العلاقات التجارية الأميركية الصينية: كسر الطوق والتبادل غير المتكافئ
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، تصاعدَ التوتر في العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة إلى حدٍ وُصف بالحرب التجارية المعلنة. إلّا أن الطرفين توصّلا إلى تفاهم في العاصمة الكورية الجنوبية، نهاية تشرين الأول الماضي، أفضى إلى التراجع عن بعض الرسوم الجمركية، ورفع الصين حظر تصدير المعادن النادرة للولايات المتحدة، وعودتها لاستيراد فول الصويا الأمريكي، وغيرها من التفاصيل.
أكد التفاهم على مدى الترابط الكبير الذي وصلت له العلاقات التجارية الدولية، بالأخص بين أكبر اقتصادين في العالم. لكن ما جرى في سيول ينظر إليه على أنه مجرّد هدنة مؤقتة، فيما تبقى السيناريوهات المتداولة إعلاميًا لمستقبل التجارة البينية الصينية الأميركية، مفتوحة على مصراعيها، من احتمال استقرار الأسواق، أو عودة التوتر، أو الاتفاق على درجة غير معلومة من وقف التصعيد.
بالتالي، فإن فهم مستقبل العلاقة التجارية الصينية الأميركية لن يتأتى عبر مراقبة حركة الأسواق المالية، وإنما بالعودة إلى أسئلة تأسيسية تناقش البنى التاريخية التي أوصلت هذه العلاقة إلى ما وصلت إليه. الأمر الذي يدعو إلى إعادة تعريف الصلة الاقتصادية بين مركز النظام الرأسمالي العالمي وبين مجمل العالم النامي الذي تشكل الصين رأس حربته، والتي كان يُنظر لها في الأمس القريب باعتبارها دولة على تخوم الصناعة.
حتى نناقش العلاقة التجارية بين الولايات المتحدة والصين، من المهم بدايةً إعادة ضبط المنظور التحليلي، عبر التخلي عن مقياس التبادل التجاري الاسمي بينهما. فالاكتفاء بالنظر إلى الميزان التجاري سيصب دومًا في صالح الصين، لأنها تجني لقاء صادراتها إلى الولايات المتحدة أكثر مما تدفعه لقاء وارداتها منها. لكن هذا المنظور يتجاهل علاقات الإنتاج الكامنة وراء علاقات التبادل، كما يتجاهل السياق الدولي الذي يغيب عنه التكافؤ، والمسار الذي سلكته كل من الصين والولايات المتحدة للوصول إلى موقعهما اليوم، والأثر المستمر لهذا المسار في سلوك كل منهما.
الرأسمالية وجغرافيا الإنتاج
القول إن الدول الرأسمالية المتقدمة كانت على الدوام مختصة بإنتاج السلع عالية التقانة، وأنها تستورد السلع الخام حصرًا من المحيط المتأخر والمتخلف عنها اقتصاديًا، من الممكن أن يقودنا إلى خطأ في استقراء تاريخ وواقع العلاقة التجارية بين المركز الرأسمالي والمحيط. فالعمليات التجارية بين أوروبا الغربية والعالم الخارجي في الشرق وإفريقيا، كانت قائمة في مطلع الرأسمالية خلال القرن السادس عشر على استيراد البضائع التي كان يُنظر إليها على أنها كمالية ونادرة (قهوة، شاي، سكر، توابل، حرير وغيرها) مقابل الذهب المستخرج من العالم الجديد (الأميركيتين) والذي سُكَّ قطعًا نقدية في العواصم الأوروبية المركزية.[1]
عملية اقتصادية من هذا النوع عَنَت الاستعمار بكل ما فيه من نهب وإبادة واستعباد واسترقاق لسكان المجتمعات المحيطية. وفيما بعد، فرضَ تقسيم العمل على المحيط إنتاج المواد الأولية مقابل استيراد السلع المصنعة البسيطة من الغرب (منسوجات، مواد غذائية، أدوات منزلية وغيرها). في هذه المرحلة الممتدة حتى نهاية القرن التاسع عشر، توسعت السوق الرأسمالية على حساب المجتمعات ما قبل الرأسمالية بحثًا عن معدلات ربح أعلى من خلال استيراد الخامات بالدرجة الأولى. وتلا ذلك ظهور الاحتكارات التي قلّلت من حدة المزاحمة التقليدية لصالح التحكم بالأسعار، ما أتاح الإمكانية لزيادة الأجور في المركز تمهيدًا لخلق «أرستقراطية عمالية» هناك من جهة، وتكثيف تصدير رأس المال إلى المحيط من جهة أخرى.[2]
وحتى منتصف القرن الماضي فُرض تقسيم عمل تقوم بموجبه القوى الإمبريالية بالاستثمار المنجمي في المحيط وما يترافق معه من سيطرة على طرق التجارة وتأهيلها ومد سكك الحديد وإدارة عمليات الإقراض والتحكم المالي والنقدي بالمستعمرات، التي استمرت في تصدير الخامات والمنتجات الزراعية. هكذا تكوّنت قطاعات إنتاجية موجهة للتصدير، بمعنى أنها تخدم آليات الإنتاج في اقتصاديات المركز على حساب الحاجات التنموية والفرص الاستثمارية المحلية.[3]
تطورت تلك القطاعات الإنتاجية تكنولوجيًا بدافع إمبريالي إلى مستوىً أقل من نظيره الموجود في المركز، وبفعل التنافس بين الاحتكارات الساعية وراء الربح من خلال الشركات متعددة الجنسيات، كان لا بد من تحديث آليات الإنتاج حتى في القطاعات الزراعية والمنجمية المحيطية المختصة بالتصدير إلى المركز.
أما اليوم، فشكل التجارة مختلف إلى حد كبير، ذلك لأن المنتج الصناعي يقطع العديد من الحدود الدولية، مارًا بمراحل تصنيعية موزعة على أكثر من بلد في إطار ما يعرف بسلاسل التوريد (أو سلاسل القيمة) التي تطورت خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلى حد باتت تشكل عنده 70% من مجمل التجارة العالمية.
كما وازداد نصيب التصنيع في البلدان النامية والأسواق الناشئة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالدول الرأسمالية، حيث انتقل الثقل التصنيعي العالمي من الشمال إلى الجنوب منذ زمن. وبات التصنيع الموجّه للتصدير السبيلَ الوحيد للتنمية الاقتصادية المحلية، بالأخص بعد انهيار دول المنظومة الاشتراكية وما كرسه ذلك من غياب بديل تجاري على الساحة الدولية، وتخلي العالم النامي عن أفكار الحمائية التجارية الذي نُظر لها سابقًا كدرع لا بد منه لضمان التطور الاقتصادي الداخلي، بالتوازي مع اجتياح السياسات النيوليبرالية للدول النامية منذ منتصف الثمانينيات.
نزف القيمة
حرصت حكومات الدول الرأسمالية المتقدمة في سعيها للدفاع عن مصالح برجوازياتها، على التمسك بالحلقة الأولى من سلاسل التوريد، أي تلك المتعلقة بأعمال البحث والتطوير والتصميم، والتي يتحصل العاملون فيها على أعلى الأجور وذلك من خلال الاحتكار التكنولوجي، بعيدًا عن نشاط الشركات المتعددة الجنسيات في دول الجنوب.
ويتم الدفاع عن هذا الاحتكار عبر توجيه الاتهامات بسرقة الملكية الفكرية للمنجزات العلمية للقطاعات الإنتاجية الصينية وغيرها، ومنع تصدير السلع التكنولوجية الدقيقة من أشباه موصلات وغيرها للصين وغيرها. وفي حال تفوقت التكنولوجيا المنافسة على نظيرتها في المركز، يتم حظرها وتقييد الوصول إليها، مثلما حدث مع شركة هواوي الصينية التي كانت أول من طورت شبكة الجيل الخامس، حيث مارست واشنطن أقصى درجات الضغط على الدول الدائرة في فلكها لفض الشراكات ونقض الاتفاقات معها. هذا بالإضافة إلى فرض قيود على استيراد السيارات الكهربائية والأجهزة الذكية الصينية التي تضاهي وتتفوق في كثير من الحالات على نظيرتها الأمريكية والأوروبية.
كاستنتاج مبدئي، يهاب المركز الرأسمالي التطور التكنولوجي الجاري في الدول النامية، بالأخص ذلك القائم في الصين، لأنه يؤثر بالضرورة على القيمة السوقية لشركاته وبضائعه، ويضعف من تفوقها التنافسي. لكن الأهم من هذا هو أن هذا التطور التكنولوجي في المحيط يزيل الحواجز التاريخية بين القطاعات الإنتاجية الخاصة بالتصدير، وبين السوق الإنتاجية والاستهلاكية المحلية، أي أن هذه الأسواق تصبح الوجهة الأولى لخبرة تكنولوجية تراكمت تاريخيًا. وإن كان هذا يجري في العالم النامي على نحو غير منظم، فإن الصين تنتقل منذ أكثر من عقد على نحو منظم وواعٍ من الإنتاج واسع النطاق منخفض التكلفة الموجه للخارج باتجاه إنجاز قفزات تقنية تشكل أرضية لعملية إنتاجية أرفع تقنيًا وموجهة للداخل بالدرجة الأولى، وهذا من شأنه أن يؤثر على حجم القيمة المتدفق من الاقتصاد الصيني إلى الخارج، ما يمثل لب المسألة.
تكشف الأرقام عن عمق «التبادل اللامتكافئ» بين القوى الكبرى والأسواق الناشئة. ففي الفترة ما بين (1978-2018)، كان التبادل بين الولايات المتحدة والصين يقوم على معادلة مجحفة: ساعة عمل أمريكية واحدة مقابل 40 ساعة عمل صينية. بمعنى أن العامل الصيني كان عليه أن يعمل أربعين ضعف ما يعمله نظيره الأمريكي ليحصلا على نفس القيمة التبادلية. ومع اندلاع الحرب التجارية في 2018 سُجّلت أرقام جديدة تشهد على تقلص الفجوة لتصل إلى (1 مقابل 6.4)، إلا أن الجوهر يظل واحدًا، استنزاف ضخم للجهد البشري في الجنوب لصالح الرفاه في الشمال.[4]
نحن نتحدث عن عدد ساعات العمل المنفقة بشكل مباشر في السلع المصدرة، بمعنى أن النظر إلى كل العمل المنفق في معالجة المواد الخام والعمليات الإنتاجية الوسيطة الداخلة في تركيب السلعة المصدرة، يتطلب قياس كمية العمل الضرورية اجتماعيًا، أي مقدار العمل اللازم لإنتاج السلعة المعنية استنادًا إلى المتوسط العالمي التقني والمهاري لإنتاجها. ولأن السلع لا يتم بيعها وشراؤها بالساعات وإنما بالأسعار، تُقاس كمية العمل من حيث كونه عملًا معولمًا بالنقود تبعًا لقوتها الشرائية على نحو قابل للمقارنة بين الدول، أي أنه يتحول إلى قيمة دولية. فالاقتصاد الصيني، على سبيل المثال، نقل ما متوسطه 100 مليار دولار سنويًا إلى الاقتصاد الأميركي (بين عامي 1995 و2014) كفائض قيمة مستتر.
ولو أردنا قياس هذا الرقم في سياق عملية التبادل، فمن الأنسب مقارنته بالدخل المحلي الذي يخلقه الاقتصاد الصيني في الداخل، وينتهي به المطاف مستهلكًا في الخارج، أي العائد الحقيقي الذي تجنيه الصين من تصدير منتجاتها، وهنا سنجد أن صافي التحويل السنوي للقيم الدولية من الصين إلى الولايات المتحدة (المئة مليار) شكّل نحو 5.7% من القيمة المضافة التي أُنتجت داخل الصين والتي استهلكت في الخارج.[5]
أما الصورة الأشمل، فتظهر في دراسة نشرتها مجلة Nature، تشير إلى أن دول الشمال استوردت عام 2021 وحده ما يعادل 906 مليار ساعة عمل من دول الجنوب، بينما لم تصدّر في المقابل سوى 80 مليار ساعة. هذا الفارق الهائل، الذي يبلغ 826 مليار ساعة عمل، والذي تبلغ مساهمة الصين فيه قرابة السدس (136 مليار ساعة عمل تقريبًا) يمثل تدفقًا خفيًا للثروة البشرية. ولو قُمنا بتسعير هذا الجهد المهدور وفقًا لمتوسط الأجور في الدول المتقدمة، لاكتشفنا أن المركز الرأسمالي يمتص سنويًا نحو 20.9 تريليون دولار من جهد عمال العالم النامي من مهارات وقطاعات مختلفة ومتنوعة، وهي القوة المحركة الحقيقية لازدهار الشمال بعيدًا عن أضواء الحسابات التقليدية.[6]
الخروج من فخ التصدير
لا تفهم الولايات المتحدة العلاقات التجارية من منطلق الاعتماد المتبادل، الذي لا يقلّ وهمًا عن خرافة السوق الحرة، وإنما اعتمادًا على قاعدة الاستغلال الأحادي الجانب الذي يناسب مسار تضخم اقتصادها ماليًا فحسب. فإذا ما اهتزت هذه القاعدة على خلفية تقدم وسائل الإنتاج في المحيط الذي تتموضع الصين في مركزه، سيتم التوجه إلى الحروب التجارية وتقييد بعض الصادرات من وإلى الصين وفرض العقوبات، إلى جانب تسعير العسكرة ودفع الاضطرابات الأمنية إلى حدود قصوى.
في المقابل، تُعد استراتيجيتا «صنع في الصين 2025»، و«الدورة المزدوجة» التعبير المؤسسي الصيني الناظم لارتقاء الصين في سلسلة القيمة العالمية، وهو ما يمثل التحدي الأعمق للهيمنة التكنولوجية والاقتصادية الغربية بقيادة الولايات المتحدة. فمن ناحية، يمثل برنامج «صنع في الصين 2025» الذي انطلق قبل عقد من الآن، إعلانًا واضحًا عن نية التخلص التدريجي من الاعتماد على إنتاج السلع منخفضة التقانة والتحول صوب صناعات أكثر تعقيدًا، من خلال الاستثمار الموجه والمكثف في قطاعات استراتيجية عالية التقنية (مثل الروبوتات المتقدمة، ومركبات الطاقة الجديدة، والذكاء الاصطناعي).
هذا الارتقاء النوعي يهدد مباشرة الاحتكار التكنولوجي الأمريكي، حيث تبدأ الشركات الصينية في إنتاج المكونات والمنتجات النهائية التي كانت تستوردها سابقًا، مما يقوّض تفوق المركز الرأسمالي في الحلقة الأعلى أجرًا من سلاسل التوريد (البحث والتطوير والتصميم).
ويهدف مبدأ الدورة المزدوجة إلى تحصين هذا الارتقاء التكنولوجي وتطويره، حيث يركز على تعزيز «الدورة الاقتصادية الداخلية» عبر الاعتماد بشكل أكبر على الطلب المحلي والاستهلاك الداخلي كمحرك للنمو، بغرض تقليل الاعتماد الحيوي على الأسواق الغربية و«الدورة الخارجية»، وبالتالي الحد من نفوذ الولايات المتحدة وقدرتها على استخدام التهديدات التجارية أو العقوبات كأداة ضغط سياسي واقتصادي. ولهذا تقيّد السلطات الصينية المعنية حاليًا وصولَ الشركات المحلية لرقائق شركة إنفيديا الأميركية التي سمح الرئيس ترامب مؤخرًا للصين بالاستفادة من أحد أطرزتها، وذلك لصالح تعزيز صناعة أشباه الموصلات المحلية.
ما زال التبادل اللامتكافئ يحكم العلاقات التجارية الصينية الأميركية بحسب آخر الأرقام، لكنه يتعدل بالتدريج بحكم التطور التكنولوجي الصيني الذي يسلب الميزات التقنية للواردات من الغرب أثرها الحصري على مسار التنمية الداخلية، وهذا ما يجعل الاقتصاد الصيني مدفوعًا بالتطور والتولد الذاتي. كل هذا من المفترض أن يؤدي إلى خفض استغلال العمال الصينيين بغض النظر عن درجة مهارتهم، إلا أن هذا لن يحصل إلا في واقع تتعمق فيه عمليات توزيع الثروة في الصين على نحو يُعلي من شأن الطبقة العاملة الصينية كسيدة على العملية الإنتاجية برمتها.
-
الهوامش
[1] سمير أمين، التطور اللامتكافئ: دراسة في التشكيلات الاجتماعية للرأسمالية المحيطية، ترجمة برهان غليون، ط4 (بيروت: دار الطليعة، 1985)، ص 123، 126، 147- 148.
[2] المصدر السابق
[3] المصدر السابق
[4] Bangxi li et al, «U.S China Trade War: Has the Real «Thief» Finally Been Unmasked?», Monthly Review, Vol. 72, No. 05 (October 2020).
[5] وفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2014.
[6] جايسون هيكيل، التبادل اللامتكافئ للعمل في الاقتصاد العالمي، ترجمة مهيار ديب، موقع صفر، أيلول 2024، ص7، 9، 11.





