العراق وحُلم المواطنة والاستقرار
جورج منصور
ليس من السهل الكتابة عن العراق دون الوقوع في قخّ التكرار أو المُجاملة أو اليأس. لكنَّ الأصعب هو السكوت، بينما يُدار بلدٌ كامل بمنطق الغنيمة، وتُختزل فكرة الوطن إلى موازنات وصفقات وتوازنات طائفية هشَّة.
متى يستقرالعراق، أرضُ الحضارات والتنُّوع الغني، وهو يواجه تحديات جسيمة في بناء دولة متماسكة؟ يُطرح السؤال نفسه منذ أكثر من عقدين، وهو في جوهره سؤال مضلٍّل، فالاستقرار لا يُقاس بعدد الأيام الهادئة أو غياب القذائف، بل بوجود دولة تحمي مواطنيها وتخضع نفسها للقانون.
العراق أغنى من أن يُحصَر في هويات فرعية متصارعة. مستقبله يكمن في قوة مواطنيه، المتساوين في الحقوق والواجبات. تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وشجاعة في مواجهة ثقافة التعصُّب، واستثماراً في الأجيال القادمة التي تحلم بعراق موحّد ومزدهر.
ولتحقيق الاستقرار الدائم، يجب أن يعلو شعار المواطنة فوق أي انتماء فرعي أو مذهبي أو قومي، فهي ليست شعاراً فحسب، بل عقداً اجتماعياً جديداً يضمن لكل عراقي الكرامة والأمان والفرصة، ويقابله التزام بالولاء للوطن فوق كل ولاء. هذا هو الطريق الوحيد نحو عراق قوي يمكنه النهوض مرة أخرى كمركز إشعاع حضاري في المنطقة.
ما جرى بعد 2003 لم يكن بناءَ نظام ديمقراطي، بل إنشاء لترتيب سياسي هش قائم على المحاصصة، برعاية خارجية وتواطؤ نخب محلية رأت في السلطة فرصة تعويض تاريخي، لا مسؤولية وطنية.
حُلَّت مؤسسات الدولة باسم التغيير، لكن لم تُبنَ بدائل حقيقية. جرى استبدال الدولة بالحزب، والمؤسسة بالولاء، والقانون بالتوافق. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: "من يحكم؟"، بل: "من ينهب أكثر، ومن يوفّر غطاءً طائفياً أفضل؟».
روّجت الطبقة السياسية للمحاصصة باعتبارها ضمانة للسلم الأهلي، لكنها كانت في الواقع آلية لتوزيع الفشل والفساد بالتساوي. فحين يكون الجميع في السلطة، لا يعود أحد مسؤولاً. عطّلت المحاصصة الدولة بثلاث طرق خطيرة: ألغت الكفاءة لصالح الانتماء، وشلَّّت الرقابة والمحاسبة، وكرّست الانقسام المجتمعي كأداة حكم.
وهكذا تحولت الدولة إلى جسد مشلول، يتحرك فقط عند تمرير الموازنات أو اقتسام العقود.
لم يعد الفساد في العراق استثناءً أو انحرافاً، بل أصبح لغة الحكم اليومية. فالعشرات من ملفات الكهرباء والإعمار والتسليح والبطاقات التموينية مرَّت بلا محاسبة حقيقية.
المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في غياب الإرادة. فالقضاء محاصر، والهيئات الرقابية مُفرغة، والإعلام في معظمه ممول سياسياً. والنتيجة أن المواطن يُطالب بالصبر، بينما تُهرَّب الثروات بلا خجل.
عندما خرج الشباب في تشرين، كسروا المعادلة الطائفية لأول مرة. لم يطالبوا بحصة، بل بدولة. لم يرفعوا صور زعماء، بل أسماء شهدائهم.
وكان الرد واضحاً: الرصاص أولاً، ثم النسيان. أُغلقت الملفات، وأُعيد تدوير السلطة، وبقيت الأسئلة بلا أجوبة. أثبتت تلك اللحظة أن النظام السياسي مستعد للتنازل عن كل شيء إلا عن سلطته.
تُعدّ المواطنة الركيزة الأساسية لأي دولة حديثة، فهي الإطار الذي تُبنى فيه العلاقة بين الفرد والدولة على أساس الحقوق والواجبات المتساوية. لكن مفهوم المواطنة في العراق ظل تاريخياً وواقعياً مفهوماً ملتبساً ومتنازعاً عليه، بفعل تراكمات سياسية واجتماعية تفاقمت بعد عام 2003 مع صعود النزعات القومية والمذهبية إلى واجهة الحياة السياسية.
ينص الدستور العراقي بوضوح على مبدأ المساواة بين المواطنين ويكفل الحقوق الأساسية، لكن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في النصوص، بل في الفجوة الواسعة بين الدستور والتطبيق. فالقوانين غالباً ما تُفرغ من مضمونها بفعل المحاصصة وضعف المؤسسات، وتغليب الانتماءات الفرعية على الهوية الوطنية الجامعة.
العراق بلد متعدّد القوميات، وكان يمكن لهذه التعددية أن تكون مصدر غنى حضاري. إلا أن تحويل القومية من هوية ثقافية إلى مشروع سياسي إقصائي أدت إلى توترات عميقة. ففي كثير من الأحيان، عوملت الدولة كأداة لخدمة قومية بعينها أو إقليم معيَّن، لا كإطار جامع لكل المواطنين. ونتيجة لذلك، تراجعت فكرة "المواطن الفرد" لصالح "المواطن المنتمي"، الذي تُقاس حقوقه وامتيازاته بمدى قربه من الجماعة المسيطرة سياسياً.
هذا الواقع أضعف الثقة بالدولة ورسّخ الشعور بالغبن والتهميش لدى شرائح واسعة، وساهم في إعادة إنتاج الصراع بدلاّ من حلّه.
أما المذهبية فقد ضربت في الصميم. فبعد 2003، تحوّلت الطائفية من واقع اجتماعي محدود التأثير إلى نظام سياسي غير معلن تُدار من خلاله السلطة والثروة والوظائف. فأصبحت الهوية المذهبية في كثير من الأحيان شرطًا غير مكتوب للحصول على الحقوق أو على الأقل لضمان الحماية.
لم يعد المواطن يشعر بأن الدولة تحميه بوصفه مواطناً، بل بوصفه عضواً في طائفة لها ممثلون في السلطة. أدى ذلك إلى: تسييس الدين والمذهب وإضعاف القانون لصالح "التوازنات الطائفية"، وشرعنة التمييزغير المباشر، وتفكك الهوية الوطنية الجامعة.
وتحت ضغط القومية والمذهبية، تضررت حقوق المواطنة بشكل ملموس، وتجلَّى ذلك في: عدم تكافؤ الفرص في الوظائف العامة، وضعف العدالة القضائية بسبب التدخلات السياسية، وتقييد الحريات بأسم حماية المكوّن أو العقيدة، وتآكل مفهوم المسؤولية الفردية لصالح الحماية الجماعية.
وهكذا تحوّلت المواطنة من حق طبيعي إلى امتياز سياسي أو اجتماعي.
إن استعادة مفهوم المواطنة في العراق لا يمكن أن تتم عبر الشعارات، بل تتطلب: بناء دولة مؤسسات حقيقية، وفصل الدين عن الصراع السياسي، وإصلاح النظام الانتخابي، وتعزيز التربية المدنية في التعليم والإعلام، وإعادة تعريف الهوية العراقية كهوية جامعة تنظّم التعددية ولا تلغيها.
أزمة المواطنة في العراق ليست أزمة قانونية بقدر ما هي أزمة وعي وإرادة سياسية. فالدولة التي تُدار بمنطق القومية أو المذهب لا يمكن أن تنتج مواطناً حراً ومتساوياً، بل جماعات متنافسة تبحث عن الحماية لا عن الحقوق.
ولا يمكن للعراق أن يستعيد عافيته ما لم تُعاد المواطنة إلى موقعها الطبيعي: أساساً للعلاقة بين الفرد والدولة، وجسراً للعبور من الانقسام إلى الشراكة الوطنية.
هل يمكن للعراق أن بستقر؟
نعم، يمكن. لكن ليس بهذا الشكل، ولا بهذه القواعد. لا استقرار مع سلاح خارج الدولة، ولا تنمية مع اقتصاد ريعي فاسد، ولا عدالة مع قضاء انتقائي. الاستقرار الحقيقي يبدأ حين يُفهم أن الطائفة لا تبني دولة، والنفط لا يصنع عدالة، والانتخابات بلا إصلاح ليست حلاً.
العراق لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى شجاعة سياسية وأخلاقية. يحتاج إلى الاعتراف بأن المحاصصة قد فشلت، وأن استمرارها جريمة بحق المستقبل.
The post العراق وحُلم المواطنة والاستقرار appeared first on جريدة المدى.


