الأقصى والقيامة حين تُغلق السماء بأوامرٍ أرضية
الأقصى والقيامة حين تُغلق السماء بأوامرٍ أرضية
بقلم: المهندس محمود”محمدخير ” عبيد
ليس ما يجري مجرّد إجراءٍ أمنيّ عابر، ولا قرارًا ظرفيًا يُسوَّق بلغةٍ باردة تُخفي خلفها قسوة الفعل. إن إغلاق أبواب المسجد الأقصى أمام المصلّين، وفرض القيود على الوصول إلى كنيسة القيامة، ليس إلا إعلانًا فجًّا عن محاولة فرض وصايةٍ على ما لا يُملك، وتطاولًا على قداسةٍ لا تُخضعها القوانين ولا تُقنّنها القوة.
هنا لا نقف أمام انتهاكٍ لحقّ المسلمين أو المسيحيين فحسب، بل أمام تعدٍّ على جوهر الحرية الإنسانية، حرية العبادة. فمنذ متى أصبح الوقوف بين يدي الخالق خاضعًا لتصاريح عسكرية؟ ومن منح كيانًا غاصبًا الحق في أن يفتح أبواب بيوت الله حين يشاء ويغلقها حين يشاء؟ إن السؤال لم يعد عن الفعل ذاته، بل عن الجرأة التي أوصلت المعتدي إلى هذه المرحلة من الاستهتار بكل القيم.
غير أن الأخطر من الإغلاق ذاته، هو ما يلوح في الأفق من مشاريع تُطرح علنًا في بعض الأوساط المتطرفة، تتحدث عن تغيير الواقع القائم في الحرم الشريف، وصولًا إلى إقامة ما يُسمّى بـ“هيكل سليمان” على أنقاضه. إن طرح مثل هذه الأفكار، والترويج لها، ثم اتخاذ خطوات ميدانية تُقيّد العبادة وتُفرغ المكان من روّاده، لا يمكن قراءته بمعزلٍ عن مسارٍ تدريجي يهدف إلى فرض وقائع جديدة. وهنا تكمن الخطورة: أن يتحوّل الإغلاق من إجراءٍ مؤقت إلى حلقةٍ ضمن سياقٍ أطول يسعى إلى إعادة تشكيل المكان وهويته.
وفي المقابل، يبرز سؤالٌ أشدّ إيلامًا، أين تقف الأمة من كل ذلك؟ شعوبٌ أُنهكت حتى اعتادت الخبر، وساسةٌ استبدلوا الموقف بالبيان، والفعل بالصمت، والكرامة بالحسابات. لقد بلغ التهاون حدًّا جعل انتهاك بيوت الله لا يُقابل إلا بعبارات الشجب و الاستنكار و التعاطفمع حقوق المؤمنين دون اي اجراء على ارض الواقع، وكأنّ المقدسات أصبحت ورقةً تفاوضية تُستخدم عند الحاجة وتُهمل عند الاستحقاق.
إن التمادي في فرض القيود، وتكرار إغلاق الأماكن المقدسة، يبعث برسالةٍ خطيرة مفادها أن كلفة الفعل منخفضة، وأن ردود الفعل محدودة. وهنا لا يعود السؤال فقط عن نوايا المعتدي، بل عن حالة العجز التي سمحت له بالمضيّ قدمًا. فحين يغيب الردع، تتقدّم المشاريع، وحين يطول الصمت، تتجرّأ الأفعال.
لقد خافت غولدا مائير يومًا من ردّ الفعل، أما اليوم فقد تبدّل المشهد: الخشية تراجعت، والاطمئنان إلى غياب التحرك ترسّخ. وهذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل من تراكم صمتٍ طويل، ومن واقعٍ اقليمي ودوليّ لم يعد يرى في هذه الانتهاكات ما يستدعي موقفًا حازمًا.
وفي خضمّ هذا الواقع، تتكشّف مفارقات الخطاب الدولي. فبينما يُنظَّر لحرية الأديان ورفض التمييز، تُفرض على الأرض قيودٌ تمسّ جوهر هذه المبادئ. وقد شهدت مواقف لعدد من القادة، من بينهم دونالد ترامب، حديثًا عن نماذج الدول وهويتها، في وقتٍ تُطرح فيه سياسات تُكرّس واقعًا أحاديًا على حساب التعدّدية. هذه الازدواجية تُضعف الثقة في الخطاب، وتُعزّز الشعور بأن القيم تُستخدم انتقائيًا لا مبدئيًا.
أما القول بأن لا أحد سيتحرك، وأن العروش تُشترى بثمن الصمت، فهو توصيفٌ لمرارة الواقع أكثر منه قدرًا محتومًا. فالتاريخ يُظهر أن موازين القوى تتبدّل، وأن الوعي حين يتشكّل قادرٌ على كسر الجمود. غير أن ذلك لا يحدث دون إدراكٍ لحجم الخطر، ولا دون موقفٍ يرفض تحويل بيوت الله إلى ساحاتٍ خاضعة لمعادلات القوة.
إن الأقصى والقيامة اليوم ليسا مجرد موقعين في مدينةٍ محتلة، بل اختبارٌ أخلاقيّ وإنسانيّ يتجاوز الحدود. وبين الإغلاق والفتح، وبين الصمت والفعل، تُكتب ملامح المرحلة القادمة. والسؤال الذي يبقى معلقًا: هل يتحوّل الوعي إلى موقف، أم يظلّ الصمت هو العنوان؟
هذا المحتوى الأقصى والقيامة حين تُغلق السماء بأوامرٍ أرضية ظهر أولاً في سواليف.





