العمود الثامن: سيدة "العنبر" ونواب الفضائيات
علي حسين
ثمة أشياء نمر عليها سريعاً، نحن الذين نتابع تصريحات النائب شاكر محمود لفتة "أبو تراب التميمي" وهو يسخر من لجنة المرأة البرلمانية ويعتبر العمل فيها نوعاً من أنواع العقاب، ولأن السيد التميمي زاهد في المناصب ولا يريد أن يصبح وزيراً إلا إذا وافقت عليه طهران، فقد اكتشف أن أمريكا دمرت العراق عندما أسقطت نظام صدام، وكنت أتمنى أن يجيب السيد النائب على سؤال: كيف كان سيصبح نائباً لو كان صدام وزبانيته يتحكمون في مقدرات العراقيين.. سأترك السيد النائب وانزعاجه من لجنة المرأة البرلمانية وأتحدث عن نموذج مشرف لكل العراقيين، إنها السيدة نوال نصر الله التي فازت بجائزة الشيخ زايد قبل يومين، امرأة عراقية اضطرتها ظروف الحصار في التسعينيات أن تغادر مدينتها التي تعشقها بغداد لتحط الرحال في أمريكا، يصفها الكاتب الراحل محمد عارف بأنها مثل "رائحة العنبر"، يفوح منها عطر العراق، ماذا فعلت نوال نصر الله حتى تحمل العراق معها في كل مكان تذهب إليه؟، قررت أن تُقدم للعالم وجهاً آخر لبلاد الرافدين بعيداً عن أخبار المحاصصة ومعارك المصير وحروب صدام، إنه وجه المطبخ العراقي الذي تصر نوال على أنه الأقدم في تاريخ البشرية، فقد اكتشفت الباحثة العراقية أن في هذه البلاد تمت كتابة أول "كتب الطبخ" منذ أكثر من 3700 سنة، فقررت أن تلاحق المطبخ العراقي وحكاياته لتلقي الضوء "على الوجه الإنساني لبلادي في وقت كانت تشهد فيه تحولات سياسية كبرى".
ظلت تردد أن كل لقمة طيبة أكلتها في مدينتها بغداد، وفي الموصل التي عملت بها أستاذة جامعية، تحولت إلى كتاب يتحدث عن جنة عدن التي ضاعت من العراقيين، فهي لا تنسى مطبخ والدتها، وتتذكر حالها، ويذرف قلبها دمعة كلما قرأت في النصوص البابلية حكاية الفتى العراقي الذي يشتاق إلى طعام أمه. نوال نصر الله التي أسست عام 1994 "معهد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" في ماساتشوستس بالولايات المتحدة، لم تتوقف منذ أكثر من ثلاثين عاماً عن إعداد الأبحاث، وإنتاج الأفلام، وشنّ الحملات دفاعاً عن العراق والعرب، وتحتفل كل عام بيوم "العنبر العراقي". تأخذنا نوال نصر الله في مؤلفاتها للغوص معها في مرحلة مهمة من تاريخنا الاجتماعي؛ بدأت حياتها في بغداد، ومرت بمحطات كانت فيها مصرّة على أن تمنح المكتبة العالمية أعمالاً ذات هوية عراقية وعربية، وأن لا تفقد صلتها بوطنها العراق وبعالمها العربي.
نكتب عن احتفاء الإمارات بسيدة "العنبر العراقي" نوال نصر الله، لأن الأمر يستحق منا أن نثمن هذه المبادرة، ولأننا سوف نعرف مدى الفرق بين "استنكاف" النائب شاكر محمود لفتة، وبين دولة عربية تجد في المرأة العراقية نموذجاً يستحق التكريم.
The post العمود الثامن: سيدة "العنبر" ونواب الفضائيات appeared first on جريدة المدى.





