العراق بين الحياد السيادي والواقع الجيوسياسي
د. سعد عزت السعدي
يقع العراق في قلب منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم اضطرابًا، ما يجعله عرضة للتأثر المباشر بالنزاعات الإقليمية، سواء العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية. مما يطرح عدة تساؤلات حول المركز القانوني للعراق فيما اذا يتمتع بحرية تبني موقف الحياد وفق قواعد القانون الدولي، أم أن التزاماته الدولية وواقعه السياسي يحدّان من هذه الحرية.
ينطلق تحديد المركز القانوني للعراق من مبادئ راسخة في القانون الدولي، أهمها مبدأ السيادة الذي يخول الدولة حرية اتخاذ مواقفها الخارجية و مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ومبدأ حظر استخدام القوة إلا في حالات الدفاع الشرعي، كما يتيح القانون الدولي للدول غير المشاركة في النزاع تبني سياسة الحياد، التي تفرض التزامات محددة، مثل عدم الانخراط العسكري في النزاع وعدم السماح باستخدام الإقليم لعمليات عسكرية اضافة إلى معاملة أطراف النزاع على قدم المساواة. وتطبيقا على الحالة العراقية فإن العراق، يتمتع بكامل هذه الحقوق والالتزامات كدولة ذات سيادة.رغم وضوح الإطار القانوني، الا ان العراق يواجه صعوبة في تبني حياد فعلي، وذلك لعدة أسباب الوجود العسكري الأجنبي فوجود قوات أجنبية على الأراضي العراقية، بموجب اتفاقيات أو تفاهمات، يثير تساؤلات حول مدى قدرته على منع استخدام أراضيه في صراعات إقليمية, وعلاوة على الالتزامات الدولية والأمنية فأن انخراطه في تحالفات أمنية، خاصة في سياق مكافحة الإرهاب، يضعه في موقع قد يُفسر كاصطفاف ضمن نزاعات أوسع.
ولا يخفى الضغط الجيوسياسي حيث إن التنافس بين قوى إقليمية ودولية داخل العراق، يجعل من الصعب الحفاظ على موقف قانوني محايد بشكل كامل.
بالتالي، الحياد في الحالة العراقية ليس مجرد قرار قانوني، بل هو معادلة سياسية معقدة.
واما عن توصيف المركز القانوني للعراق فيظهر ضمن أحد الاحتمالات التالية دولة محايدة وهو توصيف نظري يصطدم بالواقع العملي ام دولة غير محاربة ذات انخراط غير مباشر وهو الأقرب للواقع، حيث لا يشارك العراق رسميًا في النزاعات، لكنه يتأثر بها ويتداخل معها ام ساحة صراع غير مباشر وهو توصيف سياسي أكثر منه قانوني، لكنه يعكس حقيقة التأثيرات الخارجية.
من منظور قانوني دقيق، العراق لا يفقد صفته كدولة ذات سيادة، لكنه يواجه قيودًا على ممارسة هذه السيادة بشكل كامل.
وفي هذا الإطار فإنه يترتب على العراق، حتى في ظل هذه الظروف، التزامات قانونية مهمة كمنع استخدام أراضيه لشن هجمات ضد دول أخرى و احترام قواعد القانون الدولي الإنساني عند حدوث عمليات عسكرية داخل أراضيه وحماية البعثات الدبلوماسية والمصالح الأجنبية فضلا عن ضمان عدم تحول أراضيه إلى منصة لانتهاك الأمن الإقليمي، وان الإخلال بهذه الالتزامات قد يعرّض العراق لمسؤولية دولية، حتى لو كان ذلك نتيجة ضغوط خارجية.
ولا شك في أن المشكلة الجوهرية ليست في غياب القواعد القانونية، بل في ضعف القدرة المؤسسية على فرض السيادة, تعدد مراكز القوة داخل الدولة، تداخل العوامل الداخلية مع التأثيرات الخارجية.
ولأجل ما تقدم نجد أن القانون الدولي يفترض دولة قادرة على السيطرة الكاملة على إقليمها، بينما الواقع العراقي لا ينسجم دائمًا مع هذا الافتراض.
وإذا أردنا مقاربة واقعية، فتعزيز المركز القانوني للعراق يتطلب تقوية احتكار الدولة لاستخدام القوة داخل أراضيها, تبني سياسة خارجية قائمة على “الحياد النشط” بدل الحياد السلبي وتفعيل الدبلوماسية القانونية للدفاع عن المصالح العراقية في المحافل الدولية, وان أي تحسن في المركز القانوني لن يتحقق دون استقرار سياسي داخلي حقيقي.
وأخيرا يتمتع العراق، من الناحية النظرية، بمركز قانوني يتيح له تبني الحياد في النزاعات الإقليمية، غير أن هذا المركز يتعرض لتحديات كبيرة بفعل الضغوط الجيوسياسية والواقع الداخلي المعقد.
وعليه، فإن الإشكالية ليست في القواعد القانونية، بل في قدرة الدولة على تفعيلها. فالقانون يمنح العراق هامشًا واسعًا، لكن السياسة تضيق هذا الهامش إلى حد كبير.





