... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
154693 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7423 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

الأندلس بين "وهم السرقة" وحقيقة التجزيء في السردية التاريخية الحديثة

العالم
هسبريس
2026/04/12 - 04:00 501 مشاهدة

يتناول هذا المقال إشكالية ما يُتداول حول “سرقة” تاريخ الأندلس من المغرب، من خلال تفكيك هذا الطرح وإعادة تركيبه ضمن مقاربة تاريخية نقدية عقلانية خلدونية. ويخلص إلى أن الإشكال لا يتعلق بسرقة بالمعنى الحرفي، بل بعملية تجزيء وانتقائية في السرد التاريخي الحديث، أدت إلى فصل غير علمي وغير منطقي بين فضاء حضاري كان موحدًا لقرون ضمن ما يُعرف بالغرب الإسلامي.

إشكالية المصطلح: بين “السرقة” والتجزيء

يُثير وصف تاريخ الأندلس بأنه “مسروق” إشكالًا منهجيًا، إذ يحمل شحنة خطابية قد تُفضي إلى استبدال تبسيط بآخر. فالمسألة لا تتعلق بسلب تاريخ من طرف إلى آخر، بل بإعادة تشكيله ضمن سرديات حديثة هوياتية وسياسية مأدلجة، خضعت لاعتبارات قومية وأيديولوجية. وعليه، فإن الأدق هو الحديث عن تجزيء تاريخي طال وحدة جغرافية-حضارية كانت قائمة عبر ضفتي المتوسط. فلا يمكن اعتبار الأندلس مجرد امتداد سياسي دائم للمغرب، كما لا يصح فصلها عنه بالكامل. ففي المرحلة الأولى، قامت إمارة قرطبة سنة 756م على يد عبد الرحمن الداخل، ثم تطورت إلى خلافة سنة 929م، واستمرت حتى 1031م. خلال هذه الفترة، كانت الأندلس دولة مستقلة بمركزها السياسي والعلمي في قرطبة.

غير أن هذا الاستقلال لا يعني انقطاع الصلة بالمغرب، بل يؤكد وجود تواصل إنساني حضاري مستمر، تواصلاً لم يبدأ مع وصول الإسلام، بل قبله بكثير، فالتواصل البشري واللغوي كان سائدًا، ولم يكن طارق بن زياد ورفاقه الأمازيغ يجهلون لغات شبه الجزيرة الإيبيرية، لكن هذا موضوع آخر قد نعود إليه في مقال آخر.

أما إذا اقتصرنا على العلاقة بين المغرب والأندلس في ظل الإسلام، فقد تعمقت أكثر على المستوى الفعلي مع صعود دولة المرابطين ثم دولة الموحدين، حيث تحققت وحدة سياسية فعلية شملت المغرب والأندلس ضمن كيان واحد مركزه مراكش، خاصة بعد سقوط طليطلة سنة 1085م واستنجاد ملوك الطوائف بالدول المغربية وسلاطينها. وعليه، فإن العلاقة بين الطرفين لا يمكن فهمها إلا وفق منطق تاريخي مرحلي (عبر مراحل)، لا عبر تعميمات مطلقة غير عقلانية لبناء وتكوين أساطير هواتية.

منطق التبعية: إشكال خاطئ وإجابة مركبة

يُطرح السؤال عمن كان تابعًا لمن بصيغة ثنائية تبسيطية لا تعكس تعقيد الواقع التاريخي. ففي العصر الأموي القرطبي، كانت الأندلس كيانًا مستقلاً، بينما في العصرين المرابطي والموحدي أصبحت أجزاء واسعة منها ضمن دولة مغربية عابرة لضفتي البحر الأبيض المتوسط. فالأدق إذن هو اعتبار الأندلس والمغرب جزءًا من مجال وفضاء حضاري واحد، تعاقبت فيه مراكز السلطة بين قرطبة ومراكش وإشبيلية، وفقًا للتحولات السياسية.

وعليه، فالحضارة الأندلسية لم تكن نتاج طرف واحد، بل ثمرة تفاعل معقد بين مكونات متعددة: عربية، أمازيغية، أندلسية محلية، متوسطية، ويهودية ومسيحية. ومع ذلك، لا يمكن التقليل من الدور المغربي، سواء في البعد العسكري أو العمراني أو الثقافي. كما أن التأثير كان متبادلاً؛ فقد استقبل المغرب موجات من الأندلسيين (مسلمون ويهود)، خاصة بعد سقوط المدن الأندلسية، مما انعكس على مدن مثل فاس وتطوان وشفشاون. ومن الأمثلة الدالة على هذا التداخل أن منبر الكتبية في مراكش صُنع في قرطبة خلال العصر المرابطي، وهو ما يعكس وحدة المجال الحضاري. وكذلك اللغة اليهودية المغربية/الإسبانية (الحاكتية Haketía) التي تشكلت كمزيج بين الإسبانية القروسطية والدارجة المغربية. التفاعل لا يمكن دراسته فقط من وجهة نظر التاريخ السياسي والعسكري، بل أيضًا من وجهة نظر التاريخ الاجتماعي والثقافي والديني واللغوي، كما هو الحال.

حركة الفكر والبشر: وحدة تجاوزت السرديات التاريخانية الحديثة

لم تكن العلاقة بين المغرب والأندلس أحادية الاتجاه، بل قامت منذ العصور القديمة على حركة مستمرة في الاتجاهين. فقد شهدت فاس منذ القرن التاسع ميلاديًا هجرة جماعات أندلسية، كما أصبح المغرب لاحقًا ملجأً للأندلسيين بعد سقوط الأندلس. هذا التبادل البشري يعزز فكرة أن الحديث عن “تاريخ مغربي” أو “تاريخ أندلسي” منفصل هو اختزال غير دقيق.

يرتبط تجزيء تاريخ الأندلس إلى حدٍّ كبير بسياق تشكّل الدولة الوطنية الحديثة، التي أعادت بناء الماضي بما يخدم تصوراتها الهوياتية والسياسية. ففي هذا الإطار، أُعيدت صياغة تاريخ الأندلس ضمن سرديات متباينة، اتسمت غالبًا بالانتقائية والاختزال. ففي السياق الإسباني، يُدرَّس تاريخ الأندلس في الغالب ضمن سردية «الاسترداد»، وهو ما يؤدي إلى عزله عن امتداده المغاربي وإدماجه في مسار تاريخي داخلي لشبه الجزيرة الإيبيرية. وهذا هو طرح سانتشيث ألبورنوث الذي يعتبر تاريخ الأندلس تاريخًا خارجيًا، في حين يعتبر أمريكو كاسترو أن تاريخ الأندلس تاريخ إسباني محض لا علاقة له بغيره. أما في كثير من الكتابات العربية، فيتم ربط الأندلس بالمشرق الأموي بوصفه مركز الشرعية السياسية والثقافية، مع إغفال في كثير من الأحيان لعمقها المغاربي وتفاعلاتها مع المجال المغاربي عمومًا. كما أن المغرب نفسه ليس بمنأى عن هذا التمطيط، ففي سياق الكتابات المغربية ذاتها، يلاحظ في كثير من الأحيان، إن لم نقل دائمًا، وجود فصل منهجي بين «تاريخ المغرب» و«تاريخ الأندلس» في المناهج التعليمية، رغم ما تكشفه المعطيات التاريخية من تداخل بنيوي ووظيفي بين المجالين كما ذكرنا سابقًا. وعليه، فإن ما يُعبَّر عنه أحيانًا بـ«سرقة» تاريخ الأندلس لا يعدو أن يكون توصيفًا مجازيًا لعملية أعمق، تتمثل في تجزيء منهجي لسردية تاريخية كانت، في أصلها، متصلة ومعقدة ومتشابكة.

إشكالية المصطلحات: بين الفكر والتاريخ

تُستعمل في بعض الكتابات تعبيرات من قبيل «الأندلس الرئة الثانية للإمبراطورية المغربية»، وهي صيغ ذات طابع بلاغي يمكن تفهّمها في السياق الخطابي، لكنها لا تستجيب لمتطلبات الدقة الاصطلاحية في البحث التاريخي. فمثل هذه العبارات تنطوي على إسقاطات حديثة، تستحضر مفاهيم الدولة الوطنية وحدودها السياسية في سياقات تاريخية مغايرة. لذلك، يبدو من الأنسب اعتماد مفاهيم تحليلية أكثر ضبطًا، من قبيل: «المجال المغربي-الأندلسي»، و«الغرب الإسلامي»، و«الدول العابرة للمتوسط»، لما تتيحه من قدرة على استيعاب الطبيعة المركبة للعلاقات السياسية والحضارية في تلك المرحلة، دون الوقوع في تبسيطات اختزالية.

وفي هذا الإطار، فإن تجاوز التجزيء الذي طبع السرديات الحديثة يقتضي تبني مقاربة علمية متعددة الأبعاد، تقوم أولاً على نقد السرديات الثنائية التبسيطية التي تفصل بين المغرب والأندلس أو تدمجهما بشكل مطلق. كما يستدعي الأمر اعتماد تقسيم مرحلي واضح للتاريخ، يميز بين الفترات المختلفة، من المرحلة الأموية القرطبية، مرورًا بمرحلة ملوك الطوائف، ثم مرحلة الوحدة السياسية في عهد المرابطين والموحدين، وصولاً إلى مرحلة غرناطة وما بعدها. وإلى جانب ذلك، ينبغي إبراز دينامية التفاعل المتبادل بين العدوتين في مختلف المجالات، من عسكرية وثقافية وعمرانية واقتصادية دون أن ننسى العامل البشري الأنثروبولوجي، بما يعكس واقع التشابك التاريخي. وأخيرًا، يظل من الضروري الالتزام بلغة تحليلية دقيقة وصفية وتحليلية، قادرة على نقل هذا التعقيد دون الوقوع في الأحكام التبسيطية أو الإسقاطات المعاصرة ذات الأبعاد السياسية والأيديولوجية.

وختامًا، لا يمكن القول إن تاريخ الأندلس “سُرق” من المغرب بالمعنى الحرفي، كما لا يمكن إنكار أن هذا التاريخ قد تعرض لتجزيء أضعف فهمه في السرديات الحديثة. إن الحقيقة التاريخية الأمتن تتمثل في أن الأندلس والمغرب شكّلا، لقرون طويلة، فضاءً حضاريًا واحدًا، لا يُفهم أحدهما دون الآخر.

نعم، هناك ظلمٌ وقع حين جرى فصل الأندلس عن عمقها المغربي والمغاربي في كثير من السرديات الحديثة. لكن التصحيح لا يكون بادعاء أن الأندلس كلها كانت دائمًا “تابعة للمغرب”، بل بإثبات أن تاريخ الأندلس لا يُفهم أصلًا من دون المغرب، كما أن تاريخ المغرب الوسيط لا يكتمل من دون الأندلس. الحقيقة الأقوى من الشعار هي أن كليهما كانا، قرونًا طويلة، قلبًا واحدًا للغرب الإسلامي.

ليس أخطر على الذاكرة من النسيان المتعمد، ولا أشد قسوة على التاريخ من التقطيع الانتقائي. هكذا جرى التعامل مع الأندلس: فصلٌ تعسفي بين ضفتين كانتا، لقرون طويلة، قلبًا واحدًا ينبض بالحضارة، اسمه الغرب الإسلامي. فكيف تحوّل تاريخ مشترك إلى حكايتين منفصلتين؟ ومن المستفيد من هذا التجزيء؟

حين نُطق اسم الأندلس في الوعي الحديث، جرى حصرها داخل حدود الجغرافيا الأوروبية، وكأنها تجربة محلية عابرة في تاريخ إسبانيا. وفي المقابل، جرى تقديم تاريخ المغرب وكأنه تطوّر في عزلة، منفصلاً عن تلك الأرض التي عبرت إليها الجيوش، ومنها جاءت العلوم، وإليها امتدت الدولة. هكذا وُلد وهمٌ مزدوج: أندلس بلا مغرب، ومغرب بلا أندلس.

لكن الحقيقة، كما يشهد بها التاريخ، أكثر عمقًا وتعقيدًا. إن الأندلس لم تكن يومًا جزيرة معزولة، ولا كان المغرب هامشًا في قصتها. منذ البدايات، كان العبور متبادلاً: جيوش تعبر من المغرب إلى الأندلس، وعلماء وحرفيون وتجار ينتقلون في الاتجاهين، ينسجون فضاءً حضاريًا مشتركًا. ثم جاءت لحظة التحول الكبرى، حين لم تعد العلاقة مجرد تواصل، بل أصبحت وحدة سياسية فعلية في عهد المرابطين ثم الموحدين. عندها لم تعد الأندلس “خارج” المغرب، بل صارت امتداده الطبيعي عبر البحر، كما صار المغرب عمقها الاستراتيجي.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذا التاريخ في شعار بسيط. فقبل تلك الوحدة، كانت الأندلس دولة قائمة بذاتها، بمركزها في قرطبة، تقودها الخلافة الأموية، وتنتج نموذجها الخاص من الحكم والثقافة. وبعدها، ستدخل مرحلة أخرى مختلفة، حتى سقوط غرناطة. إن محاولة اختزال هذا المسار الطويل في عبارة واحدة – سواء كانت “الأندلس مغربية بالكامل” أو “الأندلس أوروبية خالصة” – ليست سوى تبسيط يقتل الحقيقة.

الحقيقة الأعمق هي أن الحضارة التي ازدهرت هناك لم يصنعها طرف واحد. إنها ثمرة تفاعل حيّ بين العربي والأمازيغي والأندلسي المحلي، بين المسلم والمسيحي واليهودي، بين إفريقيا وأوروبا. حضارة لا تُفهم إلا بوصفها شبكة معقدة من العلاقات، لا كملكية حصرية لأي طرف.

فلماذا إذن جرى هذا التجزيء؟

الجواب يكمن في طريقة كتابة التاريخ الحديثة. فمع نشوء الدول القومية، صار كل طرف يعيد صياغة الماضي بما يخدم حاضره ويؤسس لفردانيته ويبني هويته الخاصة والمغايرة لغيرها. إسبانيا الحديثة تبنّت الأندلس كمرحلة ضمن سردية “الاسترداد”، والعالم العربي – في كثير من الأحيان – أعاد ربطها بالمشرق العربي أكثر من ربطها بعمقها المغاربي التعددي. أما في المغرب، فقد بقي هذا التاريخ حاضرًا في الوجدان، لكنه لم يُدمج دائمًا بما يكفي في السردية التعليمية الرسمية، التي فصلت بين “تاريخ المغرب” و”تاريخ الأندلس” كما لو كانا عالمين منفصلين.

وهنا يكمن الخلل الحقيقي: ليس في “سرقة” التاريخ فقط، بل في تجزئته.

لقد قُطعت أوصال قصة واحدة، ففقدت معناها الكامل. لم يعد الطالب يرى كيف كانت مراكش وقرطبة وإشبيلية تشكل مثلثًا حضاريًا واحدًا. لم يعد يدرك أن سقوط مدينة في الأندلس كان يرتد صداه في فاس ومراكش، وأن هزيمة هناك كانت تعني تهديدًا هنا. لم يعد يُدرَّس أن البحر لم يكن حدًا فاصلًا، بل جسرًا يربط عالمين في وحدة تاريخية.

استرداد التاريخ المشترك

ليس بإطلاق شعارات عاطفية وخدمات هوياتية مأدلجة، ولا بادعاء امتلاك صك حصري للماضي، بل بإعادة بناء السردية على أسس علمية دقيقة. نحتاج إلى تاريخ يُدرّس المراحل كما هي: أندلس أموية مستقلة، ثم أندلس الطوائف، ثم وحدة مغربية-أندلسية في عهد المرابطين والموحدين، ثم مرحلة الانحسار والانتقال. نحتاج إلى إبراز التفاعل، لا الفصل؛ إلى فهم الحركة، لا ترسيم الحدود. نحتاج قبل كل شيء إلى الاعتراف بأن هذا التاريخ هو وثائقيًا وعلميًا ومنطقيًا مشترك، وأن قوته تكمن في هذا الاشتراك.

فالأندلس، بعيدًا عن رومانسية غالب الكتابات العربية، ليست مجرد ذكرى ولا فردوسًا مفقودًا يتغنى به الشعراء والأدباء، ولا المغرب مجرد شاهد بعيد، كما أنه لم يكن دائمًا جزيرة معزولة، قد يكون كذلك في استقلاليته عن الأمويين والعباسيين والعثمانيين وقد يكون مختلفًا في نمط حكمه وحكامه عبر العصور، لكنه لم يكن معزولاً. كما أن الأندلس والمغرب كلاهما كان، في مرحلة معينة من التاريخ ولقرون طويلة، جزءًا من نسيج واحد، تشكّل على ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وتغذّى من تعدده، وازدهر بوحدته في إطار الوحدة المتعددة. وهكذا كان حتى قبل دخول الإسلام إلى المغرب والأندلس، هذا التواصل البشري واللغوي بين الضفتين هو ما سهل فتح الأندلس الذي لم يستغرق إلا عشر سنوات تقريبًا، في حين استغرق فتح المغرب الكبير أكثر من نصف قرن.

وعليه، فإذا كان هذا التاريخ قد جرى تجزيئه في بعض الخطابات التاريخية والكتب الدراسية الرسمية، فإن استعادته تبدأ من إعادة وصله في الوعي الجماعي ببناء سردية نقدية منطقية تعتمد على الوصف المحايد للأحداث والواقع، بعيدًا عن الأدلجة الشعبوية والبناءات الهوياتية السياسوية. ولن يتسنى ذلك إلا بقراءة عقلانية خلدونية للنصوص والوثائق التاريخية. التاريخ لا يُستعاد بالبكاء والنواح عليه، بل بفهمه كما كان: معقدًا، متداخلاً، ومشتركًا لا يجابي أحدًا. وهنا فقط، يمكن أن نستعيد قراءة الأندلس لا كأرضٍ ضاعت، بل كحقيقةٍ أُسيء فهمها أو استعمال رمزيتها.

الذكاء الاصطناعي والسردية التاريخية

وعليه، فإن هذا الاسترداد للتاريخ أو على الأقل المساهمة في فهمه وصياغة نصوصه لن يتسنى إلا باعتماد نشر المعلومة والمعرفة الرقمية، ولن تتضح كل هذا إلا إذا علمنا أن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والسردية التاريخية أصبحت علاقة بنيوية، حيث إن إنتاج السرديات المعاصرة لم يعد يعتمد فقط على البحث الأكاديمي التقليدي، بل على ما هو متاح ضمن قواعد البيانات الرقمية وفضاءات الـ Big Data، سواء تعلق الأمر بمراجع علمية رصينة أو بمحتويات مصطنعة وضعيفة التوثيق. وبذلك، فإن الخوارزميات لا تميّز بالضرورة بين “الصحيح” و”المفبرك”، بقدر ما تُعيد تركيب ما هو متداول ومتاح رقميًا.

في هذا السياق، يكتسب القول بأن الكتاب الورقي غير المرقمن كتاب ميت دلالة إبستمولوجية عميقة، لأنه يشير إلى أن المعرفة التي لا تُحوَّل إلى صيغة رقمية قابلة للفهرسة والمعالجة الخوارزمية، تظل خارج دائرة التأثير في إنتاج المعنى المعاصر. وعليه، فإن استمرار الاعتماد على الرصيد الورقي دون رقمنته لا يعني فقط ضعف الانتشار، بل يترتب عنه عمليًا غياب هذا الرصيد من البنية المعرفية التي تُغذي الذكاء الاصطناعي، ويفتح المجال أمام سرديات أخرى، قد تكون أقل دقة، لتحتل موقع الهيمنة بحكم حضورها الرقمي. كما أن المغاربة بكل أطيافهم، رغم عقلانيتهم، شحيحي الكتابة سواء في التاريخ أو غيره، كما أنه يغلب عليهم الانتقاد أكثر من التأسيس للخطاب المعرفي الإيجابي.

في هذا الإطار، يبرز أن الخطر لم يعد محصورًا في أشكال السطو التقليدي على التاريخ، بل يتجلى أساسًا في الفراغ الذي يتركه الفاعل المغربي داخل الفضاء الرقمي، حيث تُعاد اليوم صياغة المعرفة وتُبنى السرديات المؤثرة. ويُفهم من ذلك أن التحولات الجارية تفرض إعادة ترتيب الأولويات داخل الجامعة المغربية، من خلال الانتقال من مركزية الوسيط الورقي إلى الاستثمار في الوسائط البصرية، خاصة الصورة والدراما، بالنظر إلى دورهما المتزايد في تشكيل الوعي التاريخي لدى الجمهور الواسع. كما يتأكد أن الذكاء الاصطناعي، بوصفه أداة لإنتاج المعنى، لا يشتغل بمعزل عن المادة المعرفية المتاحة، بل يعتمد على قواعد بيانات رقمية قائمة؛ الأمر الذي يجعل من ضعف الحضور الأكاديمي المغربي على الإنترنت عاملًا حاسمًا في ترجيح سرديات بديلة، قد تكتسب صفة المرجعية بحكم التداول، حتى في ظل وجود رصيد علمي مهم غير مُرقمن.

*جامعة الأوطونوما بمدريد

The post الأندلس بين "وهم السرقة" وحقيقة التجزيء في السردية التاريخية الحديثة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤