الأطراف الليبية لم تتعلم من الدروس السابقة بسبب الانسداد السياسي، واللعبة السياسية تتطلب الكثير من المرونة والقبول باختيارات الشعب، كما أن التعنت والتمسك بكرسي السلطة لا يمكن إلا أن يقود للحرب أو الفوضى. فمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، كلاهما يتمسكان بالسلطة، ولا يفكران بشكل واضح في المساهمة في تغيير الوضع الراهن، رغم محاولاتهما البائسة وغير الجادة في إقرار قوانين انتخابية أو اتفاقات بينهما، تجد من العراقيل ما يفوق أي قدرة على تجاوزها في غياب إرادة حقيقية.

المجلسان أصابهما التكلس، وأصبحا جزءا كبيرا من المشكلة السياسية في ليبيا، حيث أدى تشبثهما بالسلطة إلى تعميق حالة الانقسام، وإلى المزيد من تشبث السلطة التشريعية، وهذا ساهم في انقسام السلطة التنفيذية، ووصل الأمر حد انقسام السلطة القضائية.
وقد استطاع المجلس الأعلى للدولة الذي جاء إلى السلطة في عام 2012، ومجلس النواب الذي تشكل في عام 2014، استطاعا أن يعملا على البقاء في السلطة معا، ما جعلهما يكوّنان ثنائية نادرة في كيفية الاستفادة من وجود الخصم لإطالة البقاء في السلطة، ولم تنفع أي جهود سياسية محلية أو دولية في إقناع أي منهما بتسليم السلطة لهيئات جديدة منتخبة.
وعلى مستوى مجلس النواب الليبي، عبر أعضاء في المجلس عن رفضهم للانفراد بقرارات مجلس النواب من قبل رئاسة المجلس، وسط الخلافات الحادة حول حدود الصلاحيات، وإخفاق رئاسة المجلس في توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف للاستحقاق الانتخابي، كما أن هناك ظاهرة التجاوزات المتمثلة في ممارسة اختصاصات خارج الإطار القانوني، والتحدث باسم المجلس دون تفويض من إرادته الجماعية.
ولا يمكن إغفال حالة عدم الاستقرار في غرب ليبيا، وسيطرة مجموعات مسلحة، على عدة مدن، تقول إنها تتبع الشرعية، وتفرض نفوذا على عدة مؤسسات، ويساهم بعضها في حماية الجريمة المنظمة، وانتهاك حقوق الإنسان، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ما دفع بالمحكمة الجنائية الدولية لتوجيه اتهامات لبعض قادة هذه المجموعات، وطالبت بتسليمهم للمحكمة.
حالة الانسداد السياسي هذه، ساهمت في انتشار الفساد في البلاد، وخلقت مجموعات مصالح، تتحالف ضد مصالح الدولة، في سبيل تحقيق أكبر مكاسب مالية بأسرع وقت ممكن، ما أدى إلى انخفاض قيمة الدينار الليبي أمام العملات الدولية، وانهيار القدرة الشرائية لنسبة كبيرة من المواطنين.









