الأمن الغذائي الخليجي في قلب مشروع سكك حديدية سعودي-سوري
يشهد الشرق الأوسط لا سيم في بلاد الشام ودول الخليج في السنوات الأخيرة تزايد الاهتمام بالمشاريع اللوجستية العابرة للحدود التي تستهدف تعزيز التكامل الاقتصادي وتحسين سلاسل الإمداد، ولا سيما في قطاع الغذاء.
وفي هذا السياق، يبرز مقترح إنشاء خط سكة حديد سريع يربط شمال المملكة العربية السعودية بالمدن السورية مروراً بالأردن، بهدف تسريع نقل المنتجات الزراعية الطازجة إلى أسواق الخليج.
ويُنظر إلى المشروع باعتباره أحد الخيارات المطروحة لإعادة تنظيم منظومة الأمن الغذائي في المنطقة، وتقليل الاعتماد على مسارات الشحن البحري الطويلة.
اقرأ أيضاً: كيف تحوّلت أزمة هرمز إلى فرصة وجودية لدمشق؟
مشروع استراتيجي لتشكيل سلاسل الإمداد الزراعي
يقول البروفيسور حسن الدعجة، أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال، لـ”963+” أن مشروع ربط مدينة عرعر شمال المملكة العربية السعودية بالمدن السورية عبر خط سكة حديد سريع ما يزال في إطار التصورات الاستراتيجية قيد الدراسة، ويبدو أقرب إلى فكرة مشروع يجري بحثها منه إلى خطة تنفيذية نهائية.
ويشير الدعجة إلى أن الهدف من المشروع لا يقتصر على النقل فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تنظيم منظومة الأمن الغذائي في منطقة الخليج. ويعتقد أن إنشاء خط بري سريع لتدفق المنتجات الزراعية يمكن أن يسهم في تنويع مصادر الإمداد وتقليل هشاشة سلاسل التوريد العالمية، خاصة في ظل الأزمات الدولية التي تؤثر على حركة التجارة.
ويتابع موضحاً أن المشروع يستفيد أيضاً من التطور الذي شهدته البنية اللوجستية في السعودية خلال السنوات الماضية، إذ تم إنشاء خط سكة حديد يمتد لنحو 1700 كيلومتر وصولاً إلى منطقة الحديثة على الحدود الأردنية.
أما فيما يتعلق بتكلفة المشروع، فيوضح الدعجة أن التقديرات الأولية لممر الغذاء تتراوح بين ملياري دولار وأربعة مليارات دولار، وهو رقم يعتبر أقل نسبياً من تكلفة العديد من مشاريع البنية التحتية الكبرى في المنطقة. لكنه ينبه إلى أن هذه الأرقام قد ترتفع عند احتساب التكاليف غير المباشرة مثل حيازة الأراضي ومتطلبات الأمن وإنشاء المرافق الجمركية وتطوير البنية التحتية الرقمية وربط السكك الحديدية بمناطق الإنتاج الزراعي ومراكز التخزين.
ويرى أن التمويل قد يقوم على نموذج يجمع بين الحكومات المعنية وصناديق الثروة السيادية الخليجية إضافة إلى شركات تشغيل السكك الحديدية والخدمات اللوجستية.
وفيما يتعلق بالقدرة الإنتاجية الزراعية في سوريا، يؤكد ضرورة النظر إلى هذا الجانب بواقعية، موضحاً أن البلاد لا تستطيع حالياً أن تشكل بديلاً كاملاً للأسواق العالمية في مجال الحبوب. ويشير إلى أن إنتاج الحبوب في السنوات الأخيرة تراجع مقارنة بالمعدلات التاريخية، الأمر الذي يجعل القيمة الأساسية للمشروع بالنسبة لدول الخليج تتركز في المنتجات الزراعية الطازجة سريعة التلف مثل الخضراوات والفواكه.
ويتابع موضحاً أن عدداً من المناطق السورية يمكن أن يشكل قاعدة إنتاج رئيسية في هذا السياق، من بينها الساحل السوري الذي يشتهر بزراعة الحمضيات والزراعة المحمية، إضافة إلى مناطق الغاب وحماة وحمص التي تتمتع بقدرات كبيرة في إنتاج الخضراوات والبطاطس.
كما يلفت إلى أهمية ريف دمشق والغوطة في إنتاج الخضراوات والفواكه، فضلاً عن محافظة درعا وبعض مناطق الشمال الغربي التي تضم جزءاً مهماً من الإنتاج البستاني.
ومن الناحية اللوجستية، يشير الدعجة إلى أن نجاح المشروع يعتمد على إدارة فعالة لسلسلة تبريد متكاملة تبدأ من الحقول الزراعية وصولاً إلى الأسواق الخليجية. ويشرح أن ذلك يتطلب إنشاء مراكز فرز وتعبئة قريبة من مناطق الإنتاج، إلى جانب وحدات تبريد مسبق وحاويات مبردة على متن القطارات، إضافة إلى معابر جمركية سريعة ومنصات توزيع في الأردن وشمال السعودية.
كما يلفت إلى أن بعض التطورات الأخيرة في حركة النقل بين سوريا والأردن تشير إلى إمكانية تطوير نموذج أكثر انسيابية لنقل البضائع عبر الحدود، وهو ما قد يسهل تشغيل ممر لوجستي يعتمد على السكك الحديدية. ويضيف أن تجربة السعودية في تشغيل قطارات شحن قادرة على نقل مئات الحاويات في الرحلة الواحدة قد توفر أساساً عملياً يمكن البناء عليه في تطوير هذا المشروع.
ورغم هذه الإمكانات، يؤكد أن المشروع يواجه تحديات متعددة. فسياسياً، يتطلب تنفيذ المشروع وجود تفاهمات مستقرة بين السعودية والأردن وسوريا، إضافة إلى بيئة قانونية واضحة تشجع المستثمرين. أما أمنياً، فإن أي اضطرابات على طول المسار قد تؤثر على كلفة التأمين وثقة الشركات المشاركة في المشروع.
اقتصادياً، يشير إلى أن سوريا ما تزال تواجه تحديات تتعلق بنقص السيولة وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية والنقل، بينما تعاني بيئة الأعمال في الأردن من بعض الصعوبات المرتبطة بالإجراءات الإدارية وكلفة التشغيل.
ويخلص الدعجة إلى أن نجاح المشروع، إذا تحقق، قد يكون له أثر اقتصادي مهم على سوريا، إذ يمكن أن يخلق طلباً مستقراً على المنتجات الزراعية ويشجع على توسيع الزراعة التعاقدية وزيادة الاستثمارات في أنظمة الري والبنية التحتية الزراعية.
اقرأ أيضاً: سوريا والطاقة: السلام المشروط وإعادة تعريف الاستقرار
تعزيز التكامل الاقتصادي في المشرق
من جانبه، يرى محمد فتحي الشريف، رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات، أن مشروع الربط الحديدي بين عرعر والمدن السورية لا يمثل مجرد مشروع نقل تقليدي، بل قد يشكل تحولاً مهماً في طبيعة العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج وبلاد الشام.
ويشير الشريف إلى أن المشروع يسعى إلى نقل العلاقة الاقتصادية بين المنطقتين من مستوى التبادل التجاري المحدود إلى مستوى التكامل الاقتصادي الأوسع. ويوضح أن أحد أبرز أهداف المشروع يتمثل في تقليص الزمن اللازم لنقل المنتجات الزراعية، بحيث تصل المحاصيل من مناطق الإنتاج في حوران وسهل الغاب إلى أسواق الخليج خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، الأمر الذي قد يسهم في تقليل نسبة الفاقد الزراعي بشكل كبير.
كما يلفت إلى أن المشروع يمكن أن يعزز الأمن الغذائي لدول الخليج التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المواد الغذائية من الأسواق العالمية. ويعتقد أن وجود مصدر إمداد قريب ومستقر مثل سوريا قد يقلل من الاعتماد على سلاسل التوريد الدولية المعقدة التي غالباً ما تتعرض للاضطرابات نتيجة الأزمات العالمية.
ويرى الشريف أيضاً أن المشروع يحمل بعداً استراتيجياً أوسع، إذ يمكن أن يسهم في إحياء مسارات التجارة البرية التاريخية في المنطقة وتعزيز الاستقرار السياسي من خلال المصالح الاقتصادية المشتركة بين الدول المشاركة فيه.
وفيما يتعلق بحجم الاستثمارات المتوقعة، يشير الشريف إلى أن مشروع سكك حديدية حديث يجمع بين نقل البضائع وربما الركاب قد يتطلب استثمارات تتراوح بين 15 و25 مليار دولار، وذلك تبعاً لطول المسار والتكنولوجيا المستخدمة.
ويعتقد الشريف أن سوريا تمتلك مقومات زراعية مهمة يمكن أن تدعم نجاح المشروع، خاصة في ظل التنوع المناخي الذي يسمح بالإنتاج الزراعي في معظم فصول السنة. ويشير إلى أن مناطق مثل سهل الغاب وحوران يمكن أن تشكل قاعدة رئيسية لإنتاج الخضراوات والفواكه، بينما تمثل الجزيرة السورية إحدى أهم مناطق إنتاج الحبوب والقطن في حال استقرار الظروف الأمنية.
كما يرى أن المشروع قد يحفز استصلاح مساحات جديدة من الأراضي الزراعية في سوريا ويرفع مستوى الإنتاج لتلبية الطلب المتوقع من الأسواق الخليجية، وهو ما قد يسهم في تنشيط الاقتصاد الريفي وخلق فرص عمل واسعة في القطاع الزراعي.
وعلى الصعيد اللوجستي، يؤكد الشريف أن نجاح المشروع يعتمد بدرجة كبيرة على تطوير منظومة متكاملة لسلاسل التبريد والنقل السريع. كما يرى أن التحول الرقمي في إدارة النقل والوثائق الجمركية يمكن أن يلعب دوراً مهماً في تسهيل حركة البضائع بين الدول الثلاث، من خلال اعتماد وثائق إلكترونية موحدة تقلل زمن الانتظار عند الحدود.
ومع ذلك، يقر الشريف بأن المشروع يواجه تحديات سياسية وأمنية واقتصادية. فبعض العقبات القانونية والعقوبات السابقة على سوريا قد تؤثر في تدفق التمويل الدولي، كما أن ضمان أمن خطوط النقل في بعض المناطق قد يتطلب مستوى عالياً من التنسيق بين الدول المعنية.
اقتصادياً، يشير الشريف إلى أن إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة في سوريا واستقرار سعر الصرف يمثلان عاملين مهمين لنجاح المشروع. ويخلص إلى أن مثل هذه المشاريع الإقليمية يمكن أن تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز التكامل الاقتصادي العربي وفتح آفاق جديدة للتعاون بين دول المنطقة في مجالات التجارة والنقل والتنمية الاقتصادية.
The post الأمن الغذائي الخليجي في قلب مشروع سكك حديدية سعودي-سوري appeared first on 963+.





