“الإخفاء القسري” لعلويّين في دمشق: حكاية حيّ القدم بين العنف والصمت
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
بين الاعتقالات التعسّفية، والإخفاء القسري، والخطف والقتل والاستباحة والتسريح من العمل والضغط المستمرّ على من تبقّى في منطقته، تتشكّل صورة قاتمة لمعاناة مستمرّة لا تزال مغيّبة إلى حدّ كبير. أمل غالبية العلويين/ ات بعد سقوط نظام الأسد، أن معاناتهم مع نظام الأسد ستنتهي، لكن ما حصل هو العكس، إذ دخلت مرحلة جديدة أكثر تعقيداً وقسوة. التخلّص من الحكم الديكتاتوري الشمولي الذي استخدمهم، كما غيرهم، في حربه ضدّ معارضيه، وحكمهم لسنوات طويلة بالخوف والترهيب وربط مصيرهم بمصيره، كان عتبة للدخول إلى فترة شائكة اتّسمت بحالة من الاستباحة والانتهاكات على أساس طائفي، لم يُسلَّط الضوء عليها بالشكل الكافي. انشغل الرأي العامّ بسرديات كبرى وتحوّلات سياسية تخوضها البلاد، كانت هناك وقائع يومية من الخوف والاعتقال والإخفاء القسري تطال الكثيرين دون توثيق أو مساءلة. في خضمّ المجازر التي جرت بحقّ العلويين في الساحل السوري في آذار/ مارس 2025، والتي استحوذت على اهتمام الإعلام والناس، كان هناك مآسٍ أخرى تُقترف بصمت في أماكن مختلفة، بعيداً عن الضوء والتوثيق. إذ جرت حملات اعتقال واسعة طالت علويين في مدينة دمشق وريفها، وبناء على هويّتهم الطائفية وتهم بالانتماء إلى “نظام الأسد” دون إجراءات واضحة، وسُجّلت اعتداءات واعتقالات وطرد من المنازل في أحياء مثل المساكن، الديماس، حيّ الورود، عش الورور، الباردة، قطنا، والسومرية، وغيرها. لم تُروَ قصص هؤلاء ولم تُوثّق معاناتهم، كأن انشغال العالم بالفظائع التي حدثت في الساحل حجب رؤية ما كان يجري بالتوازي بحقّ علويين آخرين في أماكن أخرى. كثير من هؤلاء المعتقلين والمغيّبين قسرياً انتهى بهم المطاف في سجون “هيئة تحرير الشام” (سجون مختلفة عن سجون الأسد التي أُعيد استخدامها)، وغيرها من سجون الفصائل المنضوية تحت قيادتها العسكرية، وبقيت مصائرهم معلّقة بين الإنكار والغموض، ولا توجد حتى اللحظة إحصاءات واضحة عن أعدادهم (بعض التقديرات تشير إلى أنهم بالآلاف)، ولا طبيعة التهم الموجّهة إليهم، سواء كانوا مدنيين أو ممّن حصلوا على بطاقة التسوية. أحاول تسليط الضوء هنا على واحدة من تلك الوقائع المنسيّة عبر شهادات من 4 عائلات من حيّ القدم في العاصمة دمشق، شهادات تصف الحملة وما رافقها من انتهاكات ومحاولات تهجير للعلويين، وما تبعها من غموض طويل. حارة البوّابة في حيّ القدم الدمشقي، أو كما تُلقّب بحارة العنّازة، لأن أصول معظم سكانها من قرية العنّازة، وهي قرية تقع في الساحل السوري تابعة لمحافظة طرطوس، من القرى ذات الغالبية العلوية، وقد هاجر عدد كبير من سكّانها إلى دمشق خلال العقود الماضية للعمل. على الرغم من أن حارة العنّازة في حيّ القدم تضمّ سكّاناً علويين من قرى أخرى وكذلك من طوائف ومناطق أخرى. في 7 آذار/ مارس 2025، نهاية يوم الخميس وصباح الجمعة، كانت المجازر في الساحل قد بدأت، وبدأت ملامح الكارثة تتكشّف: هجوم على قرى وأحياء العلويين من قِبل عناصر الفصائل المنضوية تحت مظلّة القيادة العسكرية التابعة للحكومة المؤقّتة، التي تمّ تشكيلها إثر سقوط النظام وحلّ الجيش السابق، بالتعاون مع عناصر الأمن العامّ التابع لوزارة الداخلية، الذي تشكّل كذلك بعد حلّ جهاز الأمن السابق، وكذا الآلاف من المدنيين الذين لبّوا نداء النفير العامّ “للجهاد”، آتين من مختلف أنحاء البلاد لقتل العلويين في مناطقهم في الساحل السوري. عمّت الفوضى أرجاء حيّ القدم، وارتفعت أصوات مجموعات من الرجال يجوبون الشوارع بين البيوت وهم يطلقون هتافات تحريضية تدعو للعنف الطائفي. فالتزم الأهالي منازلهم وسط حالة من الذهول والخوف، كانوا يسمعون أصواتهم، جماعات من الرجال يتوعّدون: “جايينكم بالذبح يا خنازير يا نصيرية”، وبما أن حارة البوّابة تقع بين حيّ الميدان وحيّ القدم فقد استطاع الأهالي سماع تهليلات “حيّ على الجهاد” من حيّ الميدان بوضوح. بدأت مجموعات من الرجال المسلّحين يدخلون بين البيوت، يصرخون بأن هذه الأراضي لهم، وعلى العلوية أن يغادروها: “ما لكم شي هون… ورح نطلعكم من بيوتنا… ارجعوا على ضيعكم”. في هذا الوقت، كان معظم الأهالي من العلويين قد عادوا إلى منازلهم في دمشق، بعد أن اضطرّوا للنزوح منها إلى قُراهم عقب سقوط النظام، بسبب من الخوف العميق والشعور بالتهديد. مع مرور الوقت، حاولوا استعادة شيء من حياتهم الطبيعية، فعادوا إلى أشغالهم وبيوتهم في دمشق على الرغم من القلق الذي لم يفارقهم. توقّفت مجموعة من السيّارات وسط ساحة القدم، سيّارات “هيونداي” وسيّارات “بيك آب” أمنية، وبدأت مجموعة من الرجال المسلّحين والملثّمين يدخلون بيوت الحارة، وقد تمّ التعرّف على مجموعة منهم كانت تعيش في شمال البلاد قبل سقوط النظام، وتنتمي إلى عدد من الفصائل المسلّحة هناك، منهم من سبق أن انتسب إلى الجيش الجديد/ القيادة العسكرية بعد سقوط نظام الأسد، ولديه مناصب ورتب عسكرية. من ضمن المجموعة التي اقتحمت البيوت، كان الملقّب أبو فراس “ي.ح” يحمل بندقية بيد وسيفاً باليد الأخرى، كذلك “ص. ف” الملقّب (أبو النور، و”ن. ف” أبو موفّق، وأبو نورس، وشخص مبتور اليد الملقّب (أبو بسّام) ويعمل حالياً مع جهاز الأمن، وأبو علاء وأبو بكر وغيرهم. رافق المجموعات رجل ملثّم يرتدي لباساً يشبه لباسهم، من الواضح أنه من أهل الحارة فقد كان يدلّهم على بيوت الحارة من العلويين، ويعرف أسماءهم واحداً واحداً وتفاصيل بيوتهم بدقّة، لذلك فقد تمّ سؤال قلّة منهم إن كانوا علوية أم سنّة، إسوة بما حدث في مناطق أخرى، فقد كان الرجل الملثّم الذي يدلّهم كفيلاً بفرز الأهالي في بيوتهم بحسب طوائفهم. اختطفوا يومذاك أوّل شابّ من الحارة وهو ربيع عاقل، حين حاولت الأمّ التوسّل للشيخ القادم مع المجموعة المداهمة أن يتركوا وحيدها، قام أحدهم بضربها بعقب البندقية وشتمها لترتمي على الأرض بعيداً. دخلوا من ثم إلى البيت الثاني، وأخذوا منه مجد محمّد سليمان، كان يعمل محاسب أشغال في جيش النظام، وقد سبق أن ترك عمله الإداري إثر التسوية التي جرت عقب سقوط نظام الأسد مع السلطة الجديدة، واكتفى بعمله الخاصّ في توصيل طلبات الفحم لمطاعم دمشق، اختّطف معه رفيقه الزائر لديه مهاد علي غانم، وهو من سكّان قرية العنّازة ويعمل سائق باص على خطّ القرية. تحكي لنا واحدة من أهالي الحيّ التي اعتّقل أفراد من عائلتها: “ظللنا في البيوت على أمل أن تتمّ إعادة أهلنا المختَطَفين، فقد كانوا مدنيين لم يشاركوا قبلاً في أيّ قتال أثناء حكم نظام الأسد. بدلاً من ذلك ونحو الساعة 3 والنصف فجراً، رجعت المجموعات التي داهمتنا من جديد، وكنّا على طاولة السحور فقد كانت أيّام صيام. اقتحموا الحارة من كلّ مداخلها، يصرخون ويدقّون بعنف على الأبواب، من يفتح لهم يدخلون بيته فينهبون كلّ ما فيه من مصاغ ومال وموبايلات، قبل أن يعتقلوا الرجال من البيت. من لم يفتح الباب لهم كسّروه ودخلوا. هناك بيتان كسّروا شبابيكهما ودخلوا منها حين لم يستطيعوا كسر الأبواب”. تضيف: “في المرّة الثانية أخذوا بقيّة الشباب وكانوا 20 شاباً، هكذا أصبح العدد الإجمالي 23 للمختطفين أو المغيّبين قسرياً. مواطنون سوريون تمّ اعتقالهم دون أوامر قضائية ودون توجيه أيّة تهم واضحة لهم، عدا انتمائهم الطائفي، وغالبيتهم من المدنيين: بينهم 4 طلاب، 9 موظّفين مدنيين و2 من المتقاعدين و2 من العساكر في طور التسوية، ومنهم كذلك طبيب ومدرّس وشابّ من ذوي الاحتياجات الخاصّة اسمه سامر محمّد أسعد. كان هناك من ضمن المعتقلين شابّ اسمه علاء الحافي، تمّ إطلاق سراحه سريعاً في صباح اليوم التالي، وقد قيل إنه اعتُقل بالخطأ لاشتباههم بأنه علوي!”. خلعت مجموعة من المسلّحين باب بيت عائلة صالح، كانوا يصرخون من الخارج على أهل البيت بأن يفتحوا لأنهم من الأمن العامّ. أخذوا الدكتور أحمد علي صالح وأخاه هيثم، وهو موظّف مدني، بعد أن سرقوا الذهب والمال والموبايلات وكذلك سيّارة الدكتور. في تلك الأثناء مجموعة أخرى ضربت حسين وجيه شدود ( 76) عاماً ضرباً مبرّحاً أثناء عمليّة الاعتقال، وهو متقاعد قبل العام 2011، وكذا ابنه علي حسين شدود وهو مدني يعمل في سوبرماركت، أما الابن الثاني فهو مريض بالشلل الدماغي ممّا جعلهم يتركونه. بعد أيّام، بدأت مرحلة جديدة من المعاناة: حرب نفسية قاسية. في ذلك الوقت قيل لأهالي المختَطَفين إنهم في محطّة القطار في الحجاز، لكنّ العساكر على الباب أنكروا وجود أيّ معتقل عندهم حين ذهبت نساء الحيّ إلى هناك في الساعة 8 صباحاً للسؤال. ثم بدأت الأقاويل والشائعات تعبث بأعصاب الأهالي، مرّة يقولون لهم إن “المعتقلين” في عهدة الفصائل الإسلامية، مرّة تصلهم معلومة بأنهم مع عناصر الأمن العامّ، مرّة تسري شائعة بأن ثمّة اشتباكات حصلت بين عناصر الأمن العامّ ومقاتلي الفصائل فتمّ تحرير بعض المختَطَفين فيما قُتل آخرون أثناء الاشتباك.. شائعات وأقاويل ومعلومات لا يمكن لأحد تحرّي دقتها، هل هم في سجن حارم أم الراعي أم عدرا أم النبك أم سجن حمص المركزي؟! بعد ثلاثة أيّام من الهجوم وصلت صور أربعة من المختَطَفين/ المغيّبين على تطبيق “واتساب” إلى هاتف أحد الأهالي، قيل في الرسالة إنهم قُتلوا، ومنهم أوس ميّا وهو موظّف في شركة خاصّة، منير رسلان وهو متقاعد يبلغ 71 من عمره، وأستاذ الرياضيات تميم رستم وسامر محمّد أسعد وهو يعاني من إعاقة ذهنية. وصلت الصور عبر رسائل من أرقام أجنبية، منها رقم معرّف كحساب تجاري بكود المملكة البريطانية، وكان التعذيب واضحاً على وجوه الجثامين. تمّ ابتزاز بعض الأهالي بمبالغ مالية طائلة، وصلت إلى مليار و٢٠٠ مليون ليرة سورية، كي لا يتمّ العمل على تصفية أبنائهم كما صُفِي البقيّة، رسائل مصحوبة بإهانات وشتائم طائفية. بعد ذلك تمّ اعتقال أبو فراس “ي. ح”، ثم أُطلق سراحه بعد أيّام قليلة دون معرفة الأسباب! حاول بعض الأهالي التواصل مع مدير أمن دمشق وقتذاك عبد الرحمن الدبّاغ، وقال بوضوح إنه لم يسمع بهذه الحادثة البتة! وسُجِّلت شكوى بالتفاصيل لدى الأمن العامّ لكن دون نتيجة، لتصل بعد أيّام قليلة 14 صورة جديدة، قيل إنها لعدد من المختَطَفين الذين تمّت تصفيتهم. هناك عدد من الأهالي تعرّفوا على صور مفقوديهم في تلك الرسالة، ثم تعود الحكايات/ الشائعات لتدور من جديد، أنهم لم يُقتلوا جميعاً ولكن تمّت تصفية عدد منهم، أو أن 18 من المغيّبين وصلت ملفّاتهم إلى مخفر شرطة القدم بالأرقام وليس بالأسماء، وقد تمّت تصفيتهم ودُفنوا في منطقة نجها، وبقي منهم 5 فقط على قيد الحياة. شائعات وأقاويل ورسائل وابتزاز وخوف وترقّب وانتظار. على صفحة وزارة الداخلية استطاع بعض الأهالي التعرّف على أبنائهم في الصور المنشورة لزيارة أنس خطّاب قسم شرطة القدم، وكان ربيع عاقل ممدّداً في الصورة على سرير وعينه مضمّدة، على الرغم من أنهم أنكروا مرّات عدّة وجود أيّ من المغيّبين لديهم حسب شهادات العائلات التي تحدّثنا معها… لم يترك الأهالي مركزاً أمنياً في العاصمة دمشق إلا وسألوا فيه، وعلى مدار عام كامل ما زال مصير المعتقلين/ المختطفين والمغيّبين قسرياً مجهولاً، هل هم في عداد الأموات أم أحياء يرزقون؟ في موازاة ذلك، ما زالت الضغوط مستمرّة على من تبقّى من العلويين من سكان الحيّ، عبر مضايقات متكرّرة وافتعال المشاكل في محاولة لتهجيرهم، أي لدفعهم إلى مغادرة منازلهم في دمشق والعودة إلى القرى، حتى أن الكثير من النساء العلويات من سكّان الحيّ لجأن إلى تغيير مظهرهن وارتداء الحجاب، خصوصاً حين يخرجن إلى العمل أو المدرسة أو التسوّق، اعتقاداً منهن بأن ذلك قد يوفّر لهنّ قدراً من الحماية في الفضاء العامّ وسط كلّ الاستباحة الجارية. هذه الحكاية ليست مجرّد سرد لأحداث وقعت في حيّ صغير في العاصمة، بل هي مرآة لمعاناة أوسع يتحوّل البشر فيها إلى أرقام مجهولة في معادلة العنف، وتتحوّل الحقيقة إلى روايات متضاربة، والعدالة إلى حلم بعيد المنال وسط كلّ ما يحدث من ويلات في سوريا “الجديدة”. ما جرى في حيّ القدم ليس حادثة معزولة، بل جزء من سياق أوسع من الانتهاكات التي تعرّض ويتعرّض لها العلويون ككتلة بعد سقوط نظام الأسد، والتي لم يُكتب عنها بما يكفي، ولم تجد طريقها إلى النقاش العامّ أو المساءلة. بين الاعتقالات التعسّفية، والإخفاء القسري، والخطف والقتل والاستباحة والتسريح من العمل والضغط المستمرّ على من تبقّى في منطقته، تتشكّل صورة قاتمة لمعاناة مستمرّة لا تزال مغيّبة إلى حدّ كبير. روزا ياسين حسن - كاتبة وروائية سورية“الإخفاء القسري” لعلويّين في دمشق: حكاية حيّ القدم بين العنف والصمت13.04.2026مركز الصحافيين الاستقصائيين الدوليين - ICIJكيف حوّلت “ميرك” دواءها العجيب إلى منتجٍ فائق الربح وحرمت مرضى السرطان حول العالم من الحصول عليه13.04.2026هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 13.04.2026“مرض السرطان لا ينتظر وقف إطلاق النار”: “كيترودا” علاج الأغنياء في زمن الحرب تدخل الحرب الإسرائيلية على لبنان شهرها الثاني، حاملةً معها أعباء مضاعفة على مرضى السرطان. فالسرطان، كما كتب وزير الصحّة السابق الدكتور فراس أبيض على حسابه في لينكدإن: "لا ينتظر وقف إطلاق النار… بالنسبة إلى هؤلاء المرضى، لا تكون الحرب مجرّد أزمة أمنية؛ في لبنان، تتحوّل سريعاً إلى أزمة علاج وتشخيص وتمويل، إذ يقوّض النزوح استمرارية…الأكثر قراءة[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]كيف حوّلت “ميرك” دواءها العجيب إلى منتجٍ فائق الربح وحرمت مرضى السرطان حول العالم من الحصول عليه13.04.2026“مرض السرطان لا ينتظر وقف إطلاق النار”: “كيترودا” علاج الأغنياء في زمن الحرب 13.04.2026“الإخفاء القسري” لعلويّين في دمشق: حكاية حيّ القدم بين العنف والصمت13.04.202633:18جدل واسع أثاره مشروع قانون الانتظام المالي، أو ما يُعرف بالفجوة المالية المعني بتوزيع خسائر الانهيار المصرفي والمالي، الذي يعيشه لبنان منذ العام ٢٠١٩. الخبير الاقتصادي الدكتور توفيق كسبار يشرح في مقابلة مع "درج" مقاربته لمشروع القانون.28.01.202633:37سنة على سقوط نظام الأسد ورفع جزء من العقوبات، ولا يزال أكثر من 90٪ من السوريين تحت خطّ الفقر، رغم الوعود الكبرى بالاستثمار وإعادة الإعمار. في هذه الحلقة من "ريل توك"، تحاور الصحافية اللبنانية هلا نصرالدين الباحث والأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي السويسري–السوري الدكتور جوزيف ضاهر، المتخصّص في الاقتصاد السياسي لسوريا وحركات الإسلام السياسي، خصوصاً "حزب…28.01.2026روزا ياسين حسن - كاتبة وروائية سورية13.04.2026زمن القراءة: 8 minutesبين الاعتقالات التعسّفية، والإخفاء القسري، والخطف والقتل والاستباحة والتسريح من العمل والضغط المستمرّ على من تبقّى في منطقته، تتشكّل صورة قاتمة لمعاناة مستمرّة لا تزال مغيّبة إلى حدّ كبير. أمل غالبية العلويين/ ات بعد سقوط نظام الأسد، أن معاناتهم مع نظام الأسد ستنتهي، لكن ما حصل هو العكس، إذ دخلت مرحلة جديدة أكثر تعقيداً وقسوة. التخلّص من الحكم الديكتاتوري الشمولي الذي استخدمهم، كما غيرهم، في حربه ضدّ معارضيه، وحكمهم لسنوات طويلة بالخوف والترهيب وربط مصيرهم بمصيره، كان عتبة للدخول إلى فترة شائكة اتّسمت بحالة من الاستباحة والانتهاكات على أساس طائفي، لم يُسلَّط الضوء عليها بالشكل الكافي. انشغل الرأي العامّ بسرديات كبرى وتحوّلات سياسية تخوضها البلاد، كانت هناك وقائع يومية من الخوف والاعتقال والإخفاء القسري تطال الكثيرين دون توثيق أو مساءلة. في خضمّ المجازر التي جرت بحقّ العلويين في الساحل السوري في آذار/ مارس 2025، والتي استحوذت على اهتمام الإعلام والناس، كان هناك مآسٍ أخرى تُقترف بصمت في أماكن مختلفة، بعيداً عن الضوء والتوثيق. إذ جرت حملات اعتقال واسعة طالت علويين في مدينة دمشق وريفها، وبناء على هويّتهم الطائفية وتهم بالانتماء إلى “نظام الأسد” دون إجراءات واضحة، وسُجّلت اعتداءات واعتقالات وطرد من المنازل في أحياء مثل المساكن، الديماس، حيّ الورود، عش الورور، الباردة، قطنا، والسومرية، وغيرها. لم تُروَ قصص هؤلاء ولم تُوثّق معاناتهم، كأن انشغال العالم بالفظائع التي حدثت في الساحل حجب رؤية ما كان يجري بالتوازي بحقّ علويين آخرين في أماكن أخرى. كثير من هؤلاء المعتقلين والمغيّبين قسرياً انتهى بهم المطاف في سجون “هيئة تحرير الشام” (سجون مختلفة عن سجون الأسد التي أُعيد استخدامها)، وغيرها من سجون الفصائل المنضوية تحت قيادتها العسكرية، وبقيت مصائرهم معلّقة بين الإنكار والغموض، ولا توجد حتى اللحظة إحصاءات واضحة عن أعدادهم (بعض التقديرات تشير إلى أنهم بالآلاف)، ولا طبيعة التهم الموجّهة إليهم، سواء كانوا مدنيين أو ممّن حصلوا على بطاقة التسوية. أحاول تسليط الضوء هنا على واحدة من تلك الوقائع المنسيّة عبر شهادات من 4 عائلات من حيّ القدم في العاصمة دمشق، شهادات تصف الحملة وما رافقها من انتهاكات ومحاولات تهجير للعلويين، وما تبعها من غموض طويل. حارة البوّابة في حيّ القدم الدمشقي، أو كما تُلقّب بحارة العنّازة، لأن أصول معظم سكانها من قرية العنّازة، وهي قرية تقع في الساحل السوري تابعة لمحافظة طرطوس، من القرى ذات الغالبية العلوية، وقد هاجر عدد كبير من سكّانها إلى دمشق خلال العقود الماضية للعمل. على الرغم من أن حارة العنّازة في حيّ القدم تضمّ سكّاناً علويين من قرى أخرى وكذلك من طوائف ومناطق أخرى. في 7 آذار/ مارس 2025، نهاية يوم الخميس وصباح الجمعة، كانت المجازر في الساحل قد بدأت، وبدأت ملامح الكارثة تتكشّف: هجوم على قرى وأحياء العلويين من قِبل عناصر الفصائل المنضوية تحت مظلّة القيادة العسكرية التابعة للحكومة المؤقّتة، التي تمّ تشكيلها إثر سقوط النظام وحلّ الجيش السابق، بالتعاون مع عناصر الأمن العامّ التابع لوزارة الداخلية، الذي تشكّل كذلك بعد حلّ جهاز الأمن السابق، وكذا الآلاف من المدنيين الذين لبّوا نداء النفير العامّ “للجهاد”، آتين من مختلف أنحاء البلاد لقتل العلويين في مناطقهم في الساحل السوري. عمّت الفوضى أرجاء حيّ القدم، وارتفعت أصوات مجموعات من الرجال يجوبون الشوارع بين البيوت وهم يطلقون هتافات تحريضية تدعو للعنف الطائفي. فالتزم الأهالي منازلهم وسط حالة من الذهول والخوف، كانوا يسمعون أصواتهم، جماعات من الرجال يتوعّدون: “جايينكم بالذبح يا خنازير يا نصيرية”، وبما أن حارة البوّابة تقع بين حيّ الميدان وحيّ القدم فقد استطاع الأهالي سماع تهليلات “حيّ على الجهاد” من حيّ الميدان بوضوح. بدأت مجموعات من الرجال المسلّحين يدخلون بين البيوت، يصرخون بأن هذه الأراضي لهم، وعلى العلوية أن يغادروها: “ما لكم شي هون… ورح نطلعكم من بيوتنا… ارجعوا على ضيعكم”. في هذا الوقت، كان معظم الأهالي من العلويين قد عادوا إلى منازلهم في دمشق، بعد أن اضطرّوا للنزوح منها إلى قُراهم عقب سقوط النظام، بسبب من الخوف العميق والشعور بالتهديد. مع مرور الوقت، حاولوا استعادة شيء من حياتهم الطبيعية، فعادوا إلى أشغالهم وبيوتهم في دمشق على الرغم من القلق الذي لم يفارقهم. توقّفت مجموعة من السيّارات وسط ساحة القدم، سيّارات “هيونداي” وسيّارات “بيك آب” أمنية، وبدأت مجموعة من الرجال المسلّحين والملثّمين يدخلون بيوت الحارة، وقد تمّ التعرّف على مجموعة منهم كانت تعيش في شمال البلاد قبل سقوط النظام، وتنتمي إلى عدد من الفصائل المسلّحة هناك، منهم من سبق أن انتسب إلى الجيش الجديد/ القيادة العسكرية بعد سقوط نظام الأسد، ولديه مناصب ورتب عسكرية. من ضمن المجموعة التي اقتحمت البيوت، كان الملقّب أبو فراس “ي.ح” يحمل بندقية بيد وسيفاً باليد الأخرى، كذلك “ص. ف” الملقّب (أبو النور، و”ن. ف” أبو موفّق، وأبو نورس، وشخص مبتور اليد الملقّب (أبو بسّام) ويعمل حالياً مع جهاز الأمن، وأبو علاء وأبو بكر وغيرهم. رافق المجموعات رجل ملثّم يرتدي لباساً يشبه لباسهم، من الواضح أنه من أهل الحارة فقد كان يدلّهم على بيوت الحارة من العلويين، ويعرف أسماءهم واحداً واحداً وتفاصيل بيوتهم بدقّة، لذلك فقد تمّ سؤال قلّة منهم إن كانوا علوية أم سنّة، إسوة بما حدث في مناطق أخرى، فقد كان الرجل الملثّم الذي يدلّهم كفيلاً بفرز الأهالي في بيوتهم بحسب طوائفهم. اختطفوا يومذاك أوّل شابّ من الحارة وهو ربيع عاقل، حين حاولت الأمّ التوسّل للشيخ القادم مع المجموعة المداهمة أن يتركوا وحيدها، قام أحدهم بضربها بعقب البندقية وشتمها لترتمي على الأرض بعيداً. دخلوا من ثم إلى البيت الثاني، وأخذوا منه مجد محمّد سليمان، كان يعمل محاسب أشغال في جيش النظام، وقد سبق أن ترك عمله الإداري إثر التسوية التي جرت عقب سقوط نظام الأسد مع السلطة الجديدة، واكتفى بعمله الخاصّ في توصيل طلبات الفحم لمطاعم دمشق، اختّطف معه رفيقه الزائر لديه مهاد علي غانم، وهو من سكّان قرية العنّازة ويعمل سائق باص على خطّ القرية. تحكي لنا واحدة من أهالي الحيّ التي اعتّقل أفراد من عائلتها: “ظللنا في البيوت على أمل أن تتمّ إعادة أهلنا المختَطَفين، فقد كانوا مدنيين لم يشاركوا قبلاً في أيّ قتال أثناء حكم نظام الأسد. بدلاً من ذلك ونحو الساعة 3 والنصف فجراً، رجعت المجموعات التي داهمتنا من جديد، وكنّا على طاولة السحور فقد كانت أيّام صيام. اقتحموا الحارة من كلّ مداخلها، يصرخون ويدقّون بعنف على الأبواب، من يفتح لهم يدخلون بيته فينهبون كلّ ما فيه من مصاغ ومال وموبايلات، قبل أن يعتقلوا الرجال من البيت. من لم يفتح الباب لهم كسّروه ودخلوا. هناك بيتان كسّروا شبابيكهما ودخلوا منها حين لم يستطيعوا كسر الأبواب”. تضيف: “في المرّة الثانية أخذوا بقيّة الشباب وكانوا 20 شاباً، هكذا أصبح العدد الإجمالي 23 للمختطفين أو المغيّبين قسرياً. مواطنون سوريون تمّ اعتقالهم دون أوامر قضائية ودون توجيه أيّة تهم واضحة لهم، عدا انتمائهم الطائفي، وغالبيتهم من المدنيين: بينهم 4 طلاب، 9 موظّفين مدنيين و2 من المتقاعدين و2 من العساكر في طور التسوية، ومنهم كذلك طبيب ومدرّس وشابّ من ذوي الاحتياجات الخاصّة اسمه سامر محمّد أسعد. كان هناك من ضمن المعتقلين شابّ اسمه علاء الحافي، تمّ إطلاق سراحه سريعاً في صباح اليوم التالي، وقد قيل إنه اعتُقل بالخطأ لاشتباههم بأنه علوي!”. خلعت مجموعة من المسلّحين باب بيت عائلة صالح، كانوا يصرخون من الخارج على أهل البيت بأن يفتحوا لأنهم من الأمن العامّ. أخذوا الدكتور أحمد علي صالح وأخاه هيثم، وهو موظّف مدني، بعد أن سرقوا الذهب والمال والموبايلات وكذلك سيّارة الدكتور. في تلك الأثناء مجموعة أخرى ضربت حسين وجيه شدود ( 76) عاماً ضرباً مبرّحاً أثناء عمليّة الاعتقال، وهو متقاعد قبل العام 2011، وكذا ابنه علي حسين شدود وهو مدني يعمل في سوبرماركت، أما الابن الثاني فهو مريض بالشلل الدماغي ممّا جعلهم يتركونه. بعد أيّام، بدأت مرحلة جديدة من المعاناة: حرب نفسية قاسية. في ذلك الوقت قيل لأهالي المختَطَفين إنهم في محطّة القطار في الحجاز، لكنّ العساكر على الباب أنكروا وجود أيّ معتقل عندهم حين ذهبت نساء الحيّ إلى هناك في الساعة 8 صباحاً للسؤال. ثم بدأت الأقاويل والشائعات تعبث بأعصاب الأهالي، مرّة يقولون لهم إن “المعتقلين” في عهدة الفصائل الإسلامية، مرّة تصلهم معلومة بأنهم مع عناصر الأمن العامّ، مرّة تسري شائعة بأن ثمّة اشتباكات حصلت بين عناصر الأمن العامّ ومقاتلي الفصائل فتمّ تحرير بعض المختَطَفين فيما قُتل آخرون أثناء الاشتباك.. شائعات وأقاويل ومعلومات لا يمكن لأحد تحرّي دقتها، هل هم في سجن حارم أم الراعي أم عدرا أم النبك أم سجن حمص المركزي؟! بعد ثلاثة أيّام من الهجوم وصلت صور أربعة من المختَطَفين/ المغيّبين على تطبيق “واتساب” إلى هاتف أحد الأهالي، قيل في الرسالة إنهم قُتلوا، ومنهم أوس ميّا وهو موظّف في شركة خاصّة، منير رسلان وهو متقاعد يبلغ 71 من عمره، وأستاذ الرياضيات تميم رستم وسامر محمّد أسعد وهو يعاني من إعاقة ذهنية. وصلت الصور عبر رسائل من أرقام أجنبية، منها رقم معرّف كحساب تجاري بكود المملكة البريطانية، وكان التعذيب واضحاً على وجوه الجثامين. تمّ ابتزاز بعض الأهالي بمبالغ مالية طائلة، وصلت إلى مليار و٢٠٠ مليون ليرة سورية، كي لا يتمّ العمل على تصفية أبنائهم كما صُفِي البقيّة، رسائل مصحوبة بإهانات وشتائم طائفية. بعد ذلك تمّ اعتقال أبو فراس “ي. ح”، ثم أُطلق سراحه بعد أيّام قليلة دون معرفة الأسباب! حاول بعض الأهالي التواصل مع مدير أمن دمشق وقتذاك عبد الرحمن الدبّاغ، وقال بوضوح إنه لم يسمع بهذه الحادثة البتة! وسُجِّلت شكوى بالتفاصيل لدى الأمن العامّ لكن دون نتيجة، لتصل بعد أيّام قليلة 14 صورة جديدة، قيل إنها لعدد من المختَطَفين الذين تمّت تصفيتهم. هناك عدد من الأهالي تعرّفوا على صور مفقوديهم في تلك الرسالة، ثم تعود الحكايات/ الشائعات لتدور من جديد، أنهم لم يُقتلوا جميعاً ولكن تمّت تصفية عدد منهم، أو أن 18 من المغيّبين وصلت ملفّاتهم إلى مخفر شرطة القدم بالأرقام وليس بالأسماء، وقد تمّت تصفيتهم ودُفنوا في منطقة نجها، وبقي منهم 5 فقط على قيد الحياة. شائعات وأقاويل ورسائل وابتزاز وخوف وترقّب وانتظار. على صفحة وزارة الداخلية استطاع بعض الأهالي التعرّف على أبنائهم في الصور المنشورة لزيارة أنس خطّاب قسم شرطة القدم، وكان ربيع عاقل ممدّداً في الصورة على سرير وعينه مضمّدة، على الرغم من أنهم أنكروا مرّات عدّة وجود أيّ من المغيّبين لديهم حسب شهادات العائلات التي تحدّثنا معها… لم يترك الأهالي مركزاً أمنياً في العاصمة دمشق إلا وسألوا فيه، وعلى مدار عام كامل ما زال مصير المعتقلين/ المختطفين والمغيّبين قسرياً مجهولاً، هل هم في عداد الأموات أم أحياء يرزقون؟ في موازاة ذلك، ما زالت الضغوط مستمرّة على من تبقّى من العلويين من سكان الحيّ، عبر مضايقات متكرّرة وافتعال المشاكل في محاولة لتهجيرهم، أي لدفعهم إلى مغادرة منازلهم في دمشق والعودة إلى القرى، حتى أن الكثير من النساء العلويات من سكّان الحيّ لجأن إلى تغيير مظهرهن وارتداء الحجاب، خصوصاً حين يخرجن إلى العمل أو المدرسة أو التسوّق، اعتقاداً منهن بأن ذلك قد يوفّر لهنّ قدراً من الحماية في الفضاء العامّ وسط كلّ الاستباحة الجارية. هذه الحكاية ليست مجرّد سرد لأحداث وقعت في حيّ صغير في العاصمة، بل هي مرآة لمعاناة أوسع يتحوّل البشر فيها إلى أرقام مجهولة في معادلة العنف، وتتحوّل الحقيقة إلى روايات متضاربة، والعدالة إلى حلم بعيد المنال وسط كلّ ما يحدث من ويلات في سوريا “الجديدة”. ما جرى في حيّ القدم ليس حادثة معزولة، بل جزء من سياق أوسع من الانتهاكات التي تعرّض ويتعرّض لها العلويون ككتلة بعد سقوط نظام الأسد، والتي لم يُكتب عنها بما يكفي، ولم تجد طريقها إلى النقاش العامّ أو المساءلة. بين الاعتقالات التعسّفية، والإخفاء القسري، والخطف والقتل والاستباحة والتسريح من العمل والضغط المستمرّ على من تبقّى في منطقته، تتشكّل صورة قاتمة لمعاناة مستمرّة لا تزال مغيّبة إلى حدّ كبير.





