العراق يصدّر أول شحنة إسمنت إلى سوريا ومختصون يعتبرون الخطوة تعزيز للصناعة الوطنية
بغداد / خاص
أعلنت هيئة المنافذ الحدودية، الأحد، تصدير أول شحنة من الإسمنت العراقي إلى سوريا عبر منفذ الوليد الحدودي البري الدولي، في خطوة تعكس تحسن حركة التبادل التجاري عبر المنافذ الرسمية.
وذكرت الهيئة في بيان تلقته (المدى) أن عملية التصدير جرت بمتابعة مباشرة من رئيسها الفريق عمر عدنان الوائلي، الذي وصف الخطوة بأنها مؤشر إيجابي على فاعلية الإجراءات التنظيمية والرقابية في إدارة المنافذ، وعلى تعزيز التنسيق بين المؤسسات الحكومية المعنية.
وأضافت أن منفذ الوليد يتمتع بجاهزية متقدمة فنياً وإدارياً، تؤهله للقيام بدور محوري في تسهيل انسيابية حركة البضائع، ودعم النشاط التجاري بين العراق والدول المجاورة.
من جانبه، قال المتخصص في الشأن الاقتصادي أحمد الكربولي لـ(المدى) إن تصدير الإسمنت العراقي إلى السوق السورية يحمل دلالات اقتصادية مهمة، في مقدمتها تحريك الإنتاج المحلي وفتح أسواق خارجية أمام الصناعات الوطنية، خصوصاً في قطاع مواد البناء الذي يمتلك العراق فيه طاقات إنتاجية كبيرة.
وأوضح الكربولي أن الخطوة تسهم في تقليل الاعتماد على السوق المحلية، ما يخفف من حالات الركود ويعزز الإيرادات غير النفطية، فضلاً عن دعم استقرار الأسعار محلياً عبر تصريف الفائض الإنتاجي.
وأشار إلى أن نجاح التصدير عبر الوليد يعكس تحسناً في الاستقرار الأمني على الشريط الحدودي مع سوريا، وهو عامل أساسي لجذب الأنشطة التجارية والاستثمارية، مؤكداً أن استدامة هذا الاستقرار ستوسع حجم التبادل التجاري وترفع كفاءة المنافذ كممرات اقتصادية.
وبيّن أن المرحلة المقبلة تتطلب تطوير البنى التحتية اللوجستية وتعزيز الخدمات في المنافذ، بما يواكب الزيادة المتوقعة في حركة الصادرات، ويحوّل هذه المنافذ إلى روافد لدعم الاقتصاد الوطني.
وعلى صعيد القطاع، أعلنت وزارة الصناعة والمعادن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الإسمنت خلال عام 2024، بعد أن بلغ إنتاج المصانع التابعة لها نحو 37.5 مليون طن، بجودة مطابقة للمواصفات الدولية.
وتُظهر المعطيات أن الطلب المحلي على الإسمنت ارتفع خلال السنوات الأخيرة، مدفوعاً بالتوسع السكاني وتسارع مشاريع البناء والبنى التحتية والإسكان والاستثمار وشبكات الخدمات في المحافظات.
ويضم العراق حالياً 18 شركة حكومية و13 شركة خاصة في قطاع الإسمنت، بقدرة تشغيلية تصل إلى نحو 45 مليون طن سنوياً عند احتساب إنتاج القطاعين العام والخاص.
وتنتج المصانع العراقية أنواعاً متعددة من الإسمنت، تشمل الاعتيادي (البورتلاندي) والمقاوم للأملاح، فضلاً عن أنواع تخصصية لآبار النفط وفق معايير معهد البترول الأميركي، ومنتجات تُستخدم في السدود والمنشآت المائية.
وتعمل وزارة الصناعة على رفع الطاقة الإنتاجية إلى نحو 50 مليون طن سنوياً خلال السنوات المقبلة، عبر طرح فرص استثمارية لتحديث المصانع القائمة وإنشاء أخرى جديدة في عدد من المحافظات.
ويرى مختصون أن العراق انتقل من مرحلة الاعتماد على الاستيراد، التي كانت سائدة قبل عام 2014 حين لم يتجاوز الاستهلاك 25 مليون طن سنوياً، إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي والاتجاه نحو تصدير الفائض، خاصة مع تحسن جودة المنتج المحلي.
ويؤكد خبراء أن الطلب مرشح لمزيد من الارتفاع، مع استمرار مشاريع الإعمار وتزايد الحاجة إلى الوحدات السكنية المقدّرة بنحو 3.5 ملايين وحدة خلال العقد المقبل.
ورغم هذا التطور، لا تزال الصناعة تواجه تحديات تتعلق بكلف الإنتاج، خصوصاً الطاقة والوقود، ما يدفع الحكومة إلى تحديث خطوط الإنتاج والتحول إلى تقنيات أكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للطاقة.
وتأتي الخطوة في وقت تتجه فيه سوريا إلى تهيئة بيئة اقتصادية لمرحلة إعادة الإعمار، إذ أوقفت الحكومة الجديدة الضرائب على الإسمنت المنتج محلياً، لتعزيز القدرة التنافسية وتشجيع الاستثمار في هذا القطاع.
وتسعى دمشق إلى إعادة تشغيل معامل متوقفة وإنشاء خطوط إنتاج جديدة، في ظل حاجة متوقعة تتراوح بين 8 و9 ملايين طن سنوياً خلال مرحلة الإعمار، مع توقعات بارتفاع الطلب إلى نحو 15 مليون طن بحلول عام 2035.
ورغم أن البلاد لم تدخل رسمياً مرحلة إعادة الإعمار، يشهد استهلاك الإسمنت ارتفاعاً ملحوظاً، فيما يبلغ الإنتاج المحلي نحو 10 آلاف طن يومياً، ما يفرض الاستيراد لتغطية فجوة مماثلة بين العرض والطلب.
وتعتمد سوريا حالياً على استيراد الإسمنت من دول تمتلك فائضاً في الإنتاج، مثل العراق وتركيا والأردن ومصر والسعودية، في سوق مفتوحة تشهد منافسة بين المنتج المحلي والمستورد.
ويواجه القطاع تحديات أبرزها تأمين الوقود الذي يشكل نحو 65% من كلفة الإنتاج، إلى جانب ارتفاع أسعار الكهرباء وصعوبات توفير قطع الغيار، ما ينعكس على أسعار البيع التي تتراوح بين 100 و123 دولاراً للطن.
ويجري العمل على استكمال مشاريع معامل جديدة، وصلت نسب الإنجاز في بعضها إلى 85%، مع توقعات بدخول عدد منها الخدمة قريباً، باستثمارات تصل إلى 500 مليون دولار للمعمل الواحد.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن كلفة إعادة إعمار سوريا قد تتراوح بين 400 و700 مليار دولار، ما يعني طلباً ضخماً على مواد البناء وفي مقدمتها الإسمنت، الأمر الذي يفتح المجال أمام دول الجوار، ومنها العراق، لتعزيز صادراتها والاستفادة من الفرص الاقتصادية المرتبطة بهذه المرحلة.
The post العراق يصدّر أول شحنة إسمنت إلى سوريا ومختصون يعتبرون الخطوة تعزيز للصناعة الوطنية appeared first on جريدة المدى.



