اقتصاد الخليج في معادلة الحرب.. هل تغير الخسائر من حسابات واشنطن؟
في مايو 2025، أجرى دونالد ترامب جولةً شملت ثلاث دول خليجية؛ هي السعودية وقطر والإمارات، ونجح خلالها في إبرام صفقات مباشرة قُدّرت بنحو 730 مليار دولار، تركزت في قطاعات الدفاع والطيران والتكنولوجيا. كما وقّعت الدول الخليجية تعهدات بالاستثمار في الاقتصاد الأمريكي تُقدر بنحو تريليوني دولار. وقد تباهى ترامب كثيرًا بقدرته على جذب هذه الاستثمارات الضخمة من حلفائه في الخليج.
لكن اليوم، وبعد مرور أسبوعين على اندلاع الحرب ضد إيران، باتت التزامات الدول الخليجية بهذه الصفقات محل شك. وتنامت احتمالات لجوء بعض هذه الدول إلى تفعيل بنود القوة القاهرة ضمن التزاماتها الاستثمارية القائمة والمستقبلية، بما في ذلك تلك الموقعة مع الولايات المتحدة، في محاولة لتخفيف الضغوط المالية التي خلّفتها الحرب.
ومنذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب التي بدأت باغتيال المرشد الإيراني، جاء ردُّ طهرانَ عبر استهداف جميع دول مجلس التعاون الخليجي بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة، استهدفت مواقعَ ومنشآتٍ عسكريةً وسفارات أمريكية ، إلى جانب بنى تحتية مدنية واقتصادية، في محاولة لرفع تكلفة المواجهة على واشنطن وحلفائها، وإحداث صدمة في الاقتصاد العالمي تدفع نحو وقف الحرب.
لطالما حذرت إيران من أنها ستشعل حربًا إقليمية، وستضع الدول الخليجية ضمن أهدافها في محاولة لردع الولايات المتحدة، كما عملت الدول الخليجية من ناحيتها على النأي بأنفسها قدر المستطاع، ومحاولة احتواء التصعيد من خلال جهود سياسية ودبلوماسية وفق التصريحات الرسمية. ويبدو أن ترامب وقبل أن يتخذ قراره قد تجاهل، أو قلّل من شأن حقيقة أن الثقل الاقتصادي للخليج بالنسبة لواشنطن سيجعل هذه المنطقة نفسها جزءًا من ساحة المواجهة.
استهدافات إيرانية طالت البنية التحتية والمنشآت المدنية في دول الخليج
كيف نقلت طهران كُلفة الحرب إلى الخليج؟
عملت إيران منذ بداية الحرب، في مرحلتها الأولى على إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20٪ من الإنتاج العالمي للنفط، وذلك من خلال تهديد واستهداف ناقلات النفط تحديدًا، وقد أدى ذلك إلى تكدس الناقلات في مياه الخليج، مع إحجام وتراجع عدد الناقلات المقرر وصولها إلى المنطقة. ونتج عن ذلك تكدّس النفط في الحقول الخليجية وامتلاء المخزونات، لكن إيران لم تكتفِ بذلك.
ففي مرحلة لاحقة وبشكل تدريجي، بدأت إيران استهداف أو محاولة استهداف عدد من المنشآت النفطية ومرافق الطاقة الرئيسة في دول الخليج. بعض هذه الهجمات أصاب أهدافه مباشرة، فيما جرى اعتراض بعضها قبل وصوله، لكنها في المحصلة نجحت في تحقيق الغرض الإيراني المتمثل في رفع كلفة المواجهة.
في مقدمة هذه الهجمات جاء استهداف مصفاة “رأس تنورة” شرق السعودية في الثاني من مارس، وهي أكبر مصفاة في المملكة بطاقةٍ تقارب 550 ألف برميل يوميًا من النفط الخام، كما تُعدّ أحد أهم مراكز تصدير النفط في العالم. وقد أسفر الهجوم وفق البيانات الرسمية السعودية، عن أضرار محدودة وإيقاف مؤقت لبعض العمليات. وبعد أسبوع، في التاسع من مارس، أعلنت الدفاعات الجوية السعودية اعتراض موجات من الطائرات المسيّرة كانت متجهة نحو حقل “شيبة” النفطي، وهو أحد أكبر الحقول في البلاد.
كما استُهدفت منطقة الصناعات النفطية في الفجيرة على خليج عُمان مرتين، في الثالث من مارس ثم في الرابع عشر من نفس الشهر؛ حيث تصاعدت حرائق ضخمة من منشآت تُعد من أكبر مراكز تخزين وتجارة النفط في الشرق الأوسط. وتكمن أهمية هذا الاستهداف في أن الإمارات أنشأت ميناء الفجيرة عام 2019 ليتيح لها تصدير النفط عبر خط أنابيب مباشر من الحقول إلى الأسواق العالمية دون المرور بمضيق هرمز، بطاقة تصل إلى 1.5 مليون برميل يوميًا. إلا أن الهجوم أدى إلى تعطيل المنشأة مؤقتًا، مع إعلان شركات تزويد السفن بالوقود في الميناء حالة “القوة القاهرة”.
وفي اليوم الثالث من الحرب في الثاني من مارس، اعترضت قطر طائراتٍ مسيّرةً وصواريخَ استهدفت مجمع “رأس لفان” للغاز، لتعلن بعدها وقف الإنتاج ثم إعلان حالة “القوة القاهرة”، وهي الدولة التي تورد نحو 20٪ من صادرات الغاز العالمية.
ولحقت بها البحرين، التي أعلنت في التاسع من مارس، عاشر أيام الحرب، حالة “القوة القاهرة” بعد تعرض مصفاة سترة النفطية -بطاقة تقارب 405 آلاف برميل يوميًا- لهجوم بطائرات مسيّرة وصواريخ تسبب في حريق ضخم وإصابة عدد من المدنيين في المنطقة المحيطة.
أما الكويت؛ فعلى الرغم من عدم تعرض منشآتها النفطية لاستهداف مباشر؛ فقد أعلنت هي الأخرى في السابع من مارس 2026، ثامن أيام الحرب، تفعيل حالة القوة القاهرة. وتصدر البلاد نحو مليوني برميل يوميًا، ولا تملك مسارًا بريًا بديلًا لتجاوز مضيق هرمز؛ ما يجعل صادراتها مرتبطة بالكامل بحركة الملاحة عبر المضيق.
ويعني تفعيل بند القوة القاهرة الحماية من المسؤولية القانونية، ويمنح الدول المصدرة مرونةً تتيح تأجيل الشحناتِ أو تعديلَ الالتزامات التعاقدية دون تحمل غرامات التأخير.
كما واجهت دول الخليج، في الثاني عشر من مارس، مستوى جديدًا من التهديدات لمنشآتها النفطية، بعد إعلان الولايات المتحدة تنفيذ ضربات ضد ما وصفته بـ”أهداف عسكرية” في جزيرة “خرج” الإيرانية، التي يمر عبرها نحو 90٪ من صادرات النفط الإيرانية. وردّت طهران بتصعيد حادٍ في خطابها، مهددة باستهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة وتحويلها إلى “كومة من الرماد”، إذا استمرت الهجمات على منشآتها النفطية. كما صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن الضربات انطلقت من الإمارات العربية المتحدة، من مواقع قريبة من دبي.
يرى محلل أسواق النفط ومدير منصة “الطاقة” أنس الحاج، في حديثه مع وول ستريت جورنال، أنّ توقف الحرب اليوم لا يعني عودة الأمور سريعًا إلى طبيعتها؛ إذ سيستغرق الأمر أسبوعين لإعادة حركة الشحن في الخليج العربي إلى مسارها الطبيعي، وشهرين آخرين لإعادة إنتاج النفط إلى مستوياته المعتادة، وهو ما يصفه بأنه سيناريو متفائل. ويضيف أن الجماعات التي تمتلك طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة قد تستمر في تهديد الملاحة عبر مضيق هرمز حتى بعد انتهاء الحرب.
ويتوقع بنك “غولدمان ساكس” أنه في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز وتعطل الصادرات النفطية حتى شهر أبريل من هذا العام؛ فقد تشهد اقتصادات دول الخليج انكماشًا في الناتج المحلي الإجمالي، وقد يصل إلى نحو 14% في دول مثل قطر والكويت، بينما يُتوقع أن تسجل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تراجعًا في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 3% و5% على التوالي.
ضرب نموذج الاستقرار الخليجي
يعتقد محلل أسواق المال “راجار كابور” أنّ الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي تحمل مؤشراتٍ واضحةً على استهداف منهجي. ويضيف، خلال حديثه لـ”مواطن”: “إن ما نشهده ليس مجرد ردّ عشوائي؛ فهذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يشنُّ فيها طرفٌ واحدٌ هجماتٍ متزامنةً على جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست. ويبدو نمط الأهداف مقصودًا ويتبع منطقًا واضحًا: وهو استهداف البنية التحتية للطاقة لخنق الإيرادات، واستهداف الطيران والموانئ لقطع الاتصال والتجارة”.
كما تضمنت الضربات التي تلقتها بلدان الخليج استهداف مطارات في دبيّ وأبوظبي والكويت والبحرين في أكثر من مناسبة؛ ما دفع عددًا من هذه الدول -بجانب قطر- إلى تعليق حركة الطيران كليًا أو جزئيًا وإغلاق المجال الجوي مؤقتًا. كما لجأت بعض الدول الخليجية ومنها البحرين، إلى نقل عدد من الطائرات إلى مطارات خارج البلاد كإجراء احترازي لحمايتها من أي أضرار محتملة، وفق ما أفادت به تقارير صحفية.
وأدت عمليات إغلاق المجال الجوي وتعليق الرحلات إلى اضطراب واسع في حركة الطيران في المنطقة؛ ما أدى إلى إلغاء أكثر من 21 ألف رحلة طيران في سبعة مطارات رئيسة في الخليج.
وكان مطار دبي الدولي قد شهد هجومين من المسيرات الإيرانية خلال الحرب الحالية، وتظهر مقاطع فيديو انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي حالة من الذهول بين المسافرين داخل المطار أثناء الهجمات وهم يشاهدون أعمدة الدخان والنيران تتصاعد في محيط المطار، والذي يُعد أحد أهم مراكز الطيران في العالم، والأكثر ازدحامًا عالميًا من حيث حركة المسافرين الدوليين؛ إذ يستقبل نحو 95 مليون مسافر سنويًا، ويعمل كنقطة عبور رئيسة تربط بين الشرق والغرب.
توقف الحرب اليوم لا يعني عودة الأمور سريعًا إلى طبيعتها؛ إذ سيستغرق الأمر أسبوعين لإعادة حركة الشحن في الخليج العربي إلى مسارها الطبيعي، وشهرين آخرين لإعادة إنتاج النفط إلى مستوياته المعتادة
يساهم قطاع الطيران بنحو 92 مليار دولار سنويًا في الاقتصاد الإماراتي، وهو ما يمثل حوالي 18.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي للدولة، كما يشكّل القطاع نحو 27٪ من الناتج المحلي لإمارة دبي؛ ما يعكس أهمية القطاع المتضرر حاليًا بالنسبة للإمارات. وفي المقابل، يمثل قطاع الطيران أيضًا ركيزة مهمة في الاقتصاد القطري؛ حيث تشير تقديرات إلى أنه يساهم بأكثر من 10٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
وينعكس تعطّل حركة الطيران بدوره على قطاع السياحة؛ حيث تشير تقديرات مؤسسة Tourism Economics إلى تراجع عدد السياح إلى الشرق الأوسط بنسبة تتراوح بين 11٪ و27٪ خلال عام 2026 نتيجة الحرب الحالية؛ ما يترجم إلى خسائرَ تتراوحُ بين 34 و56 مليار دولار من إنفاق الزوار في المنطقة.
وكانت الإمارات الأكثر تضررًا، فإلى جانب تلقيها العدد الأكبر من الضربات العسكرية مقارنة بجيرانها، ومقارنة بطرف الحرب الأساسي إسرائيل؛ فقد تلقت ضربة تضر بصورتها كمدينة تنعم بالرفاه وسط إقليم مضطرب، بات من الصعب ترميمها.
الرهان على الاستقرار ينقلب
استفادت دول الخليج -وفي مقدمتها الإمارات- لسنوات طويلة من الترويج لنفسها بوصفها واحةً للاستقرار والازدهار الاقتصادي، في منطقة تعجّ بالصراعات والحروب. وقد اعتمد هذا النموذج على توفير بيئة استثمارية مرنة تشمل تسهيلاتٍ واسعةً وإعفاءاتٍ ضريبيةً ودعمًا للمستثمرين، وهي مزايا يصعب العثور عليها في كثير من دول المنطقة. غير أن هذا النموذج بات اليوم مهددًا في ظل القصف والتصعيد المرتبط بالحرب على إيران.
وفي قطاع التكنولوجيا، كانت الإمارات تستضيف المقرات الإقليمية لكبرى شركات التكنولوجيا العالمية، كما أصبحت مركزًا متناميًا للبنية التحتية الرقمية، ومركزًا للبيانات الإقليمية لخدمات الحوسبة السحابية تخدم أسواق الشرق الأوسط. وقد وقّعت كل دول الخليج -تقريبًا- اتفاقيات استثمارية بمليارات الدولارات مع شركات التكنولوجيا الكبرى بالفعل، خلال السنوات الأخيرة لتوسيع مراكز البيانات فيها.
لكن هذا القطاع -وهو شديد الحساسية- شملته نيران الحرب أيضًا؛ ففي الأول من مارس 2026 تعرضت ثلاثة مراكز للبيانات تابعة لشركة أمازون في الإمارات لأضرار خلال هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ. وذكرت الشركة أن منشآتٍ لها في البحرين أيضًا تأثرت بالضربات الجوية؛ ما تسبب في اضطرابات في خدمات الإنترنت السحابية التي تعتمد عليها مؤسسات مالية وشركات في المنطقة.
وأشارت تقارير صحفية إلى أن بعض الشركات الدولية؛ سواء أكانت في مجال التكنولوجيا أو القطاع المالي، بدأت تدرس نقل أو إجلاء جزء من موظفيها الأجانب من الإمارات مؤقتًا، مع استمرار الهجمات والاضطرابات الأمنية في ظل حرب بات من غير المعلوم متى تنتهي.
كما يرى الخبير الاقتصادي الأردني حسام عيّاش، أن بلدان الخليج العربي هي الخاسر الأكبر في الحرب الحالية؛ إذ تتحمل الجزء الأكبر من الكلفة. يقول عيّاش لـ”مواطن”: “بينما تتحمل الولايات المتحدة وإسرائيل كلفة مالية وعسكرية؛ فإن الدول الخليجية -وهي ليست طرفًا في الصراع- تتحمل كلفة اقتصادية وبشرية وأمنية، إلى جانب كلفة تمسّ مستوى الرفاه والاستقرار اللذين كانت تنعم بهما، وربما تمتد هذه الكلفة إلى آثار مستقبلية يحددها عامل الوقت.
ويُلاحظ أن استقرار المنطقة بات متأثرًا بإيقاع التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، جاءت هذه التهديدات المتصاعدة، بعد قصف بنك في إيران في الحادي عشر من مارس 2026؛ فأصدرت طهران تهديدها الأول باستهداف المصالح الاقتصادية والمصرفية المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة. وبعد ساعات من هذا التهديد، طلب بنك Citigroup وبنك Standard Chartered، وهما من أكبر البنوك العالمية، من موظفيهما إخلاء مكاتبهما في دبي كإجراء احترازي. وذلك وفق ما نقلته وكالة “فرانس برس” عن مصادر مطلعة.
ضرب الملاذات الآمنة
كما اتخذت شركات مالية واستشارية دولية أخرى من بينها Standard Chartered وPwC، إجراءات مشابهة؛ حيث أغلق بنك HSBC فروعه في قطر مؤقتًا، عازيًا ذلك إلى مخاوف تتعلق بالسلامة.
وفي الرابع عشر من مارس، نشر الحرس الثوري الإيراني تهديده الثاني، الذي تضمن قائمة تحذير باستهداف عددٍ من كبرى الشركات العاملة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والقطاع المالي، ذكر أسماءها صراحة في كلٍ من الأردن والإمارات العربية المتحدة، مع تحديد مواقع مكاتبها. وبعد هذا التهديد، تعرض الحي المالي في دبي لهجماتٍ بطائرات مسيّرة إيرانية، أسفرت عن أضرار في أحد أبراج المنطقة؛ حيث تحطمت النوافذ وتضررت الواجهة الخارجية للطوابق العليا من المبنى.
هذا المستوى من الخطر تعيشه الخليج والإمارات للمرة الأولى تقريبًا، وينتقل لمرحلة مختلفة مع وصوله للقطاع المالي والمصرفي؛ حيث تستضيف دول الخليج مقراتِ عددٍ كبير من البنوك العالمية والمؤسسات المالية الدولية التي كانت دبي بوابتها لدخول أسواق دول الخليج الغنية، مع إدارة العمليات المالية والاستثمارية في المنطقة، انطلاقًا من مركز دبي المالي العالمي، وهو أكبر المراكز المالية في الشرق الأوسط، ويضم أكثر من 1500 شركة مالية مرخصة ويعمل فيه أكثر من 50 ألف موظف.
غير أن السبب الذي اجتذب المستثمرين والأثرياء إلى دبي، هو فكرة توفير ملاذ آمن في منطقة مضطربة، وإقناعهم بإمكانية العمل في الشرق الأوسط دون التعرّض لمخاطره، وهو نفسه السبب الذي يدفع بعضهم اليوم إلى الرحيل سريعًا بعد أقل من أسبوعين من انطلاق المسيّرات الإيرانية في سماء المدينة الزجاجية التي لم تُبنَ للتعامل مع الحروب.
فبحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، تلقّى محامون ومديرو ثروات اتصالاتٍ من عملاء أثرياء يملكون أصولًا كبيرة في دبي يسألون: “نريد نقل أموالنا الآن؛ فما أسرع طريقة لذلك؟ فيما طلب بعضهم التحرك سريعًا لنقل جزء من أصولهم إلى مراكز مالية أكثر استقرارًا مثل سنغافورة.
ويشير تحليل Bloomberg Intelligence إلى أنّ البنوك في الخليج وخاصة في الإمارات، قد تواجه مخاطر خروج ودائع المقيمين الأجانب ورؤوس الأموال الدولية التي تعتمد عليها بنوك المنطقة، والتي تتراوح بين 111 و260 مليار دولار إذا طال أمد الحرب مع إيران وارتفعت المخاطر في المنطقة.
الاقتصاد المعيشي تحت ضغط الحرب
دخلت موانئ ومنشآت النقل البحري أيضًا ضمن الأهداف؛ ففي الحادي عشر من مارس، طلبت القيادة المركزية الأمريكية إخلاء الموانئ الإيرانية، معلنة أن استخدام النظام الإيراني للموانئ المدنية لأغراض عسكرية يفقدها صفة الحماية ويحوّلها إلى “أهداف عسكرية مشروعة”.
وفي اليوم نفسه، ردّ المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي قائلًا: “إذا تعرضت موانئنا وأرصفتنا للتهديد؛ فستكون جميع الموانئ والأرصفة في المنطقة أهدافًا مشروعة لنا”. وفي صباح اليوم التالي، الثاني عشر من مارس، أُبلغ عن استهداف سفينة حاويات قرب ميناء “جبل علي” في الإمارات.
وتبرز أهمية ميناء “جبل علي” في دبي بوصفه الأكبر والأكثر ازدحامًا في الشرق الأوسط من حيث مناولة الحاويات، بطاقةٍ استيعابيةٍ تقارب 19.4 مليون حاوية سنويًا، ويربط أكثر من 150 ميناء حول العالم. وفي الأول من مارس، اندلع حريق داخل الميناء بعد سقوط حطام ناجم عن اعتراض دفاعي لهجوم جوي؛ ما أدى إلى تعليق العمليات لفترة قصيرة قبل استئنافها لاحقًا. ومع ذلك؛ ما زال الميناء يواجه ضغوطًا لوجستية ناتجة عن الحرب وتعطّلَ بعض طرق الشحن في الخليج.
كما طالت النيران موانئ في الكويت والبحرين؛ ما دفع شركات الشحن إلى البحث عن موانئ بديلة، ليبرز ميناء صلالة في سلطنة عمان، والذي أصبح أحد الموانئ القليلة القادرة على العمل خارج مناطق الخطر المرتبطة بمضيق هرمز؛ ما جعله وجهة بديلة للسفن القادمة من وإلى دول الخليج. وقد بدأت شركات الشحن العالمية بالفعل إعادة توجيه بعض خطوطها وخدماتها اللوجستية إلى ميناء صلالة ليكون مركزًا مؤقتًا لإعادة الشحن والتصدير في المنطقة.
غير أن الميناء لم يصبح بمنأى عن نيران الطائرات المسيرة؛ ففي الحادي عشر من مارس تعرضت خزانات وقود داخل ميناء صلالة لهجوم بطائرات مسيرة؛ ما أدى إلى اندلاع حرائق في بعض المنشآت، وفق ما أفادت به شركة الأمن البحري البريطانية “أمبري”. وقد نفت إيران رسميًا مسؤوليتها عن الهجوم، واتهمت أمريكا وإسرائيل بتنفيذه لإحداث وقيعة بين إيران وسلطنة عمان، لكن النتيجة العملية تبقى واحدة: اتساع دائرة الاضطراب في الممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية في الخليج.
وقد تسبب ذلك في اضطراب كبير في حركة النقل البحري مع ارتفاع تكلفة الشحن، وتردد عدد كبير من شركات النقل في التوجة نحو المنطقة، ولم يعد التأثير مقتصرًا على تعطُّل صادرات النفط فحسب؛ بل امتد أيضًا إلى حركة الواردات في دول تعتمد إلى حد كبير على استيراد معظم احتياجاتها.
وبذلك لم تعد تداعيات الحرب مقتصرةً على الاستثمارات الخارجية أو قطاع السياحة، ولا على تآكل الصورة التي سعت بعض هذه الدول إلى ترسيخها عالميًا بوصفها فضاءً للرفاه والفرص الاقتصادية؛ بل باتت مرشحةً لأن تمتد إلى حياة المواطنين أنفسهم؛ فمع استمرار الضربات العسكرية من جهة، واضطراب سلاسل الإمداد من جهة أخرى؛ ينعكس ذلك مباشرة على مستويات المعيشة في دول مجلس التعاون.
وهنا قد تجد هذه الدول أنفسها أمام تحديات متزايدة للحفاظ على صيغة العقد الاجتماعي غير المكتوب بين الحكومات وبين مواطنيها، وهي الصيغة التي قامت لعقود على معادلة معروفة؛ وهي توفير الأمن والرفاه والاستقرار الاقتصادي مقابل محدودية المشاركة والتمثيل السياسي.
بينما تتحمل الولايات المتحدة وإسرائيل كلفة مالية وعسكرية؛ فإن الدول الخليجية -وهي ليست طرفًا في الصراع- تتحمل كلفة اقتصادية وبشرية وأمنية، إلى جانب كلفة تمسّ مستوى الرفاه والاستقرار اللذين كانت تنعم بهما، وربما تمتد هذه الكلفة إلى آثار مستقبلية يحددها عامل الوقت
وفي هذا السياق، يبرز قطاع الغذاء بوصفه أحد أكثر القطاعات حساسية؛ إذ تعتمد دول الخليج على الاستيراد لتأمين ما بين 80% و90% من احتياجاتها الغذائية، فيما يمرّ أكثر من 70٪ من هذه الإمدادات الغذائية عبر مضيق هرمز، ومع عدم استقرار العمليات في ميناء جبل علي أيضًا؛ ما يجعلها تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي في المنطقة.
وفي الوقت الراهن؛ ما زالت دول مجلس التعاون تمتلك القدرة المالية واللوجستية للتخفيف من آثار الاضطراب؛ فقد اضطرت الإمارات -على سبيل المثال- إلى تسيير رحلات شحن جوي عاجلة لنقل بعض المنتجات الغذائية. كما تمتلك دول الخليج مخزونات استراتيجية من السلع الأساسية مثل القمح والأرز والسكر والزيوت تكفي لعدة أشهر.
غير أن التحدي الأكبر يتعلق بالسلع الطازجة، مثل الخضروات والفواكه واللحوم، والتي تعتمد على تدفق مستمر للإمدادات عبر النقل البحري والجوي، ولا يمكن تخزينها لفترات طويلة. وغالبًا ما تكون مخزوناتها محدودة ولا تكفي سوى لأيام قليلة. وتشير تقديرات إلى أن دبي -على سبيل المثال- قد لا تمتلك سوى نحو عشرة أيام من الإمدادات الغذائية الطازجة؛ ما دفع خبراء سلاسل الإمداد إلى التحذير من أن أي اضطراب يطال حركة الشحن قد يترك بعض الشحنات عالقة في الموانئ، أو يؤدي إلى وصولها متأخرة تالفة قبل وصولها إلى الأسواق.
وفي هذا السياق، يضيف “عياش” لـ”مواطن”، أن الإدارة الأمريكية ما زالت تقلل من حجم هذه الخسائر والأضرار، وتنظر إلى الكلفة التي تتحملها دول الخليج في هذه الحرب باعتبارها “ضريبةً” و”ثمنًا عادلاً” يفترض أن يدفعها العالم مقابل تغيير النظام الإيراني وتحقيق الاستقرار في المنطقة.
هل ترتد كلفة الحرب إلى واشنطن؟
تتضرر اقتصادات دول الخليج من خفض أو إيقاف إنتاج النفط، نظرًا لاعتماد موازناتها بدرجة كبيرة على عائداته. وكانت هذه الدول قد شرعت خلال السنوات الماضية في مسار لتنويع اقتصاداتها بعيدًا عن النفط، غير أن هذا المسار نفسه بات مهددًا في ظل الحرب وما تبعها من استهدافٍ متبادلٍ للبنية التحتية للطاقة. وهو ما قد يعيد اقتصادات الخليج سنوات إلى الوراء، ويؤثر بصورة مباشرة في مواردها المالية.
وفي تقرير لوكالة بلومبرغ، يُتوقع أن تعيد هذه الصدمة تشكيل طريقة توظيف دول الخليج لثرواتها. ما قد يترك أثرًا عميقًا على أكبر الأسواق المالية في العالم. ويقود ذلك إلى النظر في حجم الموارد المالية التي تمتلكها دول الخليج خارج حدودها؛ إذ تدير هذه الدول صناديق ثروة سيادية ضخمة تستثمر في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة.
ومن المعروف أن دول الخليج تموّل هذه الصناديق أساسًا من الفوائض المالية الناتجة من عائدات النفط والغاز. ومع تضرر موارد الدولة نتيجة الحرب؛ فقد لا تكتفي هذه الدول بإيقاف ضخّ موارد مالية جديدة في تلك الصناديق التي تستثمر في أسواق المال العالمية، وتمتلك حصصًا كبيرة من الاستثمارات في الولايات المتحدة تحديدًا؛ بل قد تضطر أيضًا إلى السحب من بعض هذه الأصول. ويُذكر أن هذه الصناديق أُنشئت أساسًا لحماية الاقتصادات الخليجية وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات والتقلبات الحادة، وهو ما قد يدفع هذه الدولَ إلى تفعيل دورها في ظل الأزمة الحالية؛ الأمر الذي قد ينعكس بدوره على الأسواق المالية العالمية، وعلى الولايات المتحدة التي تعد من أكبر المستفيدين من استثمارات هذه الصناديق.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز نقلًا عن مصادر مطلعة في الخليج، قد تعيد دول الخليج النظر في استثماراتها الخارجية لتخفيف الضغوط المالية الناجمة عن الحرب مع إيران. وأفاد التقرير بأن ثلاث دول خليجية تراجع كيفية توظيف تريليونات الدولارات المستثمرة عبر صناديقها السيادية، تحسبًا لتعويض الخسائر الناتجة عن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
وتتضمن هذه المراجعةُ بحثَ إمكانية تفعيل بنود “القوة القاهرة” في العقود الحالية، إلى جانب إعادة تقييم الالتزامات الاستثمارية القائمة والمستقبلية. وكانت الولايات المتحدة من كبار المستفيدين من عقود الاستثمار التي وقعتها الدول الخليجية، بما في ذلك الصفقات التي أُبرمت خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمنطقة. كما نقلت وكالة رويترز المعلومات نفسها، مشيرة إلى أن مسؤولًا خليجيًا قال إن هذه المراجعات قد تشمل احتمال التراجع عن بعض التعهدات الاستثمارية، أو بيع أصول معينة، أو إعادة تقييم صفقات الرعاية العالمية.
وإلى جانب الاستثمارات، تبلغ حيازات ثلاث دول خليجية -السعودية والإمارات والكويت- نحو 311 مليار دولار من سندات الخزانة الأمريكية حتى نهاية عام 2025؛ ما يعكس حجم الترابط بين اقتصادات الخليج والأسواق المالية العالمية.
تراجع ثلاث دول خليجية كيفية توظيف تريليونات الدولارات المستثمرة عبر صناديقها السيادية، تحسبًا لتعويض الخسائر الناتجة عن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران
بحسب “عيّاش”؛ فإن إعادة تنظيم المالية العامة في دول الخليج أصبحت أمرًا ملحًّا في ظل ظروف الحرب الحالية. ويضيف: أن ‘الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها دول الخليج قد تجبرها على تغيير سلم أولوياتها الاقتصادية؛ فبدلًا من الاستثمار الخارجي أو إيداع الأموال في البنوك الأمريكية أو الأوروبية، قد تتجه هذه الدول إلى توجيه الموارد المالية نحو الداخل، لإعادة ترتيب أوضاعها الاقتصادية والإنفاق على البنية التحتية ومتطلبات المرحلة الجديدة”.
كما يشير “عيّاش” إلى أن هذا التحول قد يشمل أيضًا تمويلَ الاحتياجات الغذائية والسلع الأساسية، وهي متطلبات قد تضطر الدول الخليجية إلى إنفاق مليارات الدولارات لتأمينها، وربما بتكاليف أعلى من المعتاد في الظروف الطبيعية. ولذلك قد تصبح الحاجة إلى السيولة واستعادة جزء من الأموال المستثمرة في الخارج مسألةً مرتبطةً بضرورات اقتصادية ومعيشية مباشرة داخل هذه الدول.
خاتمة: النزيف الصامت
وضعت إيران معادلة واضحة في ردّها على الحرب: كل استهداف موجه لها سيقابله استهداف مماثل في الخليج؛ فاستهداف محطة لتحلية المياه في إيران يقابله ضرب منشأة مماثلة في البحرين، واستهداف بنك إيراني يقابله استهداف للمركز المالي في دبي، وضرب ميناء إيراني يقابله استهداف موانئ خليجية. ثم جاء التهديد الأمريكي بضرب المنشآت النفطية الإيرانية ليقابله تهديد إيراني مماثل بتحويل منشآت النفط في الخليج إلى “كومة من الرماد”. كما ردّ علي لاريجاني على تهديد دونالد ترامب بتدمير البنية التحتية للكهرباء في إيران في الثاني عشر من مارس بالقول: “إن طهران قادرة على إغراق المنطقة في الظلام خلال نصف ساعة”.
وبذلك تجد دول الخليج نفسها أمام معضلة سياسية وعسكرية معقدة؛ فإيران تسعى إلى دفع هذه الدول للضغط من أجل وقف استخدام أراضيها في أية هجمات عليها، وطرد الوجود العسكري الأمريكي، إلى جانب محاولة رفع كلفة الحرب اقتصاديًا على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي. لكن في المقابل، لا تبدو دول الخليج قادرة، وربما غير راغبة في الذهاب إلى هذا الحدّ مع حليفها التاريخي.
وهكذا تجد هذه الدول أنفسها في قلب مواجهة ليست طرفًا مباشرًا فيها، لكنها تتحمل جانبًا كبيرًا من كلفتها العسكرية والاقتصادية. ومع استمرار الحرب واتساع نطاقها، تبدو المنطقة أمام نزيف بطيء قد لا يظهر أثره دفعة واحدة، لكنه يتسلل تدريجيًا إلى الاقتصاد والاستقرار ومستويات المعيشة، تاركًا دول الخليج تدفع ثمن صراع يتجاوز حدودها.
The post اقتصاد الخليج في معادلة الحرب.. هل تغير الخسائر من حسابات واشنطن؟ appeared first on مواطن.




