اقتصاد التقشف: هكذا بدّلت الحرب عادات اللبنانيين الاستهلاكية
مع بلوغ الحرب في لبنان شهرها الأول تقريباً، بدأت ملامح تحولات واضحة في الأنماط الاستهلاكية اليومية لدى الأفراد والعائلات، في ظل حالة من عدم اليقين. فقد اتجهت شريحة واسعة من اللبنانيين إلى اعتماد سياسة تقشفية، تمثلت في تقليص النفقات وإعادة ترتيب الأولويات، خوفا من تداعيات الحرب، في مقابل استبعاد سداد فواتير معيشية منها ما هو فائق الأهمية كالاقساط المدرسية والكهرباء والمياه وغيرها، بانتظار انقشاع الرؤية حول نهاية الحرب.
تقليص الميزانية
بدأت العديد من العائلات اللبنانية بتقليص ميزانيتها الشهرية، والاكتفاء بشراء صنف أو صنفين من السلع الاستهلاكية، وهو ما تعبر عنه المواطنة حنان مرعي، التي خفضت جزءاً كبيراً من مشترياتها الأسبوعية، مكتفية بشراء الخبز وصنف واحد من الألبان أو الأجبان، وشراء نوع واحد من اللحوم أسبوعياً، حتى شراء الفاكهة تقلص إلى حصة واحدة، في محاولة منها للحد من الإنفاق وترشيد الاستهلاك.
تقول لـ"المدن": هناك مخاوف عديدة، تدفعني للتفكير في المصاريف اليومية، فالحرب تتسع يوماً بعد يوم، ونخشى من احتمال النزوح وما ينتظرنا من مستقبل مجهول".
تبديل العادات
عادة، خلال فترات الحروب، ولا سيما في بداياتها، يلجأ الناس إلى شراء السلع الأساسية وتخزينها تحسباً لأي نقص أو ارتفاع في الأسعار. إلا أن هذا السلوك بدأ يتبدل مع طول أمد الحرب، إذ يضطر اللبنانيون إلى إعادة النظر في آليات الصرف والإنفاق.
ويعود ذلك إلى عوامل عديدة، من أهمها فقدان مصادر الدخل، إذ وجد الكثير من اللبنانيين، تحديداً في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية، أنفسهم بلا عمل، بعد إقفال مؤسساتهم، ما أدى إلى انقطاع مداخيلعهم الشهرية.
يقول علي حسن، صاحب سوبرماركت في الضاحية الجنوبية: "اضطررت، مع موجة النزوح، إلى إقفال المحل التجاري، وشارفت مدخراتي على الاختفاء، لذا بدأت وعائلتي بتقليص الميزانية اليومية من 15 دولاراً كمعدل عام إلى 10 دولارات أو أقل". يخشى حسن من حصول أي مفاجآت سلبية تتعلق بعدم قدرته على الاستمرار في الإنفاق على العائلة لفترة أطول، أو مرض أحد أفراد أسرته.
يشرح حسن كيفية تأقلمه مع ميزانيته الجديدة، ويقول "استغنيت عن شراء اللحوم والدواجن بشكل أساسي، وقمت باستبدالها بالبقوليات مثل الفول والحمص والعدس". وبحسب تعبيره، يكفي شراء كيلوغرام من الفول بسعر ثلاث دولارات لتأمين وجبة تكفي العائلة.
ويشير إلى أنه استغنى عن شراء أي سلع بعيدة عن السلع الغذائية وإن كانت ضرورية، مثل الملابس التي يحتاجها أطفاله، خاصة وأنهم خرجوا ليلاً من منازلهم. يقول" خلال فترات النهار، أفضل العودة إلى المنزل، وجلب الثياب والسلع الضرورية وإن كانت ذلك يشكل مخاطرة كبيرة".
يعيش اللبنانيون اليوم تحت ما يعرف باسم اقتصاد التقشف، بمعنى توجه السكان نحو خيارات الاستهلاك الأساسية جدا، وتأجيل المدفوعات والأقساط الشهرية، وعادة ما يأتي هذا السلوك نتيجة الخوف من تأثيرات الحروب أو الظروف القاهرة.
تأجيل المستحقات
في ظل الحرب المستمرة، ترفض العديد من العائلات تسديد الكثير من المستحقات الشهرية، مثل أقساط المصارف أو حتى الأقساط المدرسية، خاصة في ظل تحول جزء من المدارس إلى مراكز إيواء النازحين.
تقول إحدى الأمهات (ن.ع)، التي فضلت عدم الكشف عن هويتها، إنها تفضل عدم دفع القسط الثالث من العام الدراسي حتى انتهاء الحرب. وبحسب تعبيرها، الأمر لا يتعلق برغبتها في الامتناع عن الدفع فحسب، بل محاولة منها للاحتفاظ بالأموال في ظل حالة عدم اليقين استعدادا لأي طارئ قد يحدث.
وعلى الرغم من أن هذه الأسرة تعيش في العاصمة بيروت، إلا أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة غيرت الكثير من الحسابات، ما جعلهم يعيشون حالة من الارتباك في التعامل مع النفقات الأساسية.
مخاوف كثيرة
مخاوف اللبنانيين ليست نابعة من الحرب الإسرائيلية ضد لبنان فحسب، بل نتيجة تراكم أزمات عصفت بلبنان خلال السنوات الماضية هذا من جهة، وهو ما تعبر عنه مرعي، إذ تشير إلى خوفها من حصول أزمة مالية في لبنان، وتوقف المصارف عن دفع مستحقاتهم المالية كما حصل في عام 2019. تقول "أحاول تقليص الإنفاق والحفاظ على أكبر قدر ممكن من الأموال خوفاً من سيناريوهات مالية صعبة"، ومن جهة ثانية، فإن غياب أي دور للسلطات اللبنانية في دعم المواطنين يلعب أيضاً دوراً سلبياً.
يخشى الكثير من أصحاب المهن في الضاحية الجنوبية من فقدان مصدر رزقهم، وعدم تمكنهم من استئناف نشاطهم الاقتصادي، ولذا يفضلون الإنفاق على الضروريات.
على الرغم من غياب أي أرقام واضحة حول عدد المنشآت الاقتصادية التي تعطلت بسبب الحرب، إلا أن تقارير لفتت إلى أن أكثر من 7000 مؤسسة اقتصادية في الضاحية الجنوبية تضررت نتيجة الحرب، حتى أن تقارير سابقة لفتت إلى أنه خلال الحرب الماضية تضررت عشرات الآلاف من المؤسسات الاقتصادية في الجنوب، البقاع والضاحية الجنوبية، هو ما ينعكس بدوره على أصحاب العمل والعمال.
أضف إلى ذلك، فهناك سبب آخر يدفع اللبنانيين إلى اتباع سياسة التقشف، ويدخل في إطار سياسة وقائية، يأتي نتيجة تراجع الثقة بالاستقرار الاقتصادي والسياسة المتبعة، حيث تميل العائلات، وتحديداً بعد العام 2019، إلى ادخار الأموال في المنزل، خوفاً من أي انهيار في أسعار الصرف أو حدوث تطورات مفاجئة. أمام هذا الواقع يصبح التقشف ليس مجرد خيار، بل حاجة ملحّة نتيجة مخاوف من ظروف اقتصادية غير مستقرة عاشها المواطنون سابقاً.
بلقيس عبد الرضا - المدن
The post اقتصاد التقشف: هكذا بدّلت الحرب عادات اللبنانيين الاستهلاكية appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.




