الأحزاب تُطفيء حماس وزارة الداخلية لتشبيب الانتخابات وضمان نزاهتها
بينما يُظهر الخطاب الرسمي حماسًا متزايدًا تجاه تشبيب النخب السياسية، في سياق الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تواصل الممارسة الحزبية، في جزء كبير منها، الاشتغال بالأساليب التقليدية ذاتها في التدبير والترشيح، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الفاعل السياسي على مواكبة التوجهات التي عبّرت عنها وزارة الداخلية في سياق إعداد القوانين الانتخابية.
ويتجلى ذلك في استمرار عدد من الأحزاب في إعادة إنتاج نفس النخب السياسية، عبر ترشيح الوجوه والأعيان أنفسهم، دون إفساح المجال بشكل كافٍ أمام كفاءات جديدة، خاصة من فئة الشباب، وهو ما يساهم في تكريس الجمود داخل الحقل السياسي، ويؤثر سلبًا على منسوب الثقة في العمل الحزبي، كما ينعكس على مستويات المشاركة السياسية، التي تعرف عزوفًا ملحوظًا، خصوصًا في صفوف الشباب.
وأمام اقتراب الاستحقاقات القادمة، يبرز رهان التجديد باعتباره مسارًا أوسع من مجرد عامل السن، إذ يتجاوز مسألة التشبيب العددي إلى ضرورة إحداث تحول في الخطاب السياسي، وأنماط الممارسة والثقافة الحزبية ككل، من خلال الانفتاح على تجديد النخب وتعزيز الثقة في المسار السياسي، غير أن الواقع يؤكد استمرار بُعد عدد من الأحزاب عن هذه الغاية.
التشبيب.. رغبة السلطة وتماطل الأحزاب
في هذا السياق، يعتبر المحلل السياسي محمد شقير، أن غياب التشبيب ما يزال من الأعطاب التي تعانيها الحياة السياسية بالمغرب، “ففي الوقت الذي يمثل الشباب فئة واسعة من المجتمع، نجد أن الطبقة السياسية لا تعكس هذه البنية، ذلك أن الشخصيات السياسية والقيادات الحزبية تنتمي في الغالب إلى نخب محددة، تتميز بتقدمها في السن”، وهو ما يراه “مفارقة”.
وذهب المتحدث نفسه إلى أنه في الوقت الذي عمل الملك محمد السادس، منذ توليه الحكم، على مسألة تشبيب قيادات مؤسسات سيادية، سواء تعلّق الأمر بالمؤسسات الأمنية أو العسكرية أو غيرها، يُلاحظ بالمقابل أن الطبقة السياسية ظلت تجر ثقل عدم التشبيب وتجديد القيادات.
ويفسر شقير هذا الاستنتاج بأن نظام الحكم السابق، في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، لم يعمل على ترسيخ خيار التشبيب، إضافة إلى مجموعة من الإكراهات الأخرى، التي جعلت هذا الإشكال يظل مطروحًا.
وأوضح أن السلطات تحاول في المرحلة الأخيرة إعطاء أولوية أكبر للشباب وتشبيب القيادات الحزبية، غير أن هذه المسألة، في تقديره، لا تزال محدودة وظلت محصورة في الخطاب، مما يعيد إثارة الانتقادات حول هذا الموضوع في مناسبات متعددة.
ولفت إلى أن القوانين الانتخابية الأخيرة، ودفع وزارة الداخلية بتمويل الحملات الإنتخابية للشباب، يظل أحد الإجراءات المهمة ضمن هذا المسعى، غير أن الإشكال الحقيقي هو أن “الطبقة السياسية ما تزال لا تتوفر على الرغبة في التزحزح عن مناطق القيادة، وهو ما يتجلى في أن أحزاب قليلة عملت على تجديد القيادات، بما فيها حتى الأحزاب اليسارية التي ماتزال تعاني من هذه الظاهرة”.
ولاحظ المحلل السياسي أن “آليات التجديد ما تزال لم تُفعَّل بالشكل الكافي، خاصة على مستوى الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، وإتاحة الفرصة للشباب لتولي مواقع القيادة، إذ ما يزال هذا الرهان يراوح مكانه، وإن كانت بعض الأحزاب تحاول، من حين لآخر، ترشيح وجوه شابة، لكن ذلك يظل محدودًا وغير معمم، إذ يقتصر على تجارب حزبية معزولة، يمكن حصرها في التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، ولم يمتد بعد إلى مجمل الحقل الحزبي بالمغرب”.
الرهان الانتخابي يُقاوم التجديد
الإشكال من جهة أخرى، لا يطرح فقط على مستوى قيادة الأحزاب، بل يتجلى أيضًا في مسألة التزكيات المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية، إذ يُلاحظ أن العديد من الأحزاب ترفع شعار التجديد، لكنها في المقابل تعود لترشيح نفس الأعيان والوجوه التقليدية، غالبًا من الفئات المتقدمة في السن، مما يعيد إنتاج نفس النخب ونفس الممارسات.
في هذا الصدد، يؤكد شقير أن الانتخابات المقبلة تمثل “رهانًا أساسيًا، خاصة بالنسبة للشباب، لأنها قد تشكل رافعة للتشبيب، غير أن هذا المسار يواجه عدة إكراهات ومقاومات، حيث إن العديد من الوجوه الحالية تسعى إلى الحفاظ على مواقعها وتموقعها داخل المشهد السياسي، خصوصًا في ما يتعلق بالاستحقاقات القادمة”.
وأردف أن هذه المقاومات تتخذ أشكالًا متعددة، من بينها التحكم في التزكيات، وإقصاء الوجوه الجديدة، خاصة الشباب، داخل الأحزاب. وهو ما يجعل عملية التجديد تواجه صعوبات حقيقية، رغم وجود رغبة لدى بعض الجهات في الدفع نحو التشبيب.
وأشار شقير إلى “وجود رغبة لدى السلطة بضرورة التشبيب، وهو ما تعكسه بعض المبادرات، مثل دعم تمويل الحملات الانتخابية للشباب، أو تشجيع المستقلين على الولوج إلى العمل السياسي”، معتبرا أنها مؤشرات على وجود إرادة سياسية في اتجاه تجديد النخب، غير أن هذه الإرادة “تصطدم، في المقابل، بمقاومة داخلية من طرف جزء من الطبقة السياسية التي راكمت مواقعها وتدافع عنها”.
وبالمقابل، يضيف شقير أن مسألة التشبيب “لا ينبغي حصرها في عامل السن فقط، بل يجب النظر إليها باعتبارها تجديدًا في المنظور والسلوك والثقافة السياسية”، فالتشبيب الحقيقي، في رأيه، “لا يعني مجرد استبدال وجوه بأخرى، مع الإبقاء على نفس الممارسات، بل يقتضي إدخال نفس جديد قائم على قيم مختلفة”.
ويشدد المتحدث نفسه على ضرورة “توسيع مفهوم التشبيب ليشمل مختلف أبعاد المنظومة السياسية، بما فيها الثقافة السياسية، وأنماط التدبير، والسلوكيات، حتى يكون لهذا التحول أثر فعلي”.
استمرار نزيف الثقة
وبخصوص تأثير غياب التشبيب على الثقة والمشاركة السياسية، خاصة لدى الشباب، أورد شقير أن هذا الغياب “يساهم في تراجع الثقة”، موضحا أن هذه الأخيرة تأثرت بعدة عوامل، من بينها “عدم تحقق عدد من الوعود السياسية والمشاريع المعلنة، وهو ما أدى إلى نوع من الإحباط، خصوصًا لدى فئة الشباب”.
وتابع شقير أن ذلك انعكس في “ارتفاع مستويات العزوف الانتخابي، وهو ما يؤثر أيضا على رهان التشبيب، حيث أن جزءًا كبيرًا من الهيئة الناخبة الشابة لا يشارك في العملية الانتخابية، بل إن العديد من الشباب لا يسجلون أصلًا في اللوائح الانتخابية. وهذا الوضع يساهم، بشكل غير مباشر، في استمرار نفس الوجوه السياسية، لأن غياب المشاركة يحدّ من فرص بروز بدائل جديدة”.
ويبرز أن “مسألة التشبيب ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقة والمشاركة السياسية، إذ لا يمكن تحقيق تجديد حقيقي دون انخراط الشباب في العملية الانتخابية، سواء عبر التسجيل أو التصويت أو الترشح”.
وخلص شقير إلى أن التشبيب ليس مسألة حزبية فقط، بل هو جزء من منظومة متكاملة تشمل المشاركة السياسية، والثقة في المؤسسات، وآليات الديمقراطية الداخلية، وهو ما يتطلب تفاعلًا شاملًا بين مختلف هذه العناصر للوصول إلى تجديد فعلي للنخب السياسية.
ظهرت المقالة الأحزاب تُطفيء حماس وزارة الداخلية لتشبيب الانتخابات وضمان نزاهتها أولاً على مدار21.





