الأمم المتحدة: سوريا تحتاج دعماً لضمان استدامة مسار العدالة الانتقالية
نيويورك
أكدت الأمم المتحدة، اليوم الثلاثاء، أن سوريا أحرزت “تقدماً ملحوظاً” في مجال العدالة الانتقالية خلال العام الماضي، ما يعزز الآمال في تحقيق المساءلة والتعافي بعد أكثر من عقد من الحرب، مشددة في الوقت ذاته على أن استمرار هذا المسار يتطلب دعماً دولياً متواصلاً في ظل التحديات الإنسانية والمؤسساتية القائمة.
وأشارت المنظمة إلى أن إصرار السوريين على إعادة بناء بلدهم عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 حظي باعتراف واسع، غير أن خبراء حذروا من أن الحفاظ على زخم المرحلة الانتقالية يستوجب انخراطاً دولياً مستداماً يواكب هذه الجهود.
ويعمل فريق خبراء تابع للأمم المتحدة معني بسيادة القانون والعنف الجنسي في النزاعات داخل سوريا على دعم المؤسسات الوطنية في التحقيق والملاحقة القضائية لجرائم العنف الجنسي المرتبطة بالنزاع، إلى جانب تعزيز منظومة سيادة القانون بشكل عام، وفق ما أورده موقع أخبار الأمم المتحدة.
وأوضحت صوفيا كاندياس، المسؤولة في الشؤون القضائية ضمن الفريق، أن ما تحقق خلال عام واحد يعد لافتاً، مشيرة إلى أن السوريين تمكنوا من وضع أسس مهمة في هذا المجال.
ورغم هذا التقدم، لفتت إلى أن الواقع لا يزال هشاً، في ظل ضعف المؤسسات، وانتشار الصدمات النفسية، والحاجة الملحة لتحويل الالتزامات إلى مساءلة فعلية.
وبيّنت أن فريق الخبراء، الذي أُنشئ بموجب قرار مجلس الأمن 1888 عام 2009، بدأ عمله في سوريا عقب سقوط النظام، ونُشر ثلاث مرات، حيث تعاون مع جهات سورية عدة، بينها الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وهيئة المفقودين، وعدد من الوزارات، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني، في إطار نهج يركز على بناء الملكية الوطنية مع تقديم الدعم الفني لضمان استدامة جهود العدالة.
وأكدت كاندياس أن منظمات المجتمع المدني تشكل العمود الفقري للعدالة الانتقالية، لكونها الوسيلة الأساسية للوصول إلى الضحايا والاستماع إليهم، مشيرة إلى أن هذه المنظمات وثقت على مدى سنوات انتهاكات حقوق الإنسان، ما قد يشكل قاعدة أدلة مهمة للملاحقات القضائية مستقبلاً.
وفي ما يتعلق بالعنف الجنسي المرتبط بالنزاع، أوضحت أن التحدي الأكبر يتمثل في عدم معرفة الحجم الحقيقي لهذه الجرائم، مرجحة أن الصورة الكاملة قد لا تُعرف أبداً، رغم المؤشرات المقلقة التي تؤكد انتشار هذه الانتهاكات بشكل واسع ومنهجي خلال سنوات الحرب، سواء في مراكز الاحتجاز أو عند الحواجز أو خلال النزوح، حيث استُخدم العنف الجنسي كأداة متعمدة للإذلال والعقاب.
وأضافت كاندياس أن عدد الحالات الموثقة لا يعكس الواقع الفعلي، بسبب الوصمة الاجتماعية التي تمنع العديد من الناجين من التقدم للإبلاغ، مؤكدة أن هذه الجرائم لم تكن عرضية بل جزءاً من نهج منظم.
وأشارت إلى أن النساء والفتيات كن الأكثر تضرراً، إلا أن الرجال والفتيان تعرضوا أيضاً لانتهاكات واسعة، لا سيما في مراكز الاحتجاز، حيث أظهرت بيانات إحدى المنظمات الشريكة أن 98 بالمئة من الرجال والفتيان المحتجزين في عينة الدراسة تعرضوا للعنف الجنسي، مع احتمال أن تكون النسبة الحقيقية أعلى من ذلك.
وبيّنت أن الوصمة الاجتماعية تمثل العائق الأكبر أمام تحقيق العدالة، إذ تؤثر على الضحايا على مستويات متعددة، من الشعور الداخلي بالخجل، إلى الرفض المجتمعي، وصولاً إلى الصمت العام، ما يدفع كثيرين إلى عدم الإفصاح عما تعرضوا له.
وشددت على ضرورة توفير بيئة آمنة تشجع الضحايا على طلب المساعدة، تبدأ بالاعتراف العلني بخطورة هذه الجرائم وكونها انتهاكات يعاقب عليها القانون، بما يسهم في تحويل اللوم إلى الجناة، إضافة إلى أهمية إنشاء مساحات آمنة تتيح للناجين الحصول على الرعاية الطبية والدعم النفسي والمساعدة القانونية دون خوف، مع مراعاة خصوصية كل مجتمع.
ورغم التقدم المؤسساتي، أكدت كاندياس أن قدرة سوريا على تحقيق العدالة ما تزال محدودة، نتيجة تدهور الأنظمة الطبية والقضائية والجنائية بفعل سنوات الحرب، ما يعيق جمع الأدلة وحفظها، ويؤثر على قدرة المحققين والمدعين العامين على متابعة القضايا، كما أن غياب الدعم النفسي يقلل من احتمالية إقدام الضحايا على الإبلاغ.
وأوضحت أن الهدف يتمثل في تمكين المواطنين من استعادة حقوقهم، معتبرة أن الناجي ليس مجرد ضحية بل فاعل ومواطن يجب أن يكون قادراً على المطالبة بحقوقه.
كما حذرت من تراجع التمويل الدولي، خاصة الموجه لمنظمات المجتمع المدني التي تقود جهود التوثيق وتقديم الدعم المباشر للناجين، إضافة إلى محدودية التمويل المخصص للمؤسسات الوطنية، معتبرة أن هذا التراجع يهدد بتقويض ما تحقق.
وأشارت إلى أن غياب الموارد قد يؤدي إلى فقدان الأدلة، وانسحاب الضحايا من العملية، وتراجع الثقة بالمؤسسات الناشئة، ما قد يعيد جهود المساءلة سنوات إلى الوراء.
واختتمت بالتأكيد على أن سوريا تقف أمام لحظة حاسمة، حيث يشكل التقدم السريع في العدالة الانتقالية فرصة نادرة لتحقيق المساءلة، لكنها فرصة هشة تعتمد على استمرار الدعم الدولي، مشددة على أن الوقت الحالي يمثل اللحظة المناسبة للاستثمار في هذه الجهود، وأن الفشل في دعمها قد يبدد ما تحقق حتى الآن.
وقبل أيام، أكد مسؤول الشؤون القضائية بفريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالعنف الجنسي أثناء النزاع، محمد يوسف، أن تحقيق العدالة للناجين من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في سوريا يُعد أمراً بالغ الأهمية في المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، مشدداً على ضرورة توفير دعم شامل يراعي احتياجاتهم ويُمكنهم من اتخاذ قراراتهم بشأن سبل الانتصاف.
وأوضح يوسف، أن عمل الفريق يتركز على دعم الجهود الوطنية ضمن إطار سيادة القانون، وذلك بالتعاون مع المؤسسات السورية المعنية بالعدالة الانتقالية والمجتمع المدني، إضافة إلى الناجين أنفسهم، وفق ما أفاد به موقع أخبار الأمم المتحدة.
وأشار إلى أن الفريق يضم خبراء من مختلف إدارات الأمم المتحدة، ويعمل عن كثب مع مكتب الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي أثناء النزاع، لافتاً إلى أن الفريق أجرى عدة زيارات إلى سوريا، كان آخرها في مطلع العام الحالي، بهدف بحث القضايا المرتبطة بالعنف الجنسي خلال الحرب.
وبيّن يوسف أن الدعم الذي يقدمه الفريق يشمل تعزيز القدرات الفنية داخل أنظمة العدالة والصحة، بما في ذلك تطوير الخبرات في مجال الطب الشرعي، وتدريب المختصين للمساهمة في التحقيقات والإجراءات القضائية، مؤكداً أن الهدف ليس استبدال الخدمات المقدمة للناجين، بل ضمان قدرة المؤسسات على الاستجابة عندما يختار الناجون الانخراط في مسارات العدالة الانتقالية.
وشدد على أهمية إدماج قضايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في تصميم هيكلية العدالة الانتقالية منذ البداية، لتفادي تهميشها لاحقاً، إلى جانب ضرورة ربط إجراءات العدالة بالخدمات المتاحة للناجين بطريقة لا تُلحق بهم مزيداً من الضرر.
The post الأمم المتحدة: سوريا تحتاج دعماً لضمان استدامة مسار العدالة الانتقالية appeared first on 963+.


