الانقسامات في صفوف “قسد” تهديد لإتمام تنفيذ اتفاق الدمج
منذ الإعلان عن توقيع الاتفاق الشامل بين الحكومة السورية وتنظيم “قسد” في 29 كانون الثاني، والبدء بتنفيذ بنوده بعد أيام قليلة، يؤكد مسؤولو كلا الجانبين أن عملية التنفيذ مستمرة. لكن ما يجري على الأرض من انتهاكات وممارسات يقوم بها فريق من “قسد” لم يرق له الاتفاق، يجعل من مسار عملية التنفيذ هشاً وبطيئاً وغير مطمئن.
ويبدو أن السبب الرئيسي في عدم الالتزام الكامل من “قسد” عملية التنفيذ واستمرار الانتهاكات من فريق فيه، سببه الرئيس البنية الفعلية للتنظيم المكونة من قيادات وعناصر سورية كردية راضية بالاتفاق، وأخرى من “حزب العمال الكردستاني” تهيمن على القرار الأمني والعسكري، ورأت في الاتفاق خسارة لنفوذ الحزب الإقليمي، وفقداناً لمصادر تمويل، الأمر الذي جعلها غير متحمسة لتطبيق الاتفاق فعلياً، وتعمل على عرقلة تنفيذه.
بنود الاتفاق الذي ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لما تسمى “الإدارة الذاتية” الكردية في شمال وشمال شرق البلاد في الحكومة، تنص بشكل واضح، على أنه ومع إتمام تنفيذ عملية الدمج لن يبقى في شمال وشمال شرق البلاد، شيء اسمه “الإدارة الذاتية” التي أنشأتها أحزاب كردية خلال سنوات الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد البائد، غير أن تصريحات يطلقها مسؤولون في “قسد” وواجهتها السياسية المتمثلة بـمجلس سوريا الديمقراطية “مسد” تدل على تمسكهم ببقاء “الإدارة الذاتية”، ومن بينها ما أدلت به الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في تلك «الإدارة»، إلهام أحمد، في ميونيخ في شباط الماضي، بأنه لا يوجد نص صريح في الاتفاق يقضي بحل مؤسسات “الإدارة الذاتية”، وقولها: إن المباحثات تجري حول إعادة ترتيب المؤسسات ضمن إطار “لا مركزي” داخل الدولة السورية، بما يحافظ على دورها الخدمي والإداري.

وقد أكدت تصريحات أحمد الهلالي المتحدث باسم الفريق الرئاسي المشرف على تنفيذ الاتفاق في اليومين الماضيين، ما نص عليه الاتفاق بقوله إنه عند إتمام عملية دمج المؤسسات في شمال البلاد بالحكومة لن يكون هناك “إدارة ذاتية”، ولا قوات “أسايش”، ولا كيانات موازية ولا “كانتونات”.
وبينما تؤكد المراسيم والقرارات الرئاسية، التي كان أبرزها المرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، ونص على منح الجنسية للمواطنين الأكراد المحرومين منها والمقيمين على الأراضي السورية، وعدّ “عيد النوروز”، الذي يحتفل به الأكراد، عطلة رسمية، واللغة الكردية «لغة وطنية»، على انفتاح القيادة السورية وكل السلطات الحكومية عليهم ومد يدها لهم للمشاركة في بناء سوريا الجديدة، إلا أن بعضهم يستمر في القيام بانتهاكات وممارسات تسيء إلى الدولة ورموزها الوطنية، كما حصل السبت الماضي من إساءة إلى علم الدولة في مدينة عين العرب بريف حلب الشرقي، ما يشير إلى وجود احتقان لدى بعض الكرد، قد يؤدي استمراره إلى عرقلة تنفيذ الاتّفاق.
ورغم البدء بتنفيذ بند الاتفاق المتعلق بالإفراج عن المعتقلين لدى الجانبين، فإن هذا الملف يشكل هاجساً كبيراً لدى الأهالي، الذين يؤكدون أن سجون “قسد” تضم آلاف المعتقلين المدنيين من العرب والكرد، وسط مماطلة في إطلاق سراحهم ومحاولتها الإفراج عن أعداد محدودة بدل تنفيذ الإفراج الشامل، الأمر الذي من شأنه زعزعة الثقة بين الجانبين.
ومما يزيد من الاحتقان الاجتماعي ويؤثر في سير تنفيذ بنود الاتفاق، تشكو الأغلبية العظمى من أهالي المنطقة الشمالية، وخصوصاً في الحسكة وريف دير الزور من عدم التزام “قسد” تنفيذ بنوده، واستمرار التنظيم في عمليات الاعتقال العشوائي ومنع أبناء القبائل والعشائر العربية من العودة إلى قراهم ومنازلهم بعد تهجيرهم قسرياً منها من التنظيم لأكثر من 10 سنوات، علماً أن الحكومة تبدي التزاماً لتنفيذ بنود الاتفاق كافة.
وبينما نص الاتفاق صراحة على إلزام تنظيم “قسد” بإخراج العناصر الأجنبية من شمال شرق سوريا في إشارة إلى عناصر “حزب العمال الكردستاني”، لا يوحي المشهد في المنطقة بتنفيذ هذا البند، ويدل على ذلك رفع مؤيدي الحزب لراياته وصور زعيمه عبد الله أوجلان في تحدٍّ واضح للسلطات الحكومية وللقبائل والعشائر العربية التي تشكل الأغلبية العظمى من سكان المنطقة.
اتفاق 29 كانون الثاني جاء بمبادرة من القيادة السورية، وهدفها الرئيس هو إنهاء الانقسام وتوحيد البلاد، وصحيح أن عملية تنفيذ بنوده جارية، لكن بشكل بطيء وهش، وبمعنى أوضح غير مطمئنة، بسبب انقسام في صفوف “قسد” و”مسد” إزاء تنفيذ الاتفاق بين فريق مؤيد له وآخر رافض بسبب تضرر مصالحه ومكاسبه، الأمر الذي يجعل الغموض سيد الموقف بشأن المدة التي ستستغرقها عملية التنفيذ، وإن كانت ستصل إلى النهاية، أم إن التوترات ستعود للظهور لاحقاً.
الوطن – أسرة التحرير




