتب بوجع الناس، وبأجساد أنهكتها الأورام، وبأسر أنهكها الانتظار والإنفاق من القوت والمداخيل والمدخرات، وبأحلام انكسرت على أبواب نظام لم يكن هناك حين احتاجوه. ولعلها تكون بداية صحوة، قبل أن يصبح الصمت شريكا في المأساة.

The post الأورام في ليبيا محنة وطن appeared first on الموقف الليبي.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤