العنف الجنسي في سجون إسرائيل .. سياسة ممنهجة لكسر الفلسطينيين

المركز الفلسطيني للإعلام
لم تكن الانتهاكات داخل سجون إسرائيل جديدة في سياق الصراع الممتد، لكن ما تكشف منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 يشير إلى تحوّل نوعي في طبيعة هذه الانتهاكات، التي برز من بينها العنف الجنسي كجزء من نمط متكرر، واسع النطاق، يحمل سمات التنظيم والتخطيط.
هذا التحول لا يظهر فقط في حجم الوقائع بل في بنيتها إذ يتقاطع استخدام الجسد كمساحة للعقاب مع بيئة احتجاز مغلقة تسمح بتكثيف الانتهاكات وإعادة إنتاجها بعيدًا عن أي رقابة فعلية ما يفتح تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كان الأمر يتعلق بانفلات أفراد أم بسياسة تتشكل داخل منظومة أوسع.
من الوقائع إلى النمط
المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أصدر اليوم الأحد تقريار بعنوان “إبادة جماعية أخرى خلف الجدران” يقدم مادة أولية لفهم هذا التحول، إذ يوثق أنماطًا متكررة من العنف الجنسي تشمل الاغتصاب المباشر والاعتداء باستخدام أدوات والتعرية القسرية المصحوبة بإذلال لفظي وجسدي إلى جانب حضور عناصر أمنية متعددة أثناء الاعتداء أو توثيقه بالصوت والصورة.
تكرار هذه الأنماط عبر شهادات منفصلة وفي أماكن احتجاز مختلفة لا يتركها في إطار الحوادث الفردية بل يدفع باتجاه قراءتها كنمط منتج داخل بيئة مؤسسية حيث يصبح العنف ممارسة قابلة للتكرار وليست استثناء عابرًا.
داخل غرفة التحقيق
في إحدى الشهادات التي جمعها فريق التوثيق يروي معتقل سابق في الثالثة والأربعين من عمره تفاصيل تعرضه لاعتداءات جنسية متكررة خلال التحقيق لم يكن الحدث لحظة منفصلة بل سلسلة من الوقائع الممتدة التي تخللها الضرب والتصوير والسخرية في حضور أكثر من عنصر أمني.
يقول “وجدي” الذي أمضى عامًا كاملًا داخل الاعتقال، إنه تعرض للاغتصاب المباشر والمتكرر من جنود وكلب خلال التحقيق معه.
وأضاف: “خلال التحقيق، قيدوني عاريًا على سرير حديدي، وسألني أحد الجنود كم إسرائيلية اغتصبت داخل إسرائيل؟ فنفيت أنني دخلت إسرائيل. بعدها قام جندي باغتصابي، شعرت بألم شديد في فتحة الشرج، وكنت أصرخ، وكلما أصرخ أتعرض للضرب. استمر ذلك عدة دقائق، وكان الجنود يصورون ويسخرون مني، وتركني الجندي بعد أن أنزل سائله المنوي داخلي.”
وتابع: “كنت في وضع مهين، تمنيت الموت، وكان هناك نزيف لدي. ثم في وقت لاحق فكوا قيودي وأحضروا كلبًا، حيث قام باغتصابي أيضًا. وخلال اليوم نفسه تعرضت للاغتصاب مرتين على الأقل بعد أن تم ربطي على السرير، وقام أحد الجنود بوضع عضوه الذكري داخل فمي، ثم تبول عليّ، وتكرر الاغتصاب بعد يومين من ثلاثة جنود، وكنت في وضع صحي ونفسي سيء جدًا.”
ما تكشفه هذه الشهادة لا يقف عند حدود الفعل بل يمتد إلى السياق الذي جرى فيه حيث يظهر الاعتداء كجزء من بيئة تحقيق تسمح به وتعيد استخدامه كوسيلة ضغط بما يعزز فرضية أن ما يحدث ليس خروجًا عن القواعد بل ممارسة تجري داخلها.
الصمت كجزء من المشهد
أحد أكثر الجوانب تعقيدًا في هذا الملف هو محدودية الشهادات مقارنة بحجم الانتهاكات المفترضة فتوثيق العنف الجنسي يواجه عوائق مركبة تتداخل فيها الوصمة الاجتماعية مع الخوف من الانتقام ومع الأثر النفسي العميق الذي يتركه هذا النوع من الجرائم.
في مجتمع محافظ تتحول الضحية إلى حاملة لعبء اجتماعي إضافي ما يدفع كثيرين إلى الصمت ويجعل ما يتم توثيقه مجرد جزء ضيق من واقع أوسع غير مرئي بهذا المعنى لا يكون الصمت غيابًا للرواية بل نتيجة مباشرة لبيئة تضغط باتجاه إخفائها.
الهندسة النفسية للعنف
لا يتوقف أثر هذه الانتهاكات عند حدود الجسد بل يمتد إلى ما يمكن وصفه بهندسة نفسية تستهدف إعادة تشكيل وعي الضحية بنفسه وبمجتمعه إذ يجري توظيف مفاهيم الكرامة والخصوصية كأدوات ضغط عبر زرع الخوف من أن الإفصاح سيشكل انتهاكًا ثانيًا.
بهذه الطريقة يتحول المجتمع من مساحة محتملة للدعم إلى مصدر تهديد إضافي ويجد الضحية نفسه محاصرًا داخل دائرة مغلقة من الصمت حيث يستمر أثر التعذيب حتى بعد انتهاء الواقعة.
استهداف الجسد ووظيفته
تظهر الشهادات أن الاعتداءات تركز بشكل لافت على الأعضاء التناسلية وهو ما يمنح العنف بعدًا يتجاوز الإيذاء اللحظي نحو إحداث ضرر طويل الأمد في الجسد ووظيفته حيث وثقت حالات نزيف حاد وتمزقات داخلية وفقدان دائم للقدرة الإنجابية أو الحاجة إلى تدخلات جراحية قاسية.
هذا النمط من الاستهداف يشير إلى أن الهدف لا يقتصر على الإذلال بل يمتد إلى إلحاق أذى بنيوي في حياة الضحية بما يؤثر على مستقبله الجسدي والنفسي والاجتماعي.
النساء في دائرة الانتهاك
بالنسبة للنساء والفتيات يأخذ العنف الجنسي أبعادًا أكثر تعقيدًا إذ يتقاطع الاعتداء مع تهديدات مستمرة وبيئة اجتماعية تجعل الإفصاح أكثر كلفة حيث تشمل الانتهاكات التعرية القسرية والتحرش والتهديد بالاغتصاب وصولًا إلى حالات اعتداء فعلي.
ورغم خطورة هذه الوقائع تبقى الشهادات النسوية أقل حضورًا في التوثيق وهو ما يعكس حجم الحواجز التي تمنع وصول هذه الروايات إلى المجال العام.
ما بعد التعذيب
الأثر النفسي لهذه التجارب لا يقل قسوة عن الأذى الجسدي إذ تشير الأدبيات الطبية إلى أن العنف الجنسي يمثل أحد أبرز مسببات اضطراب ما بعد الصدمة المعقد حيث يعيش الناجون تحت وطأة استرجاع دائم للحدث واكتئاب حاد وأرق مزمن وانفصال نفسي عن الجسد
يمتد هذا الأثر إلى الحياة اليومية حيث يواجه الضحايا صعوبة في العودة إلى العمل أو الدراسة ويعيشون في حالة خوف مزمن تدفعهم نحو العزلة وتحد من قدرتهم على استعادة حياتهم الطبيعية
مسار مغلق للمساءلة
في موازاة ذلك يبرز غياب المساءلة كعنصر مركزي في فهم استمرار هذه الانتهاكات إذ تشير المعطيات إلى أن نسبة لوائح الاتهام في قضايا الانتهاكات ضد الفلسطينيين تبقى ضئيلة للغاية ما يعكس خللًا بنيويًا في آليات التحقيق والمحاسبة
هذا الواقع لا يقتصر على التقصير بل يوحي بوجود منظومة قادرة على احتواء القضايا وتضييق نطاق المسؤولية بما يوفر حماية عملية للمنفذين ويكرس الإفلات من العقاب
بين القانون والواقع
في ضوء القانون الدولي يمكن تصنيف هذه الممارسات ضمن جرائم التعذيب وجرائم الحرب وقد ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ثبت طابعها المنهجي واسع النطاق وفي سياقات معينة قد تندرج ضمن أفعال مرتبطة بجريمة الإبادة الجماعية عندما يقترن العنف بقصد إلحاق ضرر جسدي أو نفسي جسيم بجماعة بعينها.
ما تكشفه هذه الشهادات والتقارير لا يتعلق فقط بطبيعة الانتهاكات بل بالبيئة التي تسمح بحدوثها واستمرارها حيث يتقاطع العنف مع الصمت ويغيب الردع وتبقى المساءلة مؤجلة.
في هذا الفراغ يصبح التوثيق خطوة أولى لكنه غير كافٍ ما لم يتحول إلى مسار قانوني قادر على كسر هذه الدائرة وإعادة تعريف حدود المساءلة داخل واحدة من أكثر المساحات إغلاقًا في هذا الصراع

